شركات الطاقة تعيد توجيه استثماراتها بعيداً عن المناطق مرتفعة المخاطر
تعيد شركات الطاقة توجيه استثماراتها نحو آسيا وأميركا اللاتينية، مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية واضطراب الشحن عبر مضيق هرمز وارتفاع التكاليف.
بدأت شركات النفط والغاز العالمية إعادة النظر في خريطة استثماراتها، مع تحول المخاطر الجيوسياسية واضطرابات الشحن من أحداث مؤقتة إلى عوامل أساسية تدخل في تقييم المشروعات الجديدة. ولم تعد تكلفة استخراج الطاقة وحدها هي التي تحدد موقع الاستثمار، إذ أصبحت سلامة طرق التصدير واستقرار العقود وإمكانية الوصول إلى الأسواق عناصر مؤثرة في حركة رؤوس الأموال.
وكشف كلاوديو ديسكالزي، الرئيس التنفيذي لشركة Eni الإيطالية، أن قطاع النفط والغاز يتجه إلى تنويع استثماراته نحو جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية، في ظل الاضطرابات الممتدة التي أثرت في الإمدادات العابرة لمضيق هرمز.
وتشير تصريحاته إلى تحول أعمق في طريقة تفكير شركات الطاقة. فارتفاع إنتاج منطقة ما أو امتلاكها احتياطيات كبيرة لم يعد كافياً لجذب الاستثمارات، إذا بقيت صادراتها معتمدة على ممر بحري واحد يمكن أن يتعرض للتعطيل.
المخاطر تعيد رسم خريطة الاستثمار
قال ديسكالزي أمام لجنة برلمانية إيطالية إن الشرق الأوسط سيظل يحمل مستوى أعلى من المخاطر حتى بعد عودة السلام والاستقرار. وأوضح أن جنوب شرق آسيا وأميركا الجنوبية وأفريقيا تمتلك فرصاً واعدة لتطوير مشروعات النفط والغاز، مرجحاً أن تستقطب المنطقتان الأوليان حصة كبيرة من الاستثمارات الجديدة.
لا تعني هذه التصريحات خروج شركات الطاقة من الشرق الأوسط أو توقفها عن تطوير موارده. فالمنطقة لا تزال تحتفظ باحتياطيات ضخمة وتكاليف إنتاج تنافسية وبنية تحتية يصعب تعويضها. لكن الشركات بدأت تبحث عن توازن أكبر، بحيث لا تعتمد محافظها الاستثمارية على مناطق أو طرق تصدير معرضة للمخاطر نفسها.
ويُعد هذا التنويع وسيلة لحماية الإنتاج والإيرادات، لأن الشركة التي تملك أصولاً موزعة على قارات ومسارات بحرية مختلفة تكون أكثر قدرة على مواجهة تعطل الإمدادات في منطقة محددة.
مضيق هرمز يتحول إلى عامل استثماري
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى مرور نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية عبر المضيق خلال 2025، بما يعادل نحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحراً.
كما مر عبره قرابة 15 مليون برميل يومياً من النفط الخام، تمثل نحو 34% من تجارة الخام العالمية. واتجهت الحصة الأكبر من هذه الشحنات إلى الأسواق الآسيوية، خصوصاً الصين والهند واليابان.
تكشف هذه الأرقام سبب حساسية الأسواق تجاه أي اضطراب في المضيق. فالمشكلة لا تقتصر على تأخر عدد من الناقلات، بل تمتد إلى أسعار التأمين وتوافر السفن وتكاليف النقل وقدرة الدول المنتجة على إيصال صادراتها إلى العملاء.
وعندما ترتفع احتمالات تعطل الشحن، تبدأ الشركات بإضافة «علاوة مخاطر» إلى حساباتها. وقد تجعل هذه العلاوة بعض المشروعات أقل جاذبية، حتى لو كانت تكلفة الإنتاج المباشرة منخفضة.
الطرق البديلة لا تكفي لتعويض الإمدادات
تمتلك السعودية والإمارات خطوط أنابيب تسمح بتجاوز مضيق هرمز ونقل جانب من الإنتاج إلى البحر الأحمر أو ميناء الفجيرة. لكن وكالة الطاقة الدولية تقدر الطاقة المتاحة على هذه المسارات البديلة بما يتراوح بين 3.5 ملايين و5.5 ملايين برميل يومياً.
وتظل هذه القدرة محدودة مقارنة بنحو 20 مليون برميل يومياً كانت تعبر المضيق في 2025. لذلك، لا تستطيع خطوط الأنابيب الحالية تعويض جميع الإمدادات إذا استمر تعطل الممر فترة طويلة.
وتؤثر هذه الفجوة في قرارات الاستثمار الجديدة. فالشركات لا تدرس حجم الحقل فقط، بل تنظر إلى المسار الذي سيسلكه الإنتاج للوصول إلى المصافي والأسواق، ومدى توافر بدائل إذا تعطلت الطريق الرئيسية.
وقد يدفع ذلك الدول المنتجة إلى زيادة الاستثمار في خطوط الأنابيب والموانئ ومرافق التخزين، لأن القدرة على تقديم أكثر من مسار للتصدير ستصبح ميزة تنافسية عند جذب شركات الطاقة والممولين.
جنوب شرق آسيا تستفيد من التحول
تمتلك دول جنوب شرق آسيا عوامل تجعلها مرشحة لاستقطاب جزء أكبر من استثمارات الطاقة. فالمنطقة تقع بالقرب من أسواق آسيوية سريعة النمو، وتضم احتياطيات بحرية وفرصاً في الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال، إلى جانب طلب محلي متزايد على الكهرباء والوقود.
وأدرجت Eni جنوب شرق آسيا ضمن المناطق النشطة في برنامجها لعام 2026. وأوضحت الشركة في تحديثها لأسواق المال أنها تعتزم مواصلة العمل الاستكشافي في المنطقة، إلى جانب غرب أفريقيا وشمالها والنرويج.
وكانت الشركة قد سجلت اكتشافات في إندونيسيا ضمن مجموعة اكتشافات أضافت نحو 900 مليون برميل من المكافئ النفطي إلى مواردها خلال 2025، وفق العرض الذي قدمته للمستثمرين.
ولا يعود الاهتمام بالمنطقة إلى مواردها فقط، بل إلى قدرتها على خدمة كبار المستوردين في آسيا. فكلما اقترب الإنتاج من مراكز الطلب، انخفض الاعتماد على الرحلات البحرية الطويلة والممرات شديدة الحساسية.
أميركا اللاتينية تفتح مساراً آخر
تقدم أميركا اللاتينية مزيجاً مختلفاً من الفرص، يشمل الاكتشافات البحرية وإنتاج النفط والغاز ومشروعات الغاز الطبيعي المسال. كما تتيح سواحلها الوصول إلى أسواق المحيطين الأطلسي والهادئ، ما يوفر مرونة أكبر في توجيه الشحنات.
تعمل Eni مع شركة YPF ومجموعة XRG على تطوير مشروع متكامل للغاز الطبيعي المسال في الأرجنتين، يستهدف تصدير 12 مليون طن سنوياً باستخدام وحدتين عائمتين للإسالة. وتتوقع الشركة اتخاذ قرار الاستثمار النهائي في المشروع قرب نهاية 2026، بحسب وثائقها الرسمية.
كما دخلت Eni في فرص استكشافية في أوروغواي، ضمن استراتيجية تهدف إلى بناء محفظة موزعة جغرافياً. ويظهر ذلك أن التحول الذي تحدث عنه ديسكالزي ليس مجرد توقع نظري، بل ينسجم مع مشروعات تدرسها الشركة أو تعمل عليها بالفعل.
لكن أميركا اللاتينية ليست خالية من المخاطر. فقد تواجه الشركات تغيرات تنظيمية وتقلبات سياسية وصعوبات في البنية التحتية. والفرق أن هذه المخاطر ليست مرتبطة جميعها بممر تصدير بحري واحد، ما يساعد الشركات على توزيع انكشافها.
أفريقيا تحتفظ بموقع مهم
أشار ديسكالزي أيضاً إلى الفرص المتاحة في أفريقيا، التي تضم احتياطيات كبيرة وأسواقاً تحتاج إلى استثمارات في الكهرباء والغاز والبنية التحتية.
وتنشط Eni في عدد من دول شمال أفريقيا وغربها، بينما تتوسع شركات دولية أخرى في مشروعات الغاز الطبيعي المسال والاكتشافات البحرية. ويمكن للقرب الجغرافي من أوروبا أن يمنح بعض المشروعات الأفريقية ميزة، خصوصاً مع بحث المستهلكين الأوروبيين عن مصادر أكثر تنوعاً.
لكن تدفق الاستثمارات سيعتمد على قدرة الدول على توفير بيئة قانونية مستقرة، واتفاقات واضحة لتقاسم الإنتاج، وبنية تحتية تسمح بتحويل الموارد إلى صادرات أو طاقة محلية.
الأمن أصبح جزءاً من اقتصاد المشروع
كان تقييم مشروعات الطاقة يعتمد تقليدياً على حجم الاحتياطيات وتكلفة الاستخراج والأسعار المتوقعة. أما اليوم، فأصبحت الشركات تضيف إلى هذه الحسابات تكلفة التأمين والشحن والحماية وتوقف الإنتاج واحتمال تغير طرق التجارة.
ولا يعني هذا أن رأس المال سيغادر المناطق الغنية بالطاقة، بل إنه سيصبح أكثر انتقائية. وقد تحصل المشروعات التي تملك أكثر من طريق للتصدير أو تقع بالقرب من الأسواق النهائية على أفضلية عند تخصيص الميزانيات.
كما قد ترتفع أهمية الشراكات التي توزع المخاطر بين عدة شركات ومؤسسات تمويل، بدلاً من تحمل شركة واحدة التكلفة الكاملة لمشروع كبير في منطقة غير مستقرة.
الشرق الأوسط أمام اختبار التنافسية
لا يزال الشرق الأوسط أساسياً لأمن الطاقة العالمي، ولن تتمكن مناطق أخرى من تعويض إنتاجه بسهولة. لكن تصريحات الرئيس التنفيذي لـEni تحمل رسالة واضحة: الاحتياطيات الضخمة وحدها لن تضمن استمرار تدفق الاستثمارات بالمعدلات نفسها.
ستحتاج دول المنطقة إلى تعزيز مرونة شبكات التصدير، وتوسيع طاقة التخزين، وتطوير خطوط أنابيب بديلة، وتحسين شروط الاستثمار. كما سيكون الاستقرار التنظيمي والأمني عاملاً حاسماً في المنافسة مع جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا.
ويشير التحول الجاري إلى أن شركات الطاقة لا تنتظر انتهاء الأزمات كي تعيد التخطيط. فهي بدأت بالفعل توزع استثماراتها على مناطق أكثر تنوعاً، لأن الخطر الذي يستمر سنوات يتحول من ظرف استثنائي إلى تكلفة دائمة يجب احتسابها.
وفي سوق تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل بمليارات الدولارات، قد يصبح الأمان والمرونة أهم من امتلاك المورد نفسه. فالطاقة لا تحقق قيمتها الاقتصادية بمجرد استخراجها، بل عندما تستطيع الوصول إلى السوق بصورة مستقرة وفي الوقت المناسب.