من النفط إلى القدرة الحاسوبية: كيف تعيد مراكز البيانات رسم نفوذ الخليج؟
تسارع دول الخليج لبناء مراكز بيانات ضخمة وتحويل الطاقة إلى قدرة حاسوبية، ما يعيد تشكيل النفوذ الاقتصادي في عصر الذكاء الاصطناعي العالمي
لم تعد مراكز البيانات في الخليج مجرد منشآت تقنية تُبنى لخدمة الإنترنت أو تخزين المعلومات، بل أصبحت جزءاً من معادلة نفوذ اقتصادي جديدة، تنتقل فيها المنطقة من تصدير الطاقة إلى تحويلها إلى قدرة حاسوبية. ومع تسارع الطلب العالمي على الذكاء الاصطناعي، باتت الحوسبة المتقدمة مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن النفط والغاز، لأن النماذج الذكية تحتاج إلى طاقة ضخمة، ورقائق متقدمة، وشبكات اتصال، ومراكز بيانات قادرة على العمل بكفاءة عالية.
وتدرك دول الخليج هذه التحولات بوضوح، لذلك بدأت السعودية والإمارات وقطر في بناء موقع جديد داخل الاقتصاد الرقمي العالمي. فبدل أن تظل المنطقة مستهلكة لخدمات السحابة والذكاء الاصطناعي، تعمل اليوم على امتلاك جزء أكبر من البنية التي تقوم عليها هذه الخدمات. وتشير تقديرات حديثة إلى أن السعودية والإمارات وقطر تخطط مجتمعة لقدرات حوسبة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تصل إلى ما بين 8 و10 غيغاواط، موزعة على مواقع ومشغلين وشبكات متعددة، وهو ما يعكس انتقال الطموح من مشاريع منفردة إلى استراتيجية بنية تحتية واسعة.
ويبدو هذا التحول أكثر وضوحاً في الإمارات، حيث دخلت استراتيجية مراكز البيانات مرحلة صناعية تقاس بالميغاواط لا بالشعارات. ففي نوفمبر 2025، أعلنت Microsoft وG42 توسعاً بقدرة 200 ميغاواط في سعة مراكز البيانات داخل الإمارات عبر Khazna Data Centers، ضمن خطة استثمارية أوسع من Microsoft في الدولة بقيمة 15.2 مليار دولار بين 2023 و2029. وتكشف هذه الأرقام أن المنافسة لم تعد تدور حول استضافة الخوادم فقط، بل حول بناء قاعدة محلية لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي على نطاق كبير.
أما السعودية، فتدفع باتجاه مشابه من خلال الاستثمار في مناطق بيانات جديدة وشراكات مع شركات عالمية. وقد قالت Amazon Web Services إنها ستستثمر أكثر من 5.3 مليار دولار لبناء منطقة مراكز بيانات جديدة في السعودية، بما يعزز قدرة المملكة على جذب خدمات السحابة والذكاء الاصطناعي، ويمنح الشركات المحلية والمؤسسات الحكومية قدرة أكبر على تشغيل البيانات داخل حدودها.
ولا ينفصل هذا السباق عن مفهوم “السيادة الحاسوبية”، إذ باتت الحكومات والشركات في القطاعات الحساسة أكثر حرصاً على أن تُخزَّن بياناتها وتُعالَج داخل الدولة أو ضمن نطاق تنظيمي موثوق. وتذهب تحليلات Strategy& إلى أن متطلبات سيادة البيانات في الخليج ستدفع جزءاً كبيراً من الطلب المحلي على الحوسبة، خصوصاً في الحكومة والقطاعات المنظمة والبنية التحتية الحيوية، إلى الاعتماد على قدرات محلية. كما تربط هذه التحليلات بين مشاريع مثل HUMAIN في السعودية وStargate في الإمارات وبين هدف أوسع يتمثل في تلبية الطلب المحلي على وحدات معالجة الرسوميات، وربما تصدير القدرة الحاسوبية مستقبلاً.
لكن هذا الصعود لا يخلو من تحديات. فمراكز البيانات تحتاج إلى طاقة مستقرة، ومياه للتبريد في بعض النماذج، وسلاسل توريد للرقائق، وأطر أمنية وتنظيمية صارمة. كما أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة قد تجعل بعض المستثمرين أكثر حذراً، خصوصاً أن منشآت البيانات باتت أصولاً استراتيجية عالية الحساسية. ومع ذلك، لا تبدو دول الخليج في موقع المتفرج؛ بل تسعى إلى تحويل مواردها التقليدية، من الطاقة ورأس المال والموقع الجغرافي، إلى أدوات نفوذ في عصر الذكاء الاصطناعي.
لذلك، يعيد صعود مراكز البيانات تعريف القوة الاقتصادية في الخليج. فالنفوذ لم يعد مرتبطاً فقط بكمية النفط التي تُنتَج، بل أيضاً بكمية الحوسبة التي يمكن تشغيلها، وبالقدرة على استضافة النماذج والمنصات والتطبيقات التي ستدير اقتصاد المستقبل. ومن هنا، تبدو مراكز البيانات الجيل الجديد من البنية التحتية السيادية، حيث تتحول الكهرباء إلى ذكاء، وتتحول الخوادم إلى نفوذ، وتدخل المنطقة مرحلة جديدة من المنافسة العالمية.
شاهد أيضاً: السعودية تمضي في سباق البنية التحتية السحابية: AWS تستثمر أكثر من 5.3 مليارات دولار في مراكز بيانات بالمملكة