IBM تكشف تقنية رقائق أصغر من 1 نانومتر للذكاء الاصطناعي
كشفت IBM عن تقنية رقائق أصغر من 1 نانومتر تستهدف تعزيز أداء الذكاء الاصطناعي وخفض استهلاك الطاقة، في خطوة تدفع مستقبل الحوسبة المتقدمة.
لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي محصوراً في النماذج اللغوية، أو التطبيقات التي يستخدمها الناس يومياً، أو الشركات التي تبني مراكز بيانات ضخمة. الطبقة الأعمق من هذا السباق تدور الآن داخل الرقائق نفسها، حيث تحاول شركات التكنولوجيا دفع حدود التصغير إلى مستويات كانت تبدو قبل سنوات أقرب إلى الخيال العلمي.
في هذا السياق، كشفت IBM عن تقنية جديدة تقول إنها قادرة على إنتاج رقائق بأبعاد أصغر من 1 نانومتر، عبر بنية ترانزستورات عند مستوى 0.7 نانومتر، أو ما يعرف بـ7 أنغستروم. هذا الإعلان لا يمثل مجرد خطوة تقنية جديدة في صناعة أشباه الموصلات، بل يعكس محاولة لإبقاء قانون مور حياً في زمن يتزايد فيه الطلب على القدرة الحاسوبية بسبب الذكاء الاصطناعي.
ما الذي أعلنت عنه IBM؟
أعلنت IBM عن تقنية شريحة دون 1 نانومتر، تعتمد على معمارية جديدة تسميها الشركة «نانواستاك» أو Nanostack. الفكرة الأساسية في هذه المعمارية لا تقوم فقط على تصغير الترانزستورات أفقياً، بل على تكديسها رأسياً داخل بنية ثلاثية الأبعاد، بما يسمح بوضع عدد أكبر من الترانزستورات في مساحة أصغر.
بحسب IBM، تستطيع هذه التقنية وضع ما يقارب 100 مليار ترانزستور على شريحة بحجم ظفر الإصبع. كما تقول الشركة إن كثافة الترانزستورات في هذه التقنية تقارب ضعف كثافة شريحتها السابقة بدقة 2 نانومتر، التي كشفت عنها في 2021.
هذه الأرقام مهمة لأن الترانزستور هو الوحدة الأساسية التي تمنح الشريحة قدرتها على المعالجة. وكلما زاد عدد الترانزستورات داخل مساحة أصغر، أصبح من الممكن تحقيق أداء أعلى، أو استهلاك طاقة أقل، أو الجمع بين الأمرين بطريقة أكثر كفاءة.
لماذا يهم ذلك للذكاء الاصطناعي؟
الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قدرة حاسوبية هائلة. تدريب النماذج الكبيرة، وتشغيل خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتحليل البيانات الضخمة، كلها عمليات تعتمد على رقائق تستطيع تنفيذ أعداد ضخمة من العمليات بسرعة وكفاءة.
المشكلة أن هذه القدرة لا تأتي مجاناً. مراكز البيانات التي تشغل الذكاء الاصطناعي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، وتحتاج إلى بنية تبريد مكلفة، وتواجه ضغطاً متزايداً مع ارتفاع الطلب العالمي على الحوسبة. لذلك، لا تبحث الصناعة فقط عن رقائق أقوى، بل عن رقائق أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة.
هنا تأتي أهمية إعلان IBM. فالشركة تقول إن التقنية الجديدة يمكن أن توفر أداء أعلى بنسبة تصل إلى 50%، أو كفاءة في استهلاك الطاقة أعلى بنسبة تصل إلى 70% مقارنة بتقنية 2 نانومتر. إذا تحولت هذه الأرقام إلى واقع تجاري واسع، فقد تساعد على جعل أحمال الذكاء الاصطناعي أسرع وأقل تكلفة من ناحية الطاقة.
