الرئيسية الريادة هل يُقنعك الذكاء الاصطناعي بالتخلي عن رأيك الصحيح؟ تعرف على الحقيقة وراء ذلك

هل يُقنعك الذكاء الاصطناعي بالتخلي عن رأيك الصحيح؟ تعرف على الحقيقة وراء ذلك

يستثمر الذكاء الاصطناعي التوليدي طلاقة العرض وثقته الظاهرية لخلق إحساس باليقين، مما يضعف التحقق البشري ويؤثر على جودة القرار في بيئات العمل المتسارع

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

سمعت النّصيحة مراراً: «أبقِ إنساناً داخل الحلقة»، فبهٰذا -كما يقال- تحكم السّيطرة وتضمن المسؤوليّة. غير أنّ ما تكشفه الأبحاث الحديثة يزعزع هٰذه الطّمأنينة؛ إذ تظهر أنّ الحلقة ذاتها قد لا تكون بالمتانة الّتي افترضناها. فقد وثّق باحثون في MIT Sloan Management Review نمطاً مقلقاً مفاده أنّه عندما يعارض البشر إجابة الذّكاء الاصطناعيّ، لا يكتفي النّظام بإعادة النّظر وتصحيح المسار بهدوءٍ، بل يميل -في كثيرٍ من الأحيان- إلى الرّدّ بقوّةٍ مضاعفةٍ.

ولإثبات ذٰلك عمليّاً، أجريت دراسةٌ ميدانيّةٌ على أكثر من سبعين مستشاراً في Boston Consulting Group استخدموا GPT-4 لإنجاز تحليلٍ ماليٍّ معقّدٍ. ولم يطلب منهم إنتاج المخرجات فحسب، بل طلب منهم كذٰلك التّحقّق منها واختبار صلابتها. وحين رصد المشاركون تناقضاتٍ أو شكّكوا في المنطق، بادروا – تنفيذاً للتّكليف – إلى تحدّي النّظام مباشرةً. غير أنّ المفاجأة تمثّلت في أنّ النّظام، بدل أن يصحّح الخطأ ويمضي، أخذ يضاعف دفاعه؛ فأغرق الرّدود بمزيدٍ من البيانات، وأحاطها بتفصيلٍ أوفر، وصاغها بنبرةٍ أشدّ ثقةً، بل أضاف إليها مسحةً عاطفيّةً توحي بالحسم، وكأنّه يسعى إلى كسب الجدل لا إلى مراجعته.

هنا تحديداً صاغ الباحثون مصطلح “persuasion bombing” أو «قصف الإقناع». والأخطر من التّصعيد ذاته أنّ عدداً غير قليلٍ من المستشارين مالوا إلى الانصياع لمخرجات النّظام، حتّى عندما كانت حدوسهم الأولى أدقّ. ومن ثمّ، تبرز ملاحظة عائشة خانا الّتي تختزل جوهر الإشكال: لا يحتاج الذّكاء الاصطناعيّ إلى أن يكون محقّاً؛ يكفيه أن يبدو أكثر صواباً ممّا تشعر أنت.

ومن ثمّ، يثور سؤالٌ جوهريٌّ: لماذا لا يكفي وجود «إنسانٍ داخل الحلقة»؟ اعتاد القادة تقديم الإشراف البشريّ بوصفه صمّام الأمان، غير أنّ ما تكشفه الدّراسة أعمق من مجرّد خطأٍ تقنيٍّ. فعندما تشكّك في مخرجات النّظام، ثمّ يغرقك بسيلٍ من الرّدود المفصّلة والمدعومة بالأرقام والتّحليلات، يتسلّل تحوّلٌ داخليٌّ دقيقٌ؛ إذ تنشئ الطّلاقة وحجم المعلومات ونبرة اليقين إحساساً بالسّلطة، فيجد حتّى المحترف المتمرّس نفسه متردّداً: هل فاتني شيءٌ؟

في هٰذا السّياق، يظهر مفهوم «فجوة الإشارة»؛ أي المسافة بين ما هو صحيحٌ فعليّاً وما يبدو صحيحاً في اللّحظة. فلا يتحقّق معظم النّاس من الحقيقة آنيّاً بقدر ما يبحثون عن إشاراتٍ دالّةٍ. تصبح الثّقة إشارةً، ويغدو التّفصيل إشارةً، وتتحوّل السّرعة واليقين إلى إشاراتٍ إضافيّةٍ. ومن ثمّ، يستخدم الدّماغ هٰذه العلامات اختصاراتٍ معرفيّةً؛ فكلّما بدا الخطاب متماسكاً ومفصّلاً وحازماً، ترسّخ شعورٌ بالسّلطة. غير أنّ هٰذه المؤشّرات لا تثبت الصّحّة، بل تحاكي الكفاءة في العرض.

ومن هنا تتجلّى قوّة الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ؛ إذ يجيد صناعة هٰذه الإشارات بإتقانٍ لافتٍ. ينشئ الثّقة عند الطّلب، ويراكم التّعقيد في ثوانٍ، ويدرج إحصاءاتٍ ومنطقاً منظّماً يبدو محكماً. وفي بيئات العمل المتسارعة، ولا سيّما تحت الضّغط، يستبدل التّحقّق الفعليّ أحياناً بهٰذه الإشارات الظّاهريّة. وهٰكذا، يحلّ ما يبدو مقنعاً محلّ ما قد يكون صحيحاً.

والأدهى من ذٰلك أنّ باحثي MIT وHarvard لاحظوا أنّ النّظام، بعد تحدّيه، يصعّد الضّغط البلاغيّ؛ فيستدعي المنطق حيناً، ويستثير الثّقة حيناً آخر، ويستحضر العاطفة متى اقتضى السّياق، بل يولّد رسوماً بيانيّةً ومؤشّراتٍ اقتصاديّةً وتوقّعات نموٍّ وتحليلاتٍ عابرةً للقطاعات دون طلبٍ صريحٍ. وليس ذٰلك بدافع سوء نيّةٍ، بل لأنّ النّماذج صمّمت لتبدو شاملةً ومفيدةً. غير أنّ ارتفاع صوت النّظام يقابله – تدريجيّاً – خفوت الصّوت الدّاخليّ.

وتتّضح خطورة هٰذا الأثر في الممارسة العمليّة. ففي إحدى جلسات التّقييم الاستراتيجيّ لفريقٍ قياديٍّ استخدم مخرجاتٍ مدعومةً بالذّكاء الاصطناعيّ، أثار أحد التّنفيذيّين اعتراضاً على افتراضٍ معيبٍ ضمن التّحليل. غير أنّ النّظام، بدل أن يبسّط أو يوضّح، قدّم دفاعاً أطول وأشدّ صقلاً عن اتّجاهه، مدعوماً بتوقّعاتٍ سوقيّةٍ وتحليلات فئاتٍ مجاورةٍ ومقارناتٍ تنافسيّةٍ. عندئذٍ ساد الصّمت؛ لا لأنّ النّظام كان محقّاً، بل لأنّه بدا كذٰلك. وشيئاً فشيئاً، أخذت صاحبة الاعتراض تخفّف حدّة لغتها، وتضيف تحفّظاتٍ، وتراجع يقينها. كانت محقّةً، غير أنّ كثافة الإقناع صنعت فجوةً بين حدسها وثقتها.

وهنا يكمن الخطر الحقيقيّ: ليس تضليل المعلومات بقدر ما هو تآكل الثّقة بالنّفس. فعندما يفقد القائد ثقته بتحليله، تتراجع جودة القرار حتماً. ولهٰذا، لا يختزل التّحدّي في ذكاء المستخدم، بل يتمثّل في تفاعل الدّماغ البشريّ مع تكنولوجيا بارعةٍ في الإقناع.

ومن ثمّ، تفرض الأبحاث ثلاثة تحوّلاتٍ قياديّةً واضحةً:

  • أوّلاً، افصل بين الطّلاقة والصّحّة؛ درّب فريقك على إدراك أنّ الإتقان البلاغيّ ليس برهاناً، واطلب مصادر، واطلب تبسيطاً، وأزل الزّخرف اللّغويّ قبل التّسليم بالنّتيجة.
  • ثانياً، طبّع الاعتراض على الآلة؛ فكما يشجّع تحدّي الزّملاء، ينبغي تشجيع تحدّي النّظام وتوثيق الحالات الّتي يتفوّق فيها الحكم البشريّ.
  • ثالثاً، عزّز التقاط الإشارات الدّاخليّة؛ فعندما يلوّح الحدس بعلامة استفهامٍ، تمهّل قبل تجاوزه، لأنّ لحظة الانزعاج قد تكون مفتاح الفحص الأهمّ.

ولا يعني ذٰلك الامتناع عن الثّقة بالذّكاء الاصطناعيّ، بل يعني – على العكس – استخدامه مع الحفاظ على البوصلة الدّاخليّة. فبينما يواصل الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ التّحسّن بوتيرةٍ متسارعةٍ، ويزداد سلاسةً وسياقيّةً واستجابةً، يرتفع معيار الحكم البشريّ في المقابل. ومن ثمّ، لن يتفوّق في هٰذه المرحلة إلّا من يحسن الشّراكة مع الآلة دون أن يتنازل عن صوته الدّاخليّ.

فستزداد الآلة براعةً في أن تبدو واثقةً؛ ويبقى السّؤال الحاسم: هل ستزداد أنت براعةً في الثّقة بنفسك حين يحدث ذٰلك؟

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 5 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: