الرئيسية الريادة سرّ السرد القصصي الذي صنع أسطورة آبل: هل تحوّل قصتك علامتك إلى أيقونة عالمية؟

سرّ السرد القصصي الذي صنع أسطورة آبل: هل تحوّل قصتك علامتك إلى أيقونة عالمية؟

من مرآبٍ صغيرٍ، انطلقت رحلةٌ غيّرت مفهوم التّكنولوجيا، حيث تحوّلت الأفكار المتواضعة إلى قصص نجاحٍ عالميّةٍ بفضل قوّة السّرد والإقناع وبناء المعنى حول المنتج

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

لا يزال ذٰلك المرآب الصّغير، الّذي انطلقت منه رحلة ستيف جوبز وستيف وزنياك (ووز)، مكاناً يستقطب الزّوّار الّذين يحرصون على التقاط الصّور أمامه؛ إذ لا ينظر إليه كمجرّد موقعٍ تاريخيٍّ، بل كرمزٍ حيٍّ لفكرةٍ أعمق: أنّ الأحلام الكبيرة قد تولد في أبسط البيئات. ومن هنا، يقصده روّاد الأعمال والمؤسّسون كما لو أنّهم في رحلة بحثٍ عن الإلهام، لأنّ قصّته تختصر كيف يمكن لبدايةٍ متواضعةٍ أن تتحوّل إلى واحدةٍ من أعظم قصص النّجاح في عالم التّكنولوجيا.

ورغم أنّ هٰذه القصّة ما زالت تروى بعد أكثر من خمسين عاماً، فإنّها لم تكن لتتحقّق لولا ذٰلك التّوازن الدّقيق بين عقل المهندس وروح الفنّان؛ فبينما انشغل ووز بحلّ المشكلات التّقنيّة المعقّدة، كان جوبز يعمل في اتّجاهٍ مختلفٍ تماماً، حيث ركّز على سؤالٍ أكثر تأثيراً: كيف نجعل النّاس يهتمّون؟ ومن هنا تحديداً، برزت القيمة الحقيقيّة للشّراكة، إذ لم يكن الابتكار في المنتج وحده كافياً، بل كان لا بدّ من ابتكار الطّريقة الّتي يقدّم بها هٰذا المنتج للعالم.

وبهٰذا المعنى، لم تكن الميزة الحاسمة الّتي أضافها جوبز مجرّد رؤيةٍ أو إدارةٍ، بل كانت قدرته الاستثنائيّة على السّرد القصصيّ؛ تلك المهارة الّتي جعلت النّاس لا يرون مجرّد جهازٍ، بل فكرةً تستحقّ الإيمان. ولذٰلك، يصبح واضحاً أنّ كلّ رائد أعمالٍ، مهما كان مجاله، يحتاج إلى صقل هٰذه القدرة إذا أراد تحويل فكرته إلى واقعٍ ملموسٍ.

وعندما نتأمّل هٰذه الفكرة بشكلٍ أعمق، نجد أنّ توني فاضل، المدير التّنفيذيّ السّابق في آبل ومبتكر جهاز آيبود، قد لخّص الدّرس ببساطةٍ شديدةٍ، حين أكّد أنّ أهمّ ما تعلّمه من جوبز يمكن اختزاله في ثلاث كلماتٍ متكرّرةٍ: السّرد القصصيّ، السّرد القصصيّ، والسّرد القصصيّ. ولم يكن هٰذا التّكرار عبثيّاً، بل يعكس حقيقةً أساسيّةً مفادها أنّ النّاس لا يشترون المنتجات بحدّ ذاتها، بل يشترون الوعد الكامن وراءها، أي القصّة الّتي تشرح لهم كيف سيغيّر هٰذا المنتج حياتهم.

ومن هنا، تتّضح أهمّيّة السّرد في أيّ بيئة عملٍ، سواءٌ كنت تعمل من مرآبٍ صغيرٍ، أو غرفةٍ جانبيّةٍ، أو حتّى مقهى؛ إذ لا تقاس قوّة الفكرة بحدّ ذاتها، بل بمدى قدرتك على إقناع الآخرين بها. وبعبارةٍ أخرى، لا تكفي الفكرة الجيّدة وحدها، بل تحتاج إلى قصّةٍ قويّةٍ تحملها وتمنحها معنى. ولهٰذا السّبب تحديداً، لم يكن جوبز يبيع أجهزةً، بل كان يبيع أحلاماً قابلةً للتّحقّق.

وقد عبّر جوبز عن هٰذه الفلسفة بوضوحٍ عندما قال إنّ أقوى شخصٍ في العالم هو راوي القصص، لأنّه هو من يحدّد الرّؤية والقيم، بل ويرسم ملامح الجيل القادم. وبهٰذا التّصوّر، لا يعود السّرد مهارةً ثانويّةً، بل يصبح في صلب التّأثير الحقيقيّ.

وعندما ننتقل إلى أسلوب جوبز في إطلاق المنتجات، نجد أنّ الفارق بين العرض التّقليديّ والسّرد القصصيّ يصبح أكثر وضوحاً. ففي كتاب The Presentation Secrets of Steve Jobs، يوضّح الكاتب أنّ جوبز لم يكن يقدّم عروضاً بالمعنى التّقليديّ، بل كان يروي قصصاً متكاملةً؛ إذ كان يستخدم الشّرائح كأداةٍ مساندةٍ، لا كنقطة انطلاقٍ. ولذٰلك، كان يبدأ دائماً ببناء القصّة أوّلاً، إلى درجةٍ أنّ قوّة السّرد وحدها كانت كفيلةً بإيصال الفكرة حتّى دون الحاجة إلى أيّ وسائل بصريّةٍ.

ويتجلّى هٰذا النّهج بوضوحٍ في إطلاق جهاز ماكنتوش عام 1984، حيث لم يبدأ جوبز بالحديث عن مواصفات الجهاز أو ميزاته، بل اختار أن ينسج حكايةً متكاملة الأركان. وقد وثّق متحف تاريخ الحاسوب هٰذا العرض، ليكشف كيف استخدم جوبز عناصر السّرد الكلاسيكيّة من أبطالٍ وأشرارٍ وصراعٍ وحلّ.

ففي بداية حديثه، عاد جوبز إلى عام 1958، متحدّثاً عن قرار آي بي إم بعدم شراء شركةٍ ناشئةٍ، ثمّ أشار إلى نشأة زيروكس، في سردٍ بدا للوهلة الأولى بعيداً عن موضوع الحاسوب الجديد. إلّا أنّ هٰذا التّمهيد لم يكن عشوائيّاً، بل كان مقصوداً لبناء سياقٍ أوسع يمنح القصّة عمقاً ومعنى.

ثمّ تابع انتقاله الزّمنيّ إلى عام 1977، ليرسم صورة صعود آبل كشركةٍ ناشئةٍ تتحدّى المفاهيم السّائدة، في مقابل تجاهل آي بي إم لفكرة الحاسوب الشّخصيّ. وهنا، بدأ الجمهور يدرك أنّ ما يعرض أمامه ليس مجرّد منتجٍ، بل قصّة صراعٍ بين رؤيتين مختلفتين للعالم.

وعند الوصول إلى عام 1984، بلغ التّوتّر ذروته، حيث صوّر جوبز آي بي إم كقوّةٍ مهيمنةٍ تهدّد حرّيّة السّوق، بينما قدّم آبل كالأمل الوحيد القادر على المواجهة. ومع تصاعد نبرة صوته وتفاعل الجمهور، اكتملت عناصر الصّراع، ولم يبق سوى ظهور البطل.

وهنا جاءت اللّحظة الحاسمة، حين قدّم جوبز جهاز ماكنتوش ليس كمنتجٍ تقنيٍّ، بل كحلٍّ لتحرير المستخدمين، قائلاً إنّه «حاسوبٌ لبقيّة النّاس». وبهٰذا التّحوّل، لم يعد الجهاز مجرّد آلةٍ، بل أصبح رمزاً لفكرةٍ أكبر، وهو ما جعل العرض يتحوّل من إطلاق منتجٍ إلى حدثٍ يشبه إعلان ثورةٍ.

ومن خلال هٰذا المثال، يمكن لأيّ رائد أعمالٍ أن يدرك الفارق الجوهريّ بين التّقديم والسّرد؛ فبينما يركّز التّقديم على نقل المعلومات، يسعى السّرد إلى خلق معنى يترسّخ في أذهان الجمهور. وبناءً على ذٰلك، قد لا يكون عرضك القادم بحجم إطلاق ماكنتوش، لكنّه بالتّأكيد يمكن أن يكون أكثر تأثيراً إذا نجحت في تحويل فكرتك إلى قصّةٍ تستحقّ أن تروى.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 5 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: