فريقك يعود دائماً إلى عاداته القديمة: هل تعرف السبب الحقيقي وراء ذلك؟
حتى الفرق الأكثر التزاماً تواجه صعوبة في كسر العادات القديمة، ويكمن السر في غياب الأنظمة الداعمة والممارسات العملية التي تحول الجهود المؤقتة إلى نتائج دائمة
بعد أن عملت مع العديد من الشركات النامية خلال مراحل التحول الكبيرة، وقضيت أكثر من عشر سنوات في مساعدة الفرق على اعتماد أساليب لين (Lean) وأجايل (Agile)، لاحظت نمطاً متكرراً في جهود التغيير. يتضح لي أن التغيير المستدام لا يكون دائماً الأفضل تصميماً، بل يكون الأفضل دعماً. إذ يدرك القادة الأكثر نجاحاً أن تنفيذ الخطط لا يقل أهمية عن وضعها، فالتخطيط وحده لا يضمن استمرار التغيير أو تثبيته داخل المؤسسة.
في غالب الأحيان، تتبع جهود التغيير نمطاً مألوفاً: يبدأ الجميع بحماس كبير، ثم تدخل العملية في فترة تعديل صعبة، وفي النهاية يعود الناس تدريجياً إلى عاداتهم القديمة. وبعد ستة أشهر تقريباً، غالباً ما تعود الأمور إلى ما كانت عليه من قبل. كثيراً ما يلقي القادة اللوم على الخطة أو التوقيت، لكن الحقيقة أبسط مما يظنون، إذ إن الإعلان عن التغيير وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه الدعم اللازم لضمان استمراريته؛ فالكثير من القادة يفترضون أن الناس سيتبعون الخطة بمجرد فهمها، بينما يثبت الواقع أن ذلك لا يحدث تلقائياً.
ومن هنا يظهر أن فهم سبب الحاجة للتغيير لا يضمن تغيّر السلوك الفعلي. حتى إذا وافق الموظفون على الأسباب، قد يجدون صعوبة في التصرف بطريقة مختلفة. لذلك، فإن التغيير الحقيقي والمستدام يتطلب وجود أنظمة واضحة تشرك الناس، تبني مهاراتهم، تحافظ على الزخم، وتكرس العادات الجديدة؛ وإلا سيظل التغيير سطحياً وغير دائم، مجرد خطة على الورق لا تتجسد في الواقع.
ولذلك، هناك خمسة مبادئ أساسية تساعد على تحويل جهود التغيير من مجرد فكرة إلى واقع ملموس ومستدام:
1. المشاركة تولّد الالتزام
يصبح الموظفون أكثر اهتماماً بنجاح التغيير عندما يُتاح لهم المساهمة في تحديد طريقة تنفيذه. فالأمر لا يقتصر على طلب الآراء أو المجاملة، بل ينبع من حقيقة أن الأشخاص الذين يقومون بالعمل غالباً ما يكتشفون مشاكل وفرصاً قد يغفلها القادة. على سبيل المثال، عند تقديم شركة برمجيات نظام إدارة مشاريع جديد، لاحظ مهندسوها مخاوف بشأن سير العمل لم تُطرح في اجتماعات التخطيط. ومن خلال إشراك المهندسين في وضع خطة التطبيق وتعديل الأداة، تم التعرف على المشاكل مبكراً، كما تم كسب مؤيدين أقوياء للعملية. لذلك، يمكن القول إن المشاركة ليست مجرد خيار، بل هي شرط أساسي للالتزام الفعلي وتحقيق النجاح المستدام للتغيير.
شاهد أيضاً: عادات الناجحين: كيف تكون في صفوف المبدعين؟
2. الأبطال ينشرون التأثير خارج نطاق القيادة
لكن حتى مع المشاركة، إذا جاء التغيير من القمة فقط، غالباً ما يفقد الزخم قبل أن يصل إلى جميع المستويات. فقد يوافق المدراء في الاجتماعات، لكنهم لا يشجعون فرقهم دائماً على المشاركة الفعّالة، مما يترك فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي. ومن هنا يظهر دور أبطال التغيير: أشخاص يؤمنون بالتحول ويستطيعون التأثير على الآخرين، وهم ليسوا بالضرورة مديرين، بل أصوات موثوقة تشرح الرؤية بأسلوب يفهمه زملاؤهم ويحفزهم على المشاركة. على سبيل المثال، اكتشفت شركة تصنيع قادة غير رسميين في الورش أصبحوا الدافع الحقيقي وراء برنامج الجودة، وهو ما لم يتمكن المدراء من تنفيذه بمفردهم. إن وجود هؤلاء الأبطال يضفي على التغيير مصداقية ملموسة، ويحوّله من مجرد خطة مكتوبة إلى واقع يعيشه الفريق ويؤمن به.
3. الانتصارات المبكرة تبني الزخم
ورغم الدعم والمشاركة، لا يكتفي الناس بفهم الحاجة للتغيير، بل يحتاجون أيضاً إلى رؤية نتائج ملموسة قبل أن يلتزموا به بالكامل. فالمتشككون يبحثون عن دليل على جدوى التغيير، ومن هم على الحياد يحتاجون سبباً واضحاً للمشاركة. لذلك، يسعى القادة الناجحون إلى تحقيق انتصارات سريعة ومرئية تظهر التقدم وتجعل التغيير محسوساً للجميع. ولا يجب أن تكون هذه الانتصارات كبيرة، بقدر ما يجب أن تكون حقيقية وملحوظة لتكسب ثقة الفريق. على سبيل المثال، أطلقت شركة خدمات عملية جديدة لاستقبال العملاء، واحتفت بالنجاحات الأولى خلال الاجتماعات وشاركت النتائج مع الجميع. هذا الاعتراف العلني لم يقتصر على تعزيز الشعور بالإنجاز، بل شجع الآخرين على المشاركة وقلل من مقاومة المتشككين، مما جعل التغيير أكثر قابلية للاستمرار ويعزز الالتزام الجماعي به.
4. القدرة تُمكّن التبني
حتى الموظفون الأكثر حماساً قد يواجهون صعوبة في التغيير إذا لم يُزوَّدوا بالمهارات أو الموارد اللازمة للنجاح في البيئة الجديدة، فالتدريب هنا ليس مجرد خيار، بل هو البنية التحتية الأساسية للتغيير. ومع ذلك، كثيراً ما يستخف القادة بهذه الحقيقة، معتقدين أن الموظفين سيتعلمون بأنفسهم أو أن ورشة عمل واحدة كافية لإعدادهم. لكن مطالبة الأشخاص بتغيير سلوكهم دون تزويدهم بالأدوات والدعم اللازم يؤدي حتماً إلى الإحباط والاستياء. لذلك، فإن أفضل تطبيقات التغيير دائماً ما تقترن بأنظمة دعم واضحة، سواء من خلال تدريب رسمي، أو توجيه فردي، أو مواد مرجعية، أو حتى وقت مخصص للتعلم قبل فرض التوقعات الجديدة. وبهذا الأسلوب يصبح الالتزام بالتغيير ليس مجرد رغبة، بل واقعاً ممكناً وملموساً.
5. التعزيز يجعل السلوكيات الجديدة هي القاعدة
حتى بعد التهيئة والدعم، تظل العادات القديمة صعبة الكسر، وبدون تذكير مستمر ودعم دائم، سرعان ما يعود الناس إلى طرقهم السابقة، خصوصاً عند ازدحام العمل. ولهذا، يصبح من الضروري دمج السلوكيات الجديدة في الروتين اليومي من خلال القياسات، والتقدير، والعمليات اليومية، بحيث يتحول التغيير إلى جزء طبيعي من طريقة عمل الفريق، وليس مجرد إجراء إضافي يجب تذكره. على سبيل المثال، حاولت شركة تبني أسلوب مبيعات جديد، وحققت تقدمًا ملموسًا عندما ركزت اجتماعاتها الأسبوعية على النهج الجديد، فبدأ موظفو المبيعات بتطبيق الطريقة تلقائياً وبشكل طبيعي.
ومما سبق، يتضح أن القادة الذين ينجحون في جعل التغيير مستداماً لا ينتظرون حتى وضع الاستراتيجية لينفذوا الخطط، بل يبدأون التنفيذ بالتوازي مع التخطيط. فهم يضعون منذ البداية أنظمة للمشاركة، والدعم، والحفاظ على الزخم، وبناء المهارات، وتعزيز العادات الجديدة. ومن خلال اعتبار هذه الخطوات جوهرية وليس اختيارية، يتحول الالتزام قصير المدى إلى تغيير حقيقي ودائم، ويصبح التغيير جزءاً لا يتجزأ من ثقافة المنظمة.
هذا الرأي المتخصص من بروس إيكفيلدت (Bruce Eckfeldt)، الرئيس التنفيذي المدرج في قائمة إنك. 5000 (Inc. 5000) والمدرّب الاستراتيجي للأعمال، نُشر أصلاً على موقع إنك. (Inc.com).