من التجربة إلى التنفيذ: كيف تُعيد قطر تشكيل مستقبل التكنولوجيا المالية؟
حين تنتقل التكنولوجيا المالية من ضجيج التجربة إلى جدّية التنفيذ، تتجه قمّة الويب قطر إلى ما يكمن تحت العناوين الكبرى
تقدّم قمّة الويب قطر (Web Summit Qatar) هذا العام أجندةً غنيّةً، وإذا كُنت على اطّلاعٍ بما دار خلال الأشهر الماضية، يمكنك التكهّن بالموضوعات الرّئيسيّة الّتي ستتصدّر العناوين: الذّكاء الاصطناعيّ، المدفوعات، البنية التّحتيّة الرّقميّة، والرّمزية الرّقميّة. غير أنّ النّقاش الأبرز من وجهة نظري هذا العام سيركّز على ما يكمن تحت هذه الموضوعات؛ فالتّكنولوجيا الماليّة تتطوّر بشكلٍ طبيعيٍّ من مرحلة التّجربة إلى مرحلة التّنفيذ، ومن هنا أتوقّع أنّ تركيز القمّة في فبراير سينصبّ على الطّريقة الّتي ستُطبق بها الابتكارات الصّادرة من المنطقة عمليّاً على أرض الواقع.
في السّنوات القليلة الماضية، كان الابتكار يقوده إثبات المفاهيم والتّجارب، إذ كان الجميع يختبرون، ويجرّبون، ويستكشفون. أمّا اليوم، فقد تطوّر النّقاش، وأصبح القطّاع يتّجه نحو الذّكاء الاصطناعيّ وكيف يمكن أن يعمل بفعاليّةٍ ضمن الخدمات الماليّة. على سبيل المثال، نحن نعلم أنّ المدفوعات الفوريّة ممكنةٌ، لكن كيف يمكن نشرها بشكلٍ موثوقٍ ومتوافقٍ مع القوانين وعلى نطاقٍ واسعٍ؟ والأهمّ من ذلك، هل يمكن تحقيق ذلك من دون أن ترتفع التّكاليف وتتضاعف التّعقيدات؟
من وجهة نظري أنّ هذا التّحوّل يتعلّق جوهريّاً بالبنية المعماريّة للنّظام؛ فإطلاق أكبر عددٍ ممكنٍ من الميزات، رغم أنّه أمرٌ مثيرٌ للإعجاب، لن يحقّق النّتائج المرجوة عندما تسعى البنوك والمؤسّسات الماليّة إلى التّكيّف بسرعةٍ في منطقةٍ ترتفع فيها توقّعات العملاء، وتصبح الكفاءة عنصراً حاسماً.
وهنا تأتي أهميّة الأسس المتينة؛ فقد وضعت قطر أرضيّةً مثاليّةً للانطلاق، والآن يحين دور صناعة التّكنولوجيا الماليّة لضمان أن يتمكّن الابتكار من التّطبيق العمليّ، وأن يُوسّع نطاقه، ويستمرّ بشكلٍ مستدامٍ.
التكنولوجيا المالية تنمو بشكل مختلف في قطر
تتمثّل خصوصيّة قصّة التّكنولوجيا الماليّة في قطر في أنّ الأسس قد وُضعت بطريقةٍ تُتيح للشّركات النّاشئة التّوسّع بشكلٍ مختلفٍ جذريّاً عن كثيرٍ من الأسواق القديمة. ففي تلك الأسواق، كثيراً ما يكون الابتكار في التكنولوجيا المالية مقيّداً بالبنية التّحتية القديمة وبالتّجزئة التّنظيميّة، إذ تتراكم عقودٌ من الدّيون التّقنيّة، وتتشابك الاعتمادات، وتتشكّل طبقاتٌ معقّدةٌ تؤخّر كلّ خطوةٍ للأمام. وحتّى البنوك الرّقميّة الجديدة الّتي صُممت لتجاوز هذه العقبات، غالباً ما تجد نفسها مرتبطةً بالبنية التّحتيّة القديمة الّتي وُجِدت لتحدّيها. وفي العديد من الحالات، تُدار هذه المؤسِّسات بالفعل بواسطة بنوكٍ تقليديّةٍ قائمةٍ، ما يفرض قيوداً على السّرعة والمرونة، ويحدّ من قدرتها على إطلاق منتجاتٍ جديدةٍ دون أن تتعرّض لمخاطر تشغيليّةٍ كبيرةٍ.
في المقابل، تُتيح قطر للشّركات النّاشئة أن تنطلق من أرضيّةٍ صلبةٍ، بلا الأعباء القديمة، ممّا يفتح المجال أمامها لتطبيق الابتكار عمليّاً، والتّوسّع بسرعةٍ، وبناء نموذج نموٍّ مستدامٍ يتكيّف مع توقّعات العملاء العالية ومتطلّبات السّوق الحديثة. هنا، لا يتعلّق الأمر بمجرّد طرح ميّزاتٍ جديدةٍ، بل بخلق بيئةً حقيقيّةً للابتكار، حيث يمكن للتّكنولوجيا الماليّة أن تُترجم من تجربةٍ إلى تنفيذٍ، وتصبح محرّكاً حقيقيّاً للتّغيير على مستوى المنطقة والعالم.
عند النّظر إلى دول مجلس التّعاون الخليجيّ الأوسع، يتجلّى هذا المزيج الذّهبيّ من الطّموح، والتّفاعل التّنظيميّ، وسرعة التّنفيذ، كعاملٍ يسمح بتجاوز العقبات التّقليديّة الّتي تحدّ من نموّ التّكنولوجيا الماليّة. وفي قطر على وجه الخصوص، تتجسّد رؤيةٌ وطنيّةٌ واضحةٌ للتّحوّل الرّقميّ، تتضّح من خلال مبادراتٍ مثل رؤية قطر الوطنيّة 2030 واستراتيجيّة قطر للتّكنولوجيا الماليّ الّتي يقودها المصرف المركزيّ. ففي هذه المنطقة، لا يقتصر دور الجهات التّنظيميّة على الاستجابة بعد حدوث المشكلات، بل تشارك بفاعليّةٍ مع السّوق. والنّتيجة العمليّة لذلك هي أنّ البيئة التّنظيميّة واضحةٌ ومتعاونةٌ، ممّا يمكّن الشّركات النّاشئة من تصميم خدماتٍ جديدةٍ مع مراعاة البنية التّحتيّة الحديثة منذ اليوم الأوّل، بدلاً من محاولة تعديلها لاحقاً.
إضافةً إلى ذلك، يمنح موقع قطر الجغرافيّ ميّزةً إضافيّةً، إذ تعمل كبوابةٍ بين الأسواق الماليّة الرّاسخة والاقتصادات النّاشئة سريعة النّموّ. وهذا يجعلها أرضاً خصبةً لاختبار حالات استخدام التّكنولوجيا الماليّة على المستوى الإقليميّ وعبر الحدود، خاصّةً مع تزايد أهميّة قابليّة التّشغيل البينيّ.
وباختصار، هناك أمران يتّضحان هنا. أوّلاً، تمتلك قطر جميع العناصر اللّازمة لتضع نفسها كواحدةٍ من القوى الرّائدة في مجال التّكنولوجيا الماليّة في المنطقة، وثانياً، فهي توظّف هذه العناصر بفعاليّةٍ. ويجب على الشّركات النّاشئة في المنطقة أن تدرك ثراء الفرص المتاحة هنا، وأن تستخدمها ليس فقط للابتكار، بل لضمان أنّ البنية التّحتيّة الأساسيّة متينةٌ وقادرةٌ على خدمة البنوك والمؤسِّسات الماليّة لسنواتٍ طويلةٍ قادمةٍ.
عام التحول نحو التكنولوجيا المالية القائمة على المنصات
عندما نفكّر في المستقبل، أتصوّر أنّ هذا العام سيكون عام انتقال الصّناعة من التّكنولوجيا المالّية التي يقودها المنتج إلى التّكنولوجيا الماليّة التي تقودها المنصّة. ولتوضيح ذلك ببساطةٍ، كان النّموذج القديم يعتمد على إطلاق منتجٍ رقميٍّ، ثم منتجٍ آخر، ومن ثمّ إضافة ميّزةٍ جديدةٍ عليه. تكمن المشكلة في هذا النّموذج في أنّه لا يتيح التّوسع على نطاقٍ واسعٍ، خصوصاً إذا رغبت في الانتشار عبر أسواقٍ متعدّدةٍ، إذ يتحوّل كلّ شيءٍ إلى سلسلةٍ من الإطلاقات الفرديّة، مع ارتفاع التّكاليف وتعقيد العمليّات.
أمّا النّموذج الأكثر استدامةً، فهو قائمٌ على التّبسيط في جوهره، من خلال بناء قدراتٍ قابلةٍ لإعادة الاستخدام، تشمل المدفوعات، وإجراءات الانضمام، والامتثال، وإدارة المخاطر، وخدمات البيانات، بحيث يمكن إعادة تركيبها عبر استخداماتٍ متعدّدةٍ وأسواقٍ مختلفةٍ. وبعبارةٍ أخرى، فإنّ تبسيط الأنظمة المعقّدة ومتعدّدة الطّبقات الّتي تمتلكها المؤسّسات بالفعل -والّتي غالباً ما تُوصف بأنّها حالة (سباغيتي)- يمكّنها من العمل بكفاءةٍ أكبر، وخفض التّكاليف، والوصول إلى السّوق بسرعةٍ أكبر.
تُشكّل قطر دراسة حالةٍ قويّةً لهذا النّموذج، إذ تُدفع المؤسّسات إلى التّراجع خطوةً إلى الوراء وطرح السّؤال: "ما هي الطّريقة الأكثر كفاءةً لتقديم الخدمات الماليّة؟"
ويكمن السّر في أنّ هذه العقليّة، الّتي تركّز على إعادة التّفكير في الأسس بدلاً من تلميع السّطح فقط، جزءٌ كبيرٌ من سبب شعور المنطقة بأنّها تتقدّم بوتيرةٍ أسرع. ويمكن رؤية ذلك بوضوحٍ في المدفوعات الفوريّة، والّتي ستكون أحد المواضيع الرّئيسيّة في نسخة هذا العام من قمّة الويب قطر. ومن المتوقّع أن تتناول إحدى جلسات النّقاش، بعنوان «مستقبل المدفوعات في دول مجلس التّعاون الخليجيّ»، كيفيّة انتقال المدفوعات الفوريّة من مجرّد ميّزةٍ إلى معيارٍ متوقّعٍ. وأقول ذلك لأنّ توقّعات العملاء في منطقة الشّرق الأوسط تتزايد، حيث اعتاد النّاس على خدماتٍ رقميّةٍ سريعةٍ وسلسةٍ. علاوةً على ذلك، فإنّ منطقة الخليج تشهد تدفّقاتٍ ماليّةً عبر الحدود، ويتطلّب التّشغيل البينيّ الإقليميّ تنسيقاً بين أنظمةٍ متعددةٍ من بنوك، ومعالجات، ومحرّكات الامتثال، وآليّات المقاصة، ما يفرض على المؤسّسات التّفكير الجاد في كيفيّة إدارة هذا التّعقيد.
ومع تعمّق النّظر، نجد أنّ الفرص الأكثر وعداً حول الرّمزيّة الرّقميّة (Tokenization) -وهو موضوعٌ محوريٌّ آخر في القمّة- لا تتعلّق بالأصول الافتراضيّة المضاربيّة، بل بالتّمثيل الرّقميّ للأصول الواقعيّة، مثل التّجارة، والسّلع، والتّمويل المدعوم بالأصول. وما يهمّ حقّاً هنا هو الشّفافيّة، وإمكانيّة البيع، والثّقة، وكلّ ذلك يتحقّق من خلال أسس بياناتٍ قويّةٍ ودمجٍ سلسٍ في البنية التّحتيّة القائمة، بدلاً من التّعامل معها كمشروعٍ ابتكاريٍّ مستقلٍ.
قطر تتصدّر مشهد التكنولوجيا المالية مع التّركيز على الأسس
ما يثير الحماس في قطّاع التّكنولوجيا الماليّة في قطر، وفي المنطقة بأسرها، هو التّركيز على الجوهر والأسس القويّة. فالفهم السّائد هنا يدرك أنّ الابتكار المستدام لا ينبع من الصّيحات العابرة، بل من بنيةٍ تحتيّةٍ متينةٍ وداعمةٍ للابتكار على المدى الطّويل. لطالما كانت الرّؤية بعيدة المدى ميّزة الشّرق الأوسط، ومن هذا المنطلق، يبدو أنّ الفائزين الحقيقيّين في عالم التّكنولوجيا الماليّة سيكونون أولئك الّذين يبنون منصّاتٍ تُتيح الابتكار المستمرّ وتتخطّى حدود الزّمن والأسواق.
وفي قمّة الويب قطر، سينصبّ النّقاش الأهمّ حول التّنفيذ الواقعيّ، وكيف تتحوّل التّكنولوجيا الماليّة من مرحلة التّجربة إلى بناء منصّاتٍ قادرةٍ على العمل على نطاقٍ واسعٍ، متوافقةٍ مع الأسواق المختلفة، وقابلةٍ للاستدامة عبر الزّمن. وهنا تظهر قوّة النّهج القطريّ، حيث يجتمع الأساس المتين، والوضوح التّنظيميّ، والرّؤية بعيدة المدى، لتتحوّل الابتكارات من أفكارٍ تُعرض إلى حلولٍ حقيقيّةٍ يمكن أن تصنع فرقاً طويل الأمد.
عن المؤلف
ستيفن موشيولي (Stiven Muccioli) رائد أعمال ومستثمر في مجال التّكنولوجيا، يشغل منصب المؤسّس والرّئيس التّنفيذيّ لشركة التّكنولوجيا الماليّة BKN301، ولشركة رأس المال الاستثماريّ SM Capital. كما أسّس ستيفن شركة التكنولوجيا الماليّة Ventis. وتولّى فيها منصب المدير التّنفيذيّ للتّسويق والتّكنولوجيا، قبل أن تستحوذ عليها Iccrea Banca Group، مؤكّداً بذلك قدرته على تأسيس شركاتٍ مبتكرةٍ وقيادتها نحو تحقيق تأثيرٍ ملموسٍ في السّوق.
وقد أسّس أيضاً تطبيق Libertas، أوّل تطبيق أخبار واسع الانتشار في جمهوريّة سان مارينو، ولاحقاً أسّس وباع شركة التّجارة الإلكترونيّة Tippest، ممّا يعكس تفوّقه في التّعامل مع قطّاعاتٍ متنوّعةٍ ومبتكرةٍ. بالإضافة إلى ذلك، يعمل كمستثمر ملاك مع معهد المؤسّسين (Founder Institute) في سان فرانسيسكو، أكبر مسرّع للشّركات النّاشئة في مرحلة ما قبل التّمويل الأوّليّ في وادي السيليكون، ومن خلال هذه المنصّة استثمر في شركاتٍ ناشئةٍ عدّةٍ، منها ريالتي RealtyMogul، Andalin، MallIQ، وهو ما يوضّح التزامه بدعم الابتكار وتعزيز ريادة الأعمال على المستوى العالميّ.