السبب الحقيقي للصراع بين الأجيال: كيف يمكن حلّه؟
تظهر جذور الصراع بين الأجيال حين تختلف القيم والتّوقّعات وأساليب التّواصل، لكنّ الاعتراف بهذه الفوارق ومعالجتها بوضوحٍ واحترامٍ يحوّلها إلى مساحةٍ للتّعاون والنّموّ المهنيّ
بعد تيسير ورشة عمل استمرت نصف يوم لقادة حول التواصل في مكان العمل، تقدّم إليّ أحد الحضور. قال ديفيد، وهو أحد التنفيذيين في شركة خدمات مهنية في نيويورك: "في هذه الأيام، الشباب ببساطة لا يريدون بذل الجهد. الأمر مُرهِق".
في الأسبوع الذي سبق ذلك، غادر أحد أعضاء فريقه الجدد العمل دون اتباع البروتوكول الخاص بطلب الإجازة. رآه ديفيد عند المصعد وسأله إن كان كل شيء على ما يرام. أخبره الموظف الشاب أن كل شيء جيد وأنه أنهى عمله، ولذلك سيغادر لقضاء عطلة نهاية الأسبوع. كان الوقت حينها الظهر.
هذا النوع من التجارب ليس نادراً؛ فللمرة الأولى في التاريخ، ستة أجيال تتشارك مكان العمل. أولئك الذين وُلِدوا قبل 1946، جيل الصامتين، يخدمون في مجالس الإدارة. وأولئك الذين وُلِدوا بعد 2010، جيل ألفا، بدأوا للتو وظائفهم المدرسية الثانوية وتدريباتهم. وهذا يعني أن مجموعة واسعة من أنماط الحياة والقيم وأساليب التواصل تتنقّل داخل مكان العمل معًا، تحت سقف واحد.
كان ديفيد يتوقع من عضو فريقه الجديد أن يعمل يوماً كاملاً، كل يوم. شعر أن ذلك توقّع معقول ولم يعتقد أنه يحتاج إلى شرح؛ فأسبوع العمل من أربعين ساعة يعني أنك تعمل أربعين ساعة.
تتشارك الأجيال المختلفة تجارب معينة. تلك التجارب تُشكّل قيمهم. ولكن المشكلة الحقيقية ليست في عمر الشخص أو قيمه أو تصنيفه الجيلي، بل في قدرته على التواصل وبناء الاتصال.
انظر إلى ما وراء القوالب النمطية نحو القيم
ندرك حدساً، وأكدت ذلك جامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins University)، أن الطفولة -البيئة التي نشأنا فيها والتجارب والموارد التي افتقدناها أو حُرمنا منها- تترك أثراً قوياً على تكوين قيمنا. وهذه الاختلافات في القيم، وليس تصنيفاتنا الجيلية، هي ما قد يثير الصراعات في أماكن العمل.
ورغم هذا الإدراك، لا تزال القوالب النمطية المتعلقة بالأجيال قائمة، مثل الاعتقاد بأن جيل الطفرة السكانية (Boomers) وفيّ لكنه يقاوم التغيير، وأن الجيل إكس (Gen X) مستقل وفعّال لكنه ساخر، في حين يُنظر إلى جيل الألفية (Millennials) على أنهم واثقون لكن متطلّبون، وجيل زي (Gen Z) يقدّر القيم لكنه يجد صعوبة في تقبّل الملاحظات.
وعندما نتواصل من خلال عدسة هذه القوالب النمطية، نتوقف عن رؤية الآخرين كأفراد. فمثلاً، قد يُظن أن شخصاً من جيل الطفرة السكانية يفضّل الاجتماعات الحضورية؛ لأنه يقاوم التغيير التكنولوجي، بينما الحقيقة أنه قد يقدّر ببساطة الثقة التي تُبنى من خلال التواصل وجهاً لوجه.
وبالطبع، قد يكون كلا الأمرين صحيحاً. ولكن عندما نأخذ الوقت لفهم السبب وراء اختلاف أسلوب شخص ما في التعامل مع عمله، نصبح قادرين على الرد بفضول بدلًا من الإحباط. فبناء روابط قوية وجديدة يبدأ من هذا الوعي والانفتاح الذهني، وليس بهدف تغيير الآخرين، بل بتعلّم كيفية الالتقاء معهم حيث هم.
ركز على التفاعل بين الأجيال
تحدثت مؤخراً مع سيندي دولاي (Cindy Dulay)، المديرة الأولى لتجربة التعلم والتكنولوجيا في شركة زوم إنفو (ZoomInfo). هي وفريقها بنَوا عملية توظيف مصممة لمساعدة ممثلي المبيعات والخدمات من جميع الأجيال على التواصل والتعاون من اليوم الأول.
يكمل كل موظف جديد تجربة توظيف تمتد 90 يوماً، خاصة بالدور الوظيفي، تركز على الوضوح والتواصل وبناء العلاقات. ثم يتبع ذلك تعلم مستمر في أكاديمية زوم إنفو (ZoomInfo Academy)، حيث يمكن للممثلين تطوير مهاراتهم وفقاً لسرعتهم الخاصة.
هذا المزيج من الهيكلة والاختيار يعمل عبر مختلف الأجيال؛ فهو يوفّر توجيهاً واضحاً لأولئك الذين يقدّرون الإرشاد والتوجيه، بينما يمنح الاستقلالية والمرونة لأولئك الذين يفضلون التعلم الذاتي. وقد أوضحت دولاي: "لقد بنينا تجارب التوظيف والأكاديمية لدينا على بنية قائمة على المهارات؛ كل مقرر واختبار ومعلم مرتبط بالقدرات الأساسية التي تقود النجاح في كل دور. وهذا يمنحنا أساسًا منظماً قابلاً للتوسع عالميّاً".
خلال المرحلتين، تقرن زوم إنفو بين ممثلين ذوي خبرة يحملون المعرفة المؤسسية وبين موظفين جدد يضيفون وجهات نظر جديدة ومهارات تقنية. النتيجة هي احترام متبادل وتعلم مشترك وتفكيك للقوالب النمطية، مما يقلّل حواجز "نحن مقابل هم" التي تظهر غالباً بين الفئات العمرية. إنّه مثالٌ قويٌّ على كيف يمكن للتّواصل المتعمّد والدّعم المستمرّ تحويل الاختلافات الجيلية إلى تعاون وتواصل أفضل ونمو.
شاهد أيضاً: الجيل إكس: جيلٌ بين إرث الماضي وتحديّات المستقبل
عالج الاحتكاك الجيلي مباشرة
غالباً ما تبدأ هذه المشكلات من الأعلى؛ فالقيادة تحدد النبرة لكيفية تعامل الناس مع بعضهم، وإذا لم يتم الحديث عن الاحترام والتعاون، ولم يتم تمثيلهما والتوقع لهما، فلن يترسخا. وعندما لا يجعل القادة التواصل والعمل الجماعي أولوية، يصبح كل من الموظفين القدامى والجدد غير منخرطين، ويتجنبون المحادثات؛ لأنهم ليسوا مضطرين لخوضها.
اصنع ثقافة تشجع على المشاركة الفعّالة، حيث يعني الانتماء إلى المنظمة الانخراط في حوار مفتوح، والتواصل المستمر، وتحمل المسؤولية المشتركة. فالاختلافات أمر طبيعي، وإذا تم التعامل معها بصراحة بدلاً من تجنبها، يمكن أن تعزز تماسك الفريق. ويحتاج الموظفون إلى مساحات آمنة للتعبير عمّا ينجح وما لا ينجح، بينما يحتاج القادة إلى الاستماع بانفتاح ودون دفاعية. سواء كان السبب سوء فهم للتوقعات، أو اختلافًا في أساليب التواصل، أو عادات العمل، فالهدف ليس محو الاختلافات، بل إدارتها بطريقة بنّاءة.
ابدأ بالتصرف بحس من الاحترام والفضول. اسعَ لفهم الشخص الآخر والتعرّف إليه كشخص فريد، وليس فقط كعضو في جيل معيّن. وكن واضحاً بشأن التوقعات، فالوضوح يمنع الإحباط واللوم. لا تفترض أن كل الشركات تعمل بالطريقة نفسها أو أن موظفك الجديد يعرف تلقائيّاً ما هو متوقع منه؛ فواجبك تعليم موظفيك ثقافة عملك، وإبلاغهم بالقواعد قبل التعيين، والتحدث عن أي مشكلة فور ظهورها.
امنح الآخرين حسن الظن، وافترض أن معظم الناس يسعون لأداء عملهم على أفضل وجه ويهتمون به. واقترب من الآخرين بنية تحقيق نتائج إيجابية، سواء كان ذلك من خلال محادثة بنّاءة أو تعاون فعّال، فهذا النهج يفتح آفاق التواصل ويجعل التعاون أسهل وأكثر فعالية.
تجنب الدفاعية والافتراضات، واسأل قبل أن تستنتج؛ فعندما تتصرف بشكل دفاعي، فأنت بالفعل مغلق أمام نتيجة جيدة. وسيرى الشخص الآخر بسرعة أنك غير مهتم به أو بما يريد قوله، ما يؤدي إلى محادثة غير منتجة.
استمر في التواصل، أي لا تكتفِ بالحديث عند وجود مشكلة، بل تواصل بانتظام. يحتاج الناس إلى الشعور بأنهم مهمون، بغض النظر عن أعمارهم أو مدة بقائهم في الشركة. فالتواصل الضعيف أو غير الواضح يؤدي إلى سوء فهم وضغط غير ضروري، بينما يُعد التواصل الفعّال شرطًا أساسيًا لازدهار الفرق والمنظمات، وهو الطريقة الوحيدة لبناء المرونة وإدارة الاختلافات بشكل بنّاء.
إن أحببت أم لم تحب، فإن القيادة هي التي تشكّل ثقافة المنظمة. عندما تُجسّد الاحترام والمساءلة في سلوكك، يتولد تأثير متسلسل داخل المنظمة بأكملها. ومن هذا المنطلق، صُمم برنامجي الإلكتروني، بروتوكول التواصل (The Communication Protocol®)، لمساعدة الفرق على تعزيز التعاون، ومعالجة سوء الفهم، وحل النزاعات، عبر لغة مشتركة شاملة وبنية عملية سهلة للحوارات، بحيث تركّز على العمل سوياً بدلاً من الانشغال بمن على حق. وإذا لم يتمكن الأفراد من تقديم الملاحظات وتلقيها، أو التنقل بين الاختلافات، أو بناء الثقة، فإن أي استثمار آخر سيظل محدود الفاعلية.
التواصل الجيد يحل نزاعات الأجيال أكثر من أي تدريب أو اجتماع أو سياسة. وعندما يتعلم الناس التعامل مع بعضهم بالفضول والاحترام المتبادل وحسن الظن، فإنهم يبنون تعاوناً ومرونة تُقوّي الفرق وتدعمها على المدى الطويل. وهكذا، يصبح القادة الذين يلتزمون بالارتقاء بالتواصل ليسوا مجرد محلّي مشكلات، بل صانعي ثقافة تشكّل مستقبل المنظمة بأكملها.
هذا الرأي المتخصص من ديبرا روبرتس (Debra Roberts)، خبيرة التواصل بين الأشخاص ومؤلفة، نُشِر في الأصل على موقع Inc.com.