سباق السيادة الرقمية في الخليج: كيف تُعيد إستونيا رسم قواعد الحوكمة الحديثة؟
حين تتسارع خطوات الخليج نحو سيادة رقمية متكاملة، تبرز تجربة إستونيا نموذجاً عملياً يوضح كيف يمكن دمج الابتكار بالثقة لبناء حوكمة مرنة وآمنة للمستقبل
هذا المقال متوفّرٌ باللّغة الإنجليزيّة من هنا.
تشهد دول الخليج سباقاً نحو تحقيق السّيادة الرّقميّة يُعيد تعريف أساليب الحكم ومقاييس التّجارة وأطر ضمان المستقبل؛ فالتّقنية لم تعد مجرّد أداةٍ للكفاءة، بل أصبحت معياراً للاستقلال الوطنيّ، بدءاً من البنية التّحتيّة الذّكيّة وصولاً إلى الخدمات العامّة المعتمدة على الحوسبة السّحابيّة. وتقدّم "إستونيا" (Estonia)، الّتي ذاع صيتها منذ وقتٍ طويلٍ في تحويل الطّموح الرّقميّ إلى ميّزةٍ وطنيّةٍ، خبرةً قيّمةً في كيفيّة تنفيذ التّحوّل الرّقميّ بحيث يكون موثوقاً وشاملاً في الوقت نفسه.
قبل عقدين، أنشأت الدّولة الأوروبيّة الشّماليّة أوّل مجتمعٍ رقميٍّ متكاملٍ في العالم، حيث منح كلّ مواطن هويّةً رقميّةً آمنةً، وتحوّلت الخدمات العامّة إلى فضاءٍ إلكترونيٍّ متكاملٍ، فيما بدأت المؤسّسات تتبادل البيانات بانسيابيّةٍ عبر منصّة تُعرف باسم "إكس-رود" (X-Road). وقد أظهرت تلك التّجربة أنّ التّقنيّة -عندما تُسترشد بمبادئ واضحةٍ وتستند إلى ثقة الجمهور- قادرة على رفع مستوى الكفاءة وتعزيز الشّفافية بشكلٍ ملموسٍ ومستدامٍ.
اليوم، تساهم خبرة إستونيا في تمكين دول الخليج من تحقيق طموحاتها الرّقميّة الخاصّة. وتتسارع أطر التّعاون بين المبتكرين الإستونيين وشركائهم الإقليميّين، مع تركيزٍ واضحٍ على كيفيّة دمج الابتكار مع متطلّبات الأمن، وكيفية بناء القدرات المحليّة بدل الاعتماد على الأنظمة المستوردة.
تقول معالي لييسا-لي باكوستا (HE Liisa-Ly Pakosta)، وزيرة العدل والشّؤون الرّقميّة في إستونيا: "تتجاوز السّيادة الرّقميّة الحقيقيّة حدود التّقنيّة؛ فهي تضمن أن يكون التّحوّل الرّقميّ في خدمة المواطنين، مع الحفاظ على السّيطرة الوطنيّة على البيانات والبنية التّحتيّة وآليّات اتّخاذ القرار. والتزام دول الخليج المشترك بهذه المبادئ يجعل تعاوننا ليس استراتيجيّاً فحسب، بل متّجهاً نحو المستقبل أيضاً".
الشّراكات على أرض الواقع
يُعدّ قطّاع التّكنولوجيا في إستونيا صغيراً، لكنّه متصّلٌ عالميّاً بشكلٍ وثيقٍ. وتشتهر شركاته بالابتكار العمليّ وتصميم الحلول القابلة للتّوسّع على المستوى الوطنيّ. وقد بدأت عدّة شركاتٍ بالفعل نشاطها في الخليج، مساهمةً في تحويل الرّؤى الإقليميّة إلى واقعٍ ملموسٍ.
غطّت بعثة إستونيا في معرض "جيتكس 2025 "(GITEX 2025) جميع طبقات الاقتصاد الرّقميّ، بدءاً من الحوكمة والأمن السّيبرانيّ وصولاً إلى الخدمات اللّوجستيّة والتّنقّل والاتّصالات، حيث استعرض عددٌ من قادة الشّركات كيفيّة تطوّر هذا التّعاون بشكلٍ مستمرٍ.
وتقدّم "مجموعة بامبو" (Bamboo Group) مثالاً على التّميّز الإستوني الّذي يُطبّق في المنطقة، من خلال توقيع اتفاقيّة شراكةٍ مع "هيئة الطّرق والمواصلات" (Road and Transport Authority, RTA) لاستكشاف الحلول الرّقميّة المتقدّمة في خدمات النّقل البحريّ. وتقول ناتاليا ميناييفا (Natalia Minayeva)، مديرة الشّراكات الاستراتيجيّة في المجموعة: "تُعدّ هذه الشّراكة مع هيئة الطرق والمواصلات ذات أهميّةٍ بالغةٍ، لأنّها تمزج بين التّراث البحريّ الغنيّ لدبي وأحدث التّقنيات".
وفي الوقت نفسه، تعمل شركة "نورتال" (Nortal) -المسؤولة عن جزءٍ كبيرٍ من البنية التّحتيّة للحكومة الإلكترونيّة في إستونيا- مع وزارات الخليج على إنشاء منصّاتٍ رقميّةٍ تقدّم خدماتٍ متقدّمةً تتنبّأ باحتياجات المواطنين مع ضمان حماية خصوصيّتهم. ويشرح تافي إيناستي (Taavi Einaste)، الرّئيس التّنفيذيّ لشركة نورتال الشرق الأوسط وأفريقيا: "تحقّق المنطقة تقدماً ملموساً في مجال الرّقمنة، ممّا يعكس التزاماً قويّاً بتحويل الخدمات العامّة وتهيئة المدن لتصبح أكثر ذكاءً."
تعمل شركة "سايب إكسر تكنولوجيز" (CybExer Technologies) -المعترف بها من حلف الناتو في مجال الدّفاع السّيبرانيّ- على تطوير بيئات تدريبٍ وطنيّةٍ تمكّن فرق الأمن من ممارسة الاستجابة للحوادث السّيبرانيّة الواقعية؛ فيقول ياكو جالكينن (Jaakko Jalkanen)، نائب الرّئيس للشّؤون التّسويقيّة في الشّركة: "غيّر الذّكاء الاصطناعيّ قواعد الدّفاع السّيبرانيّ؛ فالتّهديدات يمكنها الآن التّعلّم والتّكيّف في الوقت الفعليّ، ما يجعل الدّول بحاجةٍ إلى أنظمةٍ محليّةٍ تتيح الاختبار والتّدريب والتّطوّر بنفس السّرعة. هذا هو معنى القدرة السّياديّة الحقيقيّة."
في المقابل، تقدّم شركة "فوكسسِك" (FoxSec) أنظمةً أمنيّةً متقدّمةً للمباني الذّكيّة وإنترنت الأشياء، تحمي البنية التّحتيّة للطّاقة والخدمات اللّوجستيّة والحضريّة. ويشير سليم كاجو (Slim Kajo)، عضو مجلس إدارة "فوكسسِك"، إلى أنّ "الأمن يبدأ بالوعي وينتهي بالمساءلة. لذلك، فمهمّتنا هي ضمان بقاء الأنظمة المترابطة موثوقةً وسهلة الإدارة ومتوافقةً مع أعلى المعايير، سواء في أوروبا أو في منطقة الشّرق الأوسط".
تساعد شركة "سيلكت زيرو" (SelectZero) كلّاً من المؤسّسات العامّة والشّركات الخاصّة على ضمان موثوقيّة بياناتهم ودقّتها. ويلاحظ تافي تيدر (Taavi Teder)، المدير التّنفيذيّ للعمليّات في "سيلكت زيرو"، أنّ "رغم آلاف الكيلومترات الّتي تفصل بين الخليج وإستونيا، إلّا أنّ الشّركات والمؤسّسات الحكوميّة تواجه نفس تحدّيات البيانات، بغضّ النّظر عن اللّغة أو المنطقة."
كما تعدّ شركة "أومنيكوم" (Omnicomm) مزوّداً رائداً لحلول إدارة الأساطيل والوقود المتكاملة، تُستخدم في أكثر من 100 دولةٍ وعبر أكثر من 30 قطّاعاً صناعيّاً. ويشير بوريس بانكوف (Boris Pankov)، مؤسّس "أومنيكوم" ومالكها، إلى أنّّ "الشّركات في الخليج تستكشف بنشاطٍ كيف يمكن للتقنية تقليل تكاليف الوقود وتقليل الأثر البيئيّ عبر مختلف الصّناعات."
وتعمل شركة "ديكساتيل" (Dexatel) على حماية البيانات الحسّاسة من خلال الاتّصالات المشفّرة التي تثق بها كلّاً من الشّركات والمؤسّسات العامّة؛ فتقول ليليت يغييازاريان (Lilit Yeghiazaryan)، الرّئيس التّنفيذيّ لشركة ديكساتيل: "تتسارع الرّقمنة في الخليج بوتيرةٍ عاليةٍ، وفي هذا المناخ الجديد تحتاج الشّركات إلى بنيةٍ تحتيّةٍ موثوقةٍ وعالية الأداء للرّسائل، تدعم التّفاعلات الحيويّة مع العملاء وتساعدها على التّوسّع بأمانٍ نحو المستقبل."
تمثّل كلّ شركةٍ جانباً مختلفاً من فلسفةٍ واحدةٍ: ربط التّقدّم الرّقميّ بالتّطبيقات الواقعيّة الّتي تخدم النّاس والمجتمعات. ويعكس عملها عبر المنطقة نهج إستونيا العمليّ والمتعدّد الأبعاد في الابتكار.
الثّقة كأساسٍ للسّيادة
مع اتّساع دور الأنظمة الرّقميّة في الحوكمة، تصبح مسألة الثّقة في صميم النّقاش. ويُظهر نموذج إستونيا أنّ الثّقة لا يمكن إضافتها بعد إنجاز العمليّات، بل يجب أن تُصمَّم في صميم كلّ إجراءٍ؛ فالتّبادل الشّفّاف للبيانات، والمساءلة الواضحة، وأنظمة الهوية الآمنة تمنح المواطنين الثّقة بأنّ مصالحهم محميّةٌ.
وبالنّسبة للحكومات الخليجيّة الّتي تتبنّى استراتيجيّاتٍ رقميّةً طموحةً، يُشكّل هذا التّركيز على الثّقة أساساً متيناً، يضمن أن تعمل الأتمتة والذكاء الاصطناعي على تعزيز العقد الاجتماعيّ من خلال تحسين الوصول إلى الخدمات وحماية المعلومات.
كما ترى وزيرة العدل والشّؤون الرّقميّة معالي لييسا-لي باكوستا أنّ هذا النّهج المرتكز على النّاس هو مفتاح التّقدّم المستدام؛ فتقول: "تقدّم التّقنية، من النّاحية النّظريّة، فرصاً لا محدودةً، لكنّ الاستقرار والنّموّ لا يتحقّقان إلّا عندما ترشد الشّموليّة والشّفافيّة السّيادة الرّقميّة".
نظرة نحو المستقبل
تتجاوز الشّراكة بين إستونيا ودول الخليج مرحلة المشاريع التّجريبيّة لتنتقل إلى تعاونٍ طويل الأمد. وتشمل الخطط البحث المشترك حول الاستخدام المسؤول للبيانات، ووضع أطرٍ مشتركةٍ للدّفاع السّيبرانيّ، وتبادل الخبرات بين تجمّعات التّكنولوجيا. وسيعتمد مستقبل الحوكمة الرّقميّة على التّعاون بين الدّول الّتي تتشارك قيم الانفتاح والثّقة.
وتثبت تجربة إستونيا أنّ الدّولة الصّغيرة قادرةٌ على قيادة التّحوّل الرّقميّ عندما تضع النّتائج البشريّة في صميم اهتمامها. بينما يوفّر حجم وطموح دول الخليج منصّةً قويّةً لتطبيق هذه الدّروس في سياقاتٍ جديدةٍ.
وفي الوقت الّذي يتّجه فيه الاهتمام العالميّ نحو مسائل الحوكمة والأخلاقيّات الرّقميّة، تقف الشّراكة بين إستونيا والخليج نموذجاً حيّاً للسّيادة التّعاونيّة؛ فهي تُظهر أنّ التّقنية -عندما تخدم المجتمع بدل أن تكون هدفاً بحدّ ذاته- يمكن أن ترسّخ معايير ومؤشّراتٍ جديدةً للتّقدّم الرّقميّ. كما توضّح تجربة إستونيا كيف يمكن للحوكمة الذّكيّة أن تمهّد الطّريق أمام الابتكار في القطّاع الخاصّ، مع ضمان الأطر العامّة لحماية المواطنين وتمكين الأعمال من الازدهار.