انسَ المشكلات غير المحلولة… الأرباح الحقيقية في إصلاح ما هو معطّل!
لا تأتي الفرص الكبرى اليوم من ابتكار فئاتٍ جديدةٍ، بل من إعادة هندسة صناعاتٍ أنهكها التّعقيد، بوضع الذكاء الاصطناعي في مركزها
ترسّخت عبر السّنين قناعةٌ تقليديّةٌ تدعو روّاد الأعمال إلى البحث عن مشكلاتٍ غير محلولةٍ وابتكار حلولٍ جديدةٍ لها، غير أنّ هٰذا التّصوّر، على شيوعه، يتجاوز موقع النّفوذ الحقيقيّ الّذي يفرض نفسه اليوم. فبدل الانشغال بما لم يعالج بعد، يتّضح أنّ الفرص الأعمق تكمن فيما عولج، ولٰكن بصورةٍ ناقصةٍ أو مشوّهةٍ.
تظهر القطاعات الرّاسخة، عند التّمعّن فيها، أنّ كثيراً من عمليّاتها يعمل فعليّاً، لٰكنّه يعمل بالكاد، إذ تستند هٰذه العمليّات إلى جهدٍ يدويٍّ منهكٍ، وأنظمةٍ قديمةٍ متقادمةٍ، وسنين طويلةٍ من الحلول التّرقيعيّة الّتي راكمت التّعقيد بدل أن تحلّه. ومن هنا، لا يمكن وصف هٰذه التّحدّيّات بأنّها مشكلاتٌ بلا حلولٍ، بل ينبغي النّظر إليها بوصفها مشكلاتٍ حلّت بشكلٍ سيّئٍ. في هٰذا السّياق تحديداً، يفتح الذّكاء الاصطناعيّ أمام روّاد الأعمال أفقاً مختلفاً، إذ يتيح لهم إعادة تخيّل طريقة عمل صناعاتٍ كاملةٍ من جذورها، بدل الاكتفاء بترميم أسسٍ فقدت صلاحيّتها.
كيف تصنع أرباحك من إصلاح المعطل؟
لا تتحقّق الأرباح الكبرى دائماً من ابتكار حلولٍ جديدةٍ، بل من إعادة بناء ما يعمل بشكلٍ سيّئٍ، وتحويل الفوضى التّشغيليّة والافتراضات المتقادمة إلى فرصٍ ذكيّةٍ تقود إلى نموٍّ حقيقيٍّ ومستدامٍ.
التّعامل مع القطاعات المألوفة بعقليّة المبتدئ
لا تبدأ الخطوة الأولى برسم خرائط لقدرات الذّكاء الاصطناعيّ، بل تبدأ بنسيان ما يفترض أنّه معروفٌ عن طريقة عمل القطاع. ينظر كثيرون إلى الصّناعات الرّاسخة بوصفها محكومةً بقيودٍ ثابتةٍ لا يمكن تجاوزها، في حين يتعامل روّاد الأعمال ذوو العقليّة المعتمدة على الذّكاء الاصطناعيّ مع هٰذه القيود نفسها بوصفها أسئلةً مفتوحةً: لماذا وجدت؟ وكيف ترسّخت؟ وهل ما زالت مبرّرةً؟
من هنا، يعاد فحص كلّ افتراضٍ يتعلّق بطريقة إنجاز العمل، وبالجهة الّتي تنفّذه، وبالأسباب الّتي جعلت العمليّات تتطوّر على هٰذا النّحو تحديداً. فعندما تفترض شركة تحليلٍ ماليٍّ أنّها تحتاج إلى فرقٍ كاملةٍ من المحلّلين لمراجعة البيانات وصياغة التّوصيات لأنّ هٰذا هو الأسلوب المتّبع منذ عقودٍ، يتقدّم رائد الأعمال المنطلق من منظور الذّكاء الاصطناعيّ بسؤالٍ مختلفٍ: هل يمكن أتمتة التّحليل نفسه؟ وإذا أمكن ذٰلك، هل يتحرّر البشر حينها للتّركيز على أعمالٍ استشاريّةٍ أعلى قيمةً؟ بهٰذه الطّريقة، تكشف عقليّة المبتدئ فرصاً تعجز عنها عيون الخبراء الّذين اعتادوا المسلّمات وتوقّفوا عن مساءلتها.
مواءمة قدرات الذكاء الاصطناعي الحالية مع نقاط الألم الفعلية
بعد تحدّي الافتراضات الأساسيّة، تفرض المرحلة التّالية نفسها، والمتمثّلة في فهم ما يستطيع الذّكاء الاصطناعيّ إنجازه اليوم على أرض الواقع، لا على مستوى الوعود النّظريّة. يخطئ كثيرٌ من روّاد الأعمال عندما يبالغون في تقدير القدرات المتاحة، فيبنون منتجاتٍ لا تستطيع الوفاء بتوقّعات السّوق، أو عندما يستخفّون بها، فيتجاوزون فرصاً واضحةً كان يمكن استثمارها.
يستدعي النّهج العمليّ ربط أدوات ذكاءٍ اصطناعيٍّ محدّدةٍ بمواطن ألمٍ حقيقيّةٍ داخل القطاع. عندها، يبرز السّؤال: أين تعتمد الحلول الحاليّة على أحكامٍ بشريّةٍ مكلفةٍ بات الذّكاء الاصطناعيّ قادراً على محاكاةها؟ وأين تخلق معالجة البيانات اليدويّة اختناقاتٍ مزمنةً؟ وأين يتقبّل العملاء الاحتكاك فقط لأنّهم افترضوا عدم وجود بديلٍ أفضل؟ في هٰذا الإطار، قد تكتشف شركةٌ تعمل في مجال العقارات التّجاريّة أنّ الذّكاء الاصطناعيّ أصبح قادراً على تحليل عقود الإيجار، ومقارنات السّوق، وبيانات الأصول بسرعةٍ ودقّةٍ تفوق أداء المحلّلين المبتدئين، لا ليحلّ محلّ الخبرة، بل ليعزّز أثرها ويضاعف قيمتها.
توقع الاتجاه الذي تتجه إليه القدرات
رغم أهمّيّة القدرات المتاحة اليوم، تصنع القدرات المتوقّعة مستقبلاً أفضليّة المبادر الأوّل. ولهٰذا، يحرص روّاد الأعمال الّذين يبنون مواقع قويّةً على متابعة تطوّر الذّكاء الاصطناعيّ قبل ستّة إلى اثني عشر شهراً من وصوله إلى الاستخدام الواسع. يراقبون الإعلانات البحثيّة، ويتابعون البرامج التّجريبيّة، ويحلّلون الأدوات النّاشئة، لا بدافع التّكهّن، بل بهدف الاستعداد.
لا يقوم هٰذا السّلوك على المضاربة، بل على التّموضع الذّكيّ. فعندما تصبح قدرةٌ جديدةٌ متاحةً، يتحرّك من استبقها فوراً، بينما ينشغل المنافسون بالتّقييم والدّراسة. في هٰذه المساحة الفاصلة بين الإمكان التّقنيّ والاعتماد الواسع، تتشكّل الفرص الاستثنائيّة ذات العوائد المرتفعة.
تحديد نقاط النفاذ ذات التأثير الأعلى
لا يمكن إعادة تشكيل صناعةٍ كاملةٍ دفعةً واحدةً، ولذٰلك يبرز السّؤال الاستراتيجيّ الحاسم: من أين يبدأ التّدخّل؟ يركّز روّاد الأعمال المعتمدون على الذّكاء الاصطناعيّ على الشّرائح الّتي تولّد فيها الحلول الحاليّة أكبر قدرٍ من الاحتكاك، أو الّتي تعاني فيها فئات العملاء من إهمالٍ واضحٍ، أو الّتي يتردّد اللّاعبون الكبار في خدمتها بسرعةٍ.
تسمح نقاط الدّخول هٰذه ببناء الزّخم واكتساب المصداقيّة قبل التّوسّع. فقد يبدأ رائد أعمالٍ في التّكنولوجيا القانونيّة بخدمة مراجعة العقود للشّركات المتوسّطة، أو بالتّركيز على شريحةٍ لا تمثّل أولويّةً لدى الشّركات الكبرى، لٰكنّها كافيةٌ لبناء نشاطٍ ذي قيمةٍ. ومع ترسيخ الحضور، يصبح الانتقال إلى خدماتٍ مجاورةٍ خطوةً طبيعيّةً.
التكرار السريع وضغط مرحلة التأسيس
تفترض خارطة الطّريق التّقليديّة للشّركات النّاشئة فتراتٍ طويلةً من التّطوير قبل الحصول على تغذيةٍ راجعةٍ حقيقيّةٍ من السّوق. أمّا المقاربة المعتمدة على الذّكاء الاصطناعيّ فتقلب هٰذه المعادلة رأساً على عقبٍ. إذ يتيح هٰذا النّهج بناء نماذج أوّليّةٍ وظيفيّةٍ خلال أيّامٍ، ثمّ اختبارها مباشرةً مع عملاء حقيقيّين، والتّعديل بناءً على الاستخدام الفعليّ لا على الافتراضات المسبقة.
تغيّر هٰذه السّرعة طبيعة المخاطر جذريّاً. فبدل الرّهان على رؤيةٍ واحدةٍ، يصبح ممكناً إطلاق تجارب متعدّدةٍ، واستخلاص الدّروس سريعاً، ثمّ تعميق الاستثمار في ما يثبت جدواه. وقد أطلق أحد روّاد الأعمال الّذين أعمل معهم ثلاثة عروض خدماتٍ مختلفةٍ مدعومةٍ بالذّكاء الاصطناعيّ خلال شهرٍ واحدٍ، قبل أن يحدّد العرض الأكثر جذباً للعملاء ويضاعف جهوده فيه، في مسارٍ كان سيستغرق سنين بالأساليب التّقليديّة.
في المحصّلة، لا يصنع روّاد الأعمال الّذين يخلقون أكبر الفرص اليوم فئاتٍ جديدةً من الصّفر، بل يعيدون بناء صناعاتٍ مكتظّةٍ بالاحتكاك والهدر والافتراضات المتقادمة، واضعين الذّكاء الاصطناعيّ في قلبها. هناك، تحديداً، يتجسّد النّفوذ الحقيقيّ.
-
الأسئلة الشائعة
- كيف يعرف رائد الأعمال أن المشكلة تستحق إعادة البناء وليس مجرد تحسين بسيط؟ تظهر الحاجة لإعادة البناء عندما تعتمد الحلول الحالية على تدخل بشري مفرط، أو أنظمة قديمة، أو إجراءات معقدة لا تضيف قيمة حقيقية للعميل، وعندما يؤدي أي تحسين محدود إلى نتائج ضعيفة أو مؤقتة.
- هل يتطلب إصلاح الأنظمة المعطلة استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي؟ ليس بالضرورة. في كثير من الحالات، يمكن البدء بأدوات جاهزة أو نماذج بسيطة، ثم التوسع تدريجياً بعد التحقق من جدوى الفكرة، ما يجعل الاستثمار مرحلياً ومدروساً وليس عبئاً مالياً فورياً.