النزاعات على الأبواب: كيف تستعد الشركات الرقمية في الخليج؟
مع تصاعد التّوترات الجيوسياسيّة في المنطقة، تواجه الشّركات الرّقميّة في الخليج تحدّياتٍ جديدةً تتعلّق بحماية البيانات واستمراريّة الأعمال وبناء مرونةٍ تشغيليّةٍ قادرةٍ على مواجهة الأزمات المفاجئة
كنت أرتشف الشاي في الفناء الخلفي لمنزلي عندما سمعتُه لأول مرة: دويٌّ حادٌّ بعيد، ارتدّ صداه في المسافة الفاصلة بين النوافذ وصدري. كانت غريزتي الأولى أن الأمر لا يعدو كونه جزءًا من أعمال البناء؛ ذلك الصوت المألوف الذي يرافق مدينة دبي في تمدّدها العمراني المتواصل. غير أن حماي، وهو عسكري سابق كان يجلس معي في الغرفة، لم يرتبك، لكنه وضع فنجان الشاي بهدوء. قال بصوت خافت مطمئن: «إنه اختراقٌ لحاجز الصوت». في تلك اللحظة أدركنا أن التوترات الجيوسياسية قد وجدت طريقها إلى فناء منزلنا.
ومنذ ذلك الحين، ومع انحسار موجة القلق الأولى، بدأ يتضح لنا أن الخوف والمخاطر ليسا الشيء نفسه. فالخوف شعورٌ يبقى عالقاً في الذاكرة، أما المخاطر فهي متغيّر يجب إدارته. وبينما تواصل الحكومات في دول مجلس التعاون الخليجي القيام بدورها لخفض مستوى المخاطر عبر استجابات هادئة ومنسّقة، يقع على عاتق الشركات في المنطقة أن تؤدي دورها أيضاً لضمان استمرارية أعمالها. ويزداد هذا الأمر أهمية بالنسبة للشركات الرقمية على وجه الخصوص، فهي ليست فقط شريان الاقتصاد الحديث، بل قد تتحول كذلك إلى أهداف استراتيجية محتملة.
لكن ماذا يعني ذلك عمليّاً؟ لنكن أكثر تحديداً.
الشركات كأدوات في لعبة الجغرافيا السياسية: المسألة تتجاوز مركز البيانات
عندما أفادت التقارير الأسبوع الماضي بأن طائرات مسيّرة استهدفت مراكز بيانات تابعة لشركة أمريكية في دولة الإمارات العربية المتحدة، كان ذلك أول هجوم من نوعه خلال نزاع قائم. لكنه قد لا يكون الأخير؛ فالأصول التكنولوجية للشركات أصبحت اليوم تُفهم بوصفها أهدافاً مشروعة في ساحات الصراع.
ورغم أن الأضرار كانت محدودة، فإن الحادثة كشفت لنا حقيقتين أساسيتين. أولاهما أن «السحابة» الرقمية تعيش في نهاية المطاف داخل مبانٍ حقيقية، في دول حقيقية، وبعض تلك الدول باتت في قلب الحروب. وثانيهما أن مساحة الهجوم لا تقتصر على مبنى واحد أو منشأة واحدة. فقد تفقد شبكات تحديد المواقع العالمية دقتها، وقد تتعطل أنظمة المدفوعات، بل وحتى أوزان نماذج الذكاء الاصطناعي، التي تتطلب شهورًا من التدريب وملايين الدولارات من القدرة الحاسوبية، قد تصبح غير قابلة للاستعادة.
أما الحل، فرغم بساطته، فإنه ليس جذاباً: حفظ البيانات في أماكن آمنة؛ فقبل الحرب بين روسيا وأوكرانيا مثلاً، أدركت أوكرانيا المخاطر مبكّراً، فنقلت بيتابايتات من البيانات الحيوية من خوادم محلية إلى السحابة، أي إلى خوادم تقع في مواقع أكثر أماناً. وقد دعمت هذه الخطوة تشريعات طارئة أزالت عمليّاً قوانين توطين البيانات.
ومن منظور السياسات العامة، جعل هذا النزاع النقاش حول توطين البيانات أكثر إلحاحاً. أما من الناحية التشغيلية، فإن توزيع البيانات ونسخها المتطابق عبر مناطق مختلفة لم يعد مجرد خيار إضافي مرغوب فيه، بل أصبح استراتيجية بقاء.
من يحمل المفاتيح: ضمان استمرارية الأعمال
لكل شركة رقمية شخصٌ يحمل المفاتيح الحاسمة. الرئيس التنفيذي الذي يمتلك صلاحيات الوصول الجذرية، والمدير التقني الذي يعد أحد الموقّعين على محافظ التوقيع المتعدد، ومسؤول الامتثال الذي تفتح بيانات اعتماده بوابات الأنظمة التنظيمية.
في أوقات السلم قد يبدو ذلك مجرد إزعاج إداري. أما في مناطق النزاع، فيتحول إلى نقطة ضعف وجودية. والسؤال الذي يطرحه كل مؤسس اليوم هو: ماذا يحدث للشركة إذا أصبحتُ غير قادر على الوصول؟ وبينما تعمل الحكومات على تأمين شبكة الإنترنت، ينبغي على الشركات أن تؤمّن نفسها.
عادةً ما تُلزم القوانين الشركات المالية الخاضعة للتنظيم بوضع خطط للتعاقب الوظيفي واستمرارية العمل. غير أن كثيراً من الشركات اكتفت بالتوقيع الشكلي على هذه المتطلبات الوثائقية دون أن تختبرها فعليّاً. وقد كشفت جائحة كوفيد-19 ثمن هذا الإهمال بوضوح؛ فالشركات التي نجت لم تكن بالضرورة الأكثر تطوراً تقنيّاً، بل تلك التي امتلكت خطة واضحة والتزمت بتطبيقها.
ومن المؤكد أن منطقة نزاع ليست جائحة، لكن الدرس واحد: التخطيط للاستمرارية ليس مجرد إجراء امتثال تنظيمي، بل هو الفارق بين شركة تنجو من الأزمة وأخرى تتحول إلى ضحية لها.
الساعة لا تتوقف: كسب ثقة الجهات التنظيمية
ثمة افتراض شائع ومفهوم بأن الجهات التنظيمية تصبح أكثر مرونة في أوقات الأزمات. وقد يحدث ذلك أحياناً، لكن متطلبات الترخيص ومواعيد الامتثال والالتزامات المتعلقة بالعقوبات لا تتوقف مع عقارب الساعة الجيوسياسية. بل على العكس، غالباً ما يتغير المشهد التنظيمي أثناء النزاعات بوتيرة أسرع مما تستطيع معظم فرق الامتثال متابعته.
فقد تجد شركة مالية رقمية استقطبت عملاء الأسبوع الماضي نفسها اليوم تواجه مشكلة عقوبات لم تكن تعلم بوجودها. كما قد تتعرض منصات الإعلام الرقمي لضغط متابعة تطورات الحرب في الزمن الحقيقي، والتصدي للمعلومات المضللة قبل انتشارها.
إن نافذة التواصل الاستباقي مع الجهات التنظيمية -قبل انقضاء المواعيد، وقبل تسجيل المخالفات، وقبل وقوع الضرر- ضيقة للغاية. والجهات التنظيمية لا تنسى من بادر إليها، كما لا تنسى من اضطرت إلى ملاحقته.
القوة القاهرة: سطور صغيرة وتأثيرات كبيرة
إن فهم التعرض التعاقدي -ما الذي يشمله العقد، وما الذي يستثنيه، وما هي سبل المعالجة المتاحة فعلياً- لا يمكن إنجازه بكفاءة وسط حالة طوارئ تشغيلية، بل ينبغي القيام به قبل وقوعها. أما الشركات التي اتصلت بمحاميها هذا الأسبوع لفهم بنود عقودها فقد تأخرت بالفعل. ومع ذلك، فالتأخر خير من عدم الفعل: راجعوا اتفاقياتكم الآن.
النزاعات كمسرّعات للابتكار
رغم قسوته، يضغط الصراع الزمن الفاصل بين الاختراع والحاجة. فقد تعيد منصات التوصيل توجيه مساراتها ديناميكيّاً حول سلاسل إمداد مضطربة، بما يبرهن على قدرتها التشغيلية على الصمود. وقد تختصر أدوات الذكاء الاصطناعي حواجز اللغة أمام النازحين والعاملين في الإغاثة. وقد تُفعَّل العقود الذكية في قطاع التأمين لإطلاق مدفوعات تلقائية. كما قد توفر العملات المستقرة مسارات تسوية مالية عندما تتعرض البنية المصرفية للاضطراب.
وقد تتحول مثل هذه المفاهيم إلى واقع تجاري، مدفوعة بإلحاح ظروف الحرب؛ فالصراع لا يخلق هذه الحلول، لكنه يسرّع نشرها. ولهذا ينبغي على الشركات أن تعالج مخاطر البقاء في الحاضر، وأن تتحوط في الوقت نفسه من مخاطر فقدان الصلة بالمستقبل.
العامل الأهم: الإنسان
وراء كل منصة، وكل بروتوكول، وكل خطة طوارئ، يقف أشخاص. هؤلاء الأشخاص لديهم عائلات يريدون طمأنتها، وأطفال يجب اصطحابهم من المدرسة، وآباء يتصلون للاطمئنان بأن كل شيء على ما يرام. في مثل هذه اللحظات، لا تصبح المرونة مسألة بنية تحتية فحسب، بل مسألة إنسانية أيضاً.
وفي مثل هذه الظروف، ينبغي على الشركات أن تمنح فرقها الطمأنينة والوضوح، وقبل كل شيء المرونة. شجّعوا الناس على تسجيل الخروج عندما يحتاجون إلى ذلك، وتواصلوا مع بعضكم البعض، واجعلوا السلامة أولوية قبل الإنتاجية؛ فالشركة التي تحمي أفرادها ستجد دائماً طريقها للعودة بعد المخاطر، أما العكس فليس صحيحاً.
عن الكاتبة
أنكيتا دهاوان (Ankita Dhawan) محامية متخصصة في شؤون التكنولوجيا واستراتيجيات التنظيم. وهي مؤسِّسة شركة كونسليوم أدفايزرز (Consilium Advisors)، وهي شركة استشارات في السياسات العامة والتنظيم مقرها دولة الإمارات العربية المتحدة.