ما هي تقنية Nanostack؟
تقوم تقنية Nanostack على إعادة التفكير في طريقة بناء الترانزستورات. فبدلاً من الاعتماد على التمدد الأفقي فقط، تعمل IBM على الاستفادة من البعد العمودي، عبر تكديس الترانزستورات في طبقات متداخلة. هذا التوجه يشبه إلى حد ما انتقال المدن من التوسع الأفقي إلى الأبراج، عندما تصبح المساحة محدودة ويصبح الحل في البناء إلى الأعلى.
هذه المقاربة مهمة لأن صناعة الرقائق تقترب من حدود فيزيائية صعبة. مع كل جيل جديد من التصغير، يصبح التحكم في المواد، والحرارة، والتسرب الكهربائي، ودقة التصنيع أكثر تعقيداً. لذلك، لم يعد المستقبل يعتمد فقط على جعل كل شيء أصغر، بل على تغيير شكل البنية نفسها.
IBM تقول إن هذه المعمارية تسمح أيضاً باستخدام تركيبات مختلفة من المواد داخل الطبقات، ما قد يمنح المصممين قدرة أكبر على تحسين الأداء والكفاءة في أجزاء مختلفة من الشريحة.
الذاكرة قد تكون جزءاً حاسماً من القصة
أحد الجوانب المهمة في إعلان IBM يتعلق بذاكرة SRAM، وهي نوع من الذاكرة السريعة الموجودة داخل الرقائق وتستخدم بكثافة في المعالجات المتقدمة. الشركة تقول إن تقنية Nanostack يمكن أن تحقق تحسناً في توسيع ذاكرة SRAM بنسبة 40%.
هذا الرقم ليس تفصيلاً صغيراً في عالم الذكاء الاصطناعي. فواحدة من أكبر مشكلات الحوسبة الحديثة ليست فقط سرعة المعالج، بل سرعة وصوله إلى البيانات. عندما تكون الذاكرة أقرب وأكثر كفاءة، يمكن للشريحة أن تنفذ العمليات بسرعة أكبر وتقلل الهدر في الطاقة والوقت.
بالنسبة لأحمال الذكاء الاصطناعي، حيث تتحرك كميات هائلة من البيانات بين الذاكرة والمعالجة، قد يكون تحسين الذاكرة عاملاً حاسماً في رفع الأداء الحقيقي، لا الأداء النظري فقط.
هل سنرى هذه الرقائق قريباً؟
رغم أهمية الإعلان، لا يعني ذلك أن رقائق 0.7 نانومتر ستصل إلى السوق فوراً. IBM قالت إن الإنتاج قد يبدأ خلال خمس سنوات، لكنها لم تعلن بعد عن شريك تصنيع لهذه التقنية. وهذه نقطة مهمة، لأن IBM لم تعد شركة تصنيع رقائق تجارية كبرى بالطريقة نفسها التي تعمل بها TSMC أو Samsung أو Intel.
بدلاً من ذلك، تعتمد IBM غالباً على تطوير التقنيات وترخيصها لشركاء التصنيع. وقد سبق للشركة أن رخصت تقنيات إلى Samsung وRapidus اليابانية. لذلك، سيعتمد تحويل هذه التقنية إلى واقع تجاري على قدرة الشركاء المحتملين على تصنيعها بكميات كبيرة وبمستوى موثوق من الجودة والتكلفة.
كما يجب الانتباه إلى أن مصطلحات مثل 0.7 نانومتر أو 2 نانومتر لم تعد تعني دائماً قياساً فيزيائياً مباشراً لحجم جزء محدد داخل الشريحة، بل تشير غالباً إلى جيل تقني كامل في التصنيع. ومع ذلك، تبقى هذه الأرقام مهمة لأنها تعكس اتجاه الصناعة نحو مستويات أعلى من الكثافة والكفاءة.
سباق عالمي أوسع
إعلان IBM يأتي بينما تتحرك الصناعة كلها نحو أجيال أكثر تقدماً من الرقائق. Intel أعلنت أن عملية 18A، المرتبطة بفئة 1.8 نانومتر تقريباً، دخلت مرحلة الإنتاج التجريبي، بينما تواصل TSMC قيادة تصنيع الرقائق المتقدمة المستخدمة في كثير من مسرعات الذكاء الاصