السعودية تعيد رسم أولويات الاستثمار.. ماذا يعني تركيز صندوق الاستثمارات العامة على الداخل؟
تعيد السعودية توجيه استثمارات صندوقها السيادي نحو الداخل لتعزيز الاقتصاد المحلي وتنويع مصادر الدخل، مع التركيز على بناء قطاعات مستدامة.
أقرّ مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة السعودي، برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، استراتيجية الصندوق للفترة 2026-2030، في خطوة تعكس انتقالاً واضحاً من مرحلة التوسع السريع إلى مرحلة أكثر تركيزاً على تعظيم الأثر الاقتصادي داخل المملكة. وبحسب بيان الصندوق، تستهدف الاستراتيجية الجديدة بناء منظومات اقتصادية محلية ذات قدرة تنافسية عالية، وتعزيز دور القطاع الخاص، ورفع كفاءة الاستثمارات، وترسيخ معايير الحوكمة والشفافية.
ويحمل هذا التحول دلالة مهمة؛ إذ لم يعد صندوق الاستثمارات العامة يتحرك فقط باعتباره مستثمراً سيادياً ضخماً يبحث عن الفرص العالمية، بل بات يُعاد تموضعه كأداة رئيسية لإعادة تشكيل الاقتصاد السعودي من الداخل. ووفقاً لرويترز، ستمنح الخطة الجديدة أولوية أكبر للاستثمارات المحلية، مع توجيه نحو 80% من الاستثمارات إلى الداخل مقابل 20% للاستثمارات الدولية، وذلك ضمن استراتيجية تهدف إلى دعم التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط.
ويأتي هذا التوجه بعد سنوات شهدت توسعاً كبيراً في أصول الصندوق ومشاريعه. فقد أعلن صندوق الاستثمارات العامة أن أصوله تحت الإدارة ارتفعت من 500 مليار ريال في عام 2015 إلى أكثر من 3.4 تريليون ريال في عام 2025، كما استثمر قرابة 750 مليار ريال محلياً في المشاريع الجديدة بين عامي 2021 و2025. كذلك أشار الصندوق إلى مساهمته التراكمية بنحو 910 مليارات ريال في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي خلال الفترة من 2021 إلى 2024.
ويعني تركيز الصندوق على الداخل أن السعودية تسعى إلى تحويل الاستثمار من إنفاق ضخم على مشروعات منفصلة إلى بناء قطاعات مترابطة قادرة على إنتاج قيمة طويلة المدى. فبدل أن يكون الاستثمار مجرد تمويل لمشروع بعينه، يصبح أداة لتطوير منظومات كاملة تشمل السياحة والترفيه، والتطوير الحضري، والصناعة المتقدمة، والخدمات اللوجستية، والطاقة النظيفة، والبنية التحتية، إضافة إلى نيوم ضمن المحافظ الاستثمارية الجديدة. وتشير استراتيجية الصندوق إلى توزيع الاستثمارات على ثلاث محافظ رئيسية، هي محفظة الرؤية، والاستثمارات الاستراتيجية، والاستثمارات المالية، بما يعكس رغبة في الموازنة بين الأثر التنموي والعوائد المستدامة.
كما يحمل التوجه الجديد رسالة واضحة للقطاع الخاص. فبدل أن يكون الصندوق لاعباً يزاحم الشركات، يُراد له أن يصبح محفزاً يفتح المجال أمام المستثمرين المحليين والدوليين. وقد أكد بيان الصندوق أن الاستراتيجية الجديدة ستواصل تمكين القطاع الخاص كشريك فاعل في التنمية الاقتصادية المستدامة. وهذا يعني أن الاستثمار المحلي لن يقتصر على ضخ رأس المال، بل سيمتد إلى خلق طلب جديد، وتطوير سلاسل إمداد، وتوطين صناعات، ورفع مساهمة الشركات السعودية في المشاريع الكبرى.
لكن هذا التحول لا يخلو من تحديات. فزيادة التركيز على الداخل تعني أن نجاح الصندوق سيُقاس بدرجة أكبر بقدرته على تحويل المشاريع إلى قطاعات منتجة، لا بمجرد إطلاق مبادرات ضخمة. كما سيحتاج الصندوق إلى ضبط إيقاع الإنفاق، وتحسين كفاءة التنفيذ، وتجنب تضخم المشاريع غير القادرة على توليد عوائد واضحة. وكانت رويترز قد أشارت في تقرير سابق إلى نقاشات حول ضرورة إفساح مساحة أكبر أمام القطاع الخاص وتقليل الاعتماد على إنفاق الصندوق وحده في الداخل.
وفي المحصلة، لا يعني تركيز صندوق الاستثمارات العامة على الداخل انسحاباً من الاستثمار العالمي، بل إعادة ترتيب للأولويات. فالسعودية تبدو أكثر حرصاً على استخدام قوتها الاستثمارية لبناء اقتصاد محلي أعمق، وأكثر تنوعاً، وأقل اعتماداً على النفط. وإذا نجح الصندوق في تحويل هذا التركيز إلى إنتاجية وفرص عمل وقطاعات تنافسية، فقد يصبح التحول الجديد مرحلة مفصلية في مسار رؤية السعودية 2030، لا مجرد تعديل في توزيع المحافظ الاستثمارية.