الرئيسية الأخبار صعود الذكاء الاصطناعي يضع سوق الرقائق أمام أول اختبار حقيقي

صعود الذكاء الاصطناعي يضع سوق الرقائق أمام أول اختبار حقيقي

يدخل سوق الرقائق أول اختبار حقيقي مع تصاعد الذكاء الاصطناعي، إذ يوازن المستثمرون بين أرباح قياسية وتقييمات مرتفعة وتباطؤ متوقع في الإنفاق.

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

يواجه سوق الرقائق أول اختبار حقيقي منذ تحول الذكاء الاصطناعي إلى المحرك الأكبر للطلب على أشباه الموصلات. فبعد صعود استثنائي رفع تقييمات الشركات إلى مستويات قياسية، لم تعد النتائج القوية كافية لإقناع المستثمرين بأن الأسعار الحالية قابلة للاستمرار.

ظهر هذا التحول بوضوح عندما أعلنت TSMC، أكبر شركة لتصنيع الرقائق التعاقدية في العالم، قفزة بلغت 77.4% في أرباح الربع الثاني من 2026، مدعومة بالطلب على المعالجات المتقدمة. وبدلاً من ارتفاع السهم، تعرض للهبوط مع اتساع موجة البيع في أسهم أشباه الموصلات عالمياً.

تكشف هذه المفارقة عن تغير جوهري في السوق. فالمستثمرون لم يعودوا يسألون إن كان الذكاء الاصطناعي سيزيد الطلب على الرقائق، إذ أصبحت الإجابة واضحة. السؤال الأصعب الآن هو ما إذا كان هذا الطلب سينمو بالسرعة الكافية لتبرير التقييمات والإنفاق الضخم والطاقة الإنتاجية الجديدة.

نتائج قياسية لا تمنع تراجع الأسهم

حققت TSMC إيرادات بلغت 40.2 مليار دولار خلال الربع الثاني من 2026، بزيادة سنوية قدرها 36%، فيما وصل صافي الربح إلى 706.56 مليارات دولار تايواني، أي نحو 22 مليار دولار.

كما بلغ هامش الربح الإجمالي 67.7%، ووصل هامش التشغيل إلى 60.3%، في أرقام تعكس قوة استثنائية لشركة صناعية بهذا الحجم. وشكلت تقنيات التصنيع بدقة 7 نانومترات أو أقل نحو 77% من إيرادات الرقائق خلال الربع.

ورفعت الشركة توقعاتها لنمو الإيرادات السنوية إلى أكثر من 40%، كما زادت تقديرات نفقاتها الرأسمالية خلال 2026 إلى ما بين 60 و64 مليار دولار، مقارنة بتقديرات سابقة تراوحت بين 52 و56 مليار دولار.

لكن هذه النتائج لم تمنع السهم من التراجع. وامتدت الخسائر إلى Nvidia وIntel وMicron وعدد من شركات معدات تصنيع الرقائق والذاكرة والتخزين، ما دفع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات إلى الاقتراب من أدنى مستوى له في شهرين.

السوق تختبر الفارق بين الأعمال والتقييمات

لا يشير تراجع الأسهم بالضرورة إلى ضعف أعمال شركات الرقائق. فالطلب على المعالجات المتقدمة لا يزال مرتفعاً، وتواصل الشركات المصنعة توسيع قدراتها لتلبية احتياجات مراكز البيانات.

تكمن المشكلة في أن أسعار الأسهم ارتفعت بوتيرة أسرع من قدرة الشركات على مفاجأة السوق بنتائج جديدة. فقد تضاعف مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات خلال عام، قبل أن يتراجع بأكثر من 19% عن ذروته المسجلة في أواخر يونيو 2026.

وعندما تصل التوقعات إلى مستويات مرتفعة، لا يكفي أن تعلن الشركة أرباحاً جيدة أو حتى قياسية. بل تحتاج إلى تجاوز تقديرات شديدة التفاؤل وتقديم مؤشرات على استمرار النمو لسنوات.

ولهذا استقبل المستثمرون نتائج TSMC وASML القوية بقدر أكبر من الحذر. لم تكن الأرقام ضعيفة، لكن السوق بدأت تقارن قوة الطلب بحجم الاستثمارات المطلوبة وتكاليف التوسع والمدة اللازمة لاسترداد هذه الأموال.

ASML تؤكد أن الطلب لا يزال قوياً

قدمت ASML الهولندية دليلاً آخر على استمرار الطلب الفعلي في صناعة الرقائق. وتعد الشركة المورد الوحيد عالمياً لآلات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى، المستخدمة في تصنيع أكثر الرقائق تقدماً.

حققت الشركة إيرادات بلغت 9.33 مليارات يورو خلال الربع الثاني، مقارنة بتوقعات محللين عند 8.8 مليارات يورو. كما وصل صافي الربح إلى 2.92 مليار يورو، متجاوزاً توقعات بلغت 2.62 مليار يورو.

وقال الرئيس التنفيذي كريستوف فوكيه إن العملاء يسرعون خطط توسيع طاقتهم الإنتاجية، ما يمنح الشركة رؤية أوضح للطلب طويل الأجل. ورفعت ASML توقعاتها السنوية، مدعومة بطلب شركات تصنيع الرقائق المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

توضح هذه النتائج أن موجة البيع لا تعكس اختفاء الطلب، بل تعكس صراعاً بين واقع تجاري قوي وأسعار سوقية سبقت هذا الواقع بمراحل.

إنفاق عمالقة التقنية في قلب الاختبار

يعتمد استمرار طفرة الرقائق على قرارات عدد محدود من أكبر المشترين في العالم، مثل Microsoft وAmazon وAlphabet وMeta. وتنفق هذه الشركات مئات مليارات الدولارات على مراكز البيانات والمعالجات والذاكرة ومعدات الشبكات والطاقة.

تتوقع UBS ارتفاع النفقات الرأسمالية لشركات الحوسبة العملاقة بنسبة 76% خلال 2026 إلى نحو 673 مليار دولار. لكن البنك يتوقع تباطؤ نموها إلى 25% في 2027 ثم إلى 6% فقط في 2028.

ولا يعني ذلك انخفاض القيمة الإجمالية للإنفاق، بل تراجع سرعة نموها. لكن بالنسبة إلى شركات الرقائق التي بُنيت تقييماتها على استمرار القفزات السنوية، قد يمثل تباطؤ النمو تحدياً كبيراً.

فإذا احتاجت شركات التقنية إلى فترة لاستيعاب البنية التي بنتها وتحويلها إلى إيرادات، فقد تؤجل بعض الطلبات الجديدة أو تخفض وتيرة توسعها. وعندها ستنتقل الضغوط إلى موردي المعالجات والذاكرة ومعدات التصنيع.

موجة التوسع تحمل مخاطر زيادة المعروض

استجابت شركات أشباه الموصلات للطلب المتسارع بخطط استثمارية ضخمة. وتتوسع TSMC في تايوان والولايات المتحدة، بينما تزيد Samsung وSK Hynix وMicron قدراتهما في رقائق الذاكرة، وتعمل Intel على تعزيز أعمال التصنيع التعاقدي.

كما تخطط ASML لزيادة قدرتها على إنتاج أنظمة الطباعة الحجرية المتقدمة، وسط طلبات تمتد إلى 2027 و2028. ويشير ذلك إلى ثقة الشركات في استمرار نمو السوق، لكنه يرفع أيضاً خطر زيادة المعروض مستقبلاً.

تحتاج مصانع الرقائق إلى أعوام قبل بدء الإنتاج، ما يعني أن القرارات الحالية تستند إلى توقعات بعيدة المدى. وإذا تباطأ الطلب عندما تدخل الطاقة الجديدة إلى السوق، فقد تنخفض الأسعار وهوامش الربح.

شهدت صناعة أشباه الموصلات دورات مشابهة سابقاً، خصوصاً في سوق الذاكرة، حيث يؤدي النقص إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الاستثمارات، قبل أن ينتج عن التوسع فائض يضغط على الأرباح.

لكن حجم الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي يجعل الدورة الحالية أكبر وأكثر تعقيداً من سابقاتها.

الطاقة والبنية التحتية تضعان حدوداً للنمو

لا تواجه صناعة الرقائق قيوداً مالية وتقنية فقط. فمراكز البيانات تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء والأراضي والمياه وأنظمة التبريد وشبكات نقل الطاقة.

وقد ظهرت اعتراضات محلية على مشروعات مراكز البيانات في بعض المناطق، بسبب تأثيرها في أسعار الكهرباء والبنية التحتية والإمدادات المائية. كما تواجه الشركات تأخيرات في الحصول على تصاريح البناء والربط بالشبكات.

وتعني هذه العقبات أن الطلب على الرقائق قد لا يتحول دائماً إلى منشآت عاملة بالسرعة المتوقعة. فشراء المعالجات ليس سوى جزء من المشروع، بينما يتطلب تشغيلها بنية كهربائية ولوجستية أكثر اتساعاً.

كما يؤدي ارتفاع أسعار الذاكرة والمكونات والطاقة إلى زيادة تكلفة كل مركز بيانات، ما قد يدفع الشركات إلى مراجعة العائد المتوقع قبل الموافقة على موجات جديدة من الإنفاق.

الصين تضيف عنصراً جديداً للمنافسة

يتزامن اختبار السوق مع تقدم الشركات الصينية في تطوير الرقائق والنماذج الأقل تكلفة. ولا تزال الصين تواجه قيوداً على الوصول إلى أكثر تقنيات التصنيع تقدماً، لكنها تستثمر بكثافة في بناء بدائل محلية.

كما يمكن لظهور نماذج أكثر كفاءة وأقل احتياجاً إلى القدرة الحاسوبية أن يغير تقديرات الطلب على المعالجات. فإذا استطاعت الشركات تشغيل نماذج قوية باستخدام عدد أقل من الرقائق، فقد يتباطأ نمو الطلب حتى مع توسع استخدام التطبيقات.

وفي المقابل، قد يؤدي انخفاض تكلفة التشغيل إلى انتشار أوسع، ما يرفع إجمالي الطلب على الحوسبة. لذلك، لا يزال تأثير تحسين كفاءة النماذج غير محسوم: فقد يقلل عدد الرقائق المطلوبة لكل مهمة، لكنه قد يزيد عدد المهام المنفذة بصورة أكبر.

المستثمرون يبحثون عن المرحلة التالية

بدأ بعض مديري الأصول تقليل تعرضهم لأسهم الرقائق بعد ارتفاع تقييماتها، والتحول نحو البرمجيات والأمن السيبراني والخدمات المالية والرعاية الصحية.

تعتمد هذه الاستراتيجية على أن القيمة الاقتصادية ستنتقل تدريجياً من بناء البنية التحتية إلى استخدامها. ففي المرحلة الأولى، استفادت شركات المعالجات والمعدات من سباق بناء مراكز البيانات. أما المرحلة التالية، فقد تكافئ الشركات التي تحول تلك القدرة الحاسوبية إلى منتجات وإيرادات وتوفير حقيقي في التكاليف.

ومع ذلك، ما تزال الأموال تتدفق إلى صناديق أشباه الموصلات، إذ جذبت نحو 10 مليارات دولار حتى نهاية مايو 2026، وفقاً لرويترز. ويؤكد ذلك أن المستثمرين لم يغادروا القطاع، لكنهم أصبحوا أكثر حذراً في اختيار الشركات وتقييم المخاطر.

اختبار للنمو وليس لنهاية الطلب

لا يثبت التراجع الأخير أن طفرة الذكاء الاصطناعي انتهت أو أن سوق الرقائق دخلت أزمة. فالنتائج المعلنة من TSMC وASML تؤكد أن الطلب الفعلي ما زال قوياً، وأن العملاء يواصلون بناء طاقات جديدة.

لكن المرحلة التي كانت ترتفع فيها جميع الشركات المرتبطة بالرقائق لمجرد ارتباطها بالذكاء الاصطناعي قد تقترب من نهايتها. وسيبدأ المستثمرون في التمييز بين الشركات التي تملك تقنية يصعب استبدالها، وتلك التي تعتمد على استمرار دورة إنفاق استثنائية.

يتمثل الاختبار الحقيقي في قدرة القطاع على الحفاظ على الأرباح مع تباطؤ نمو الإنفاق، وبدء تشغيل المصانع الجديدة، وارتفاع تكاليف الطاقة، وزيادة المنافسة.

لقد أثبت الذكاء الاصطناعي قدرته على إطلاق أكبر موجة استثمار في تاريخ صناعة الرقائق. أما السؤال الذي يواجه السوق الآن، فهو ما إذا كانت الأرباح طويلة الأجل ستكون كبيرة بالقدر الذي وعدت به أسعار الأسهم.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 8 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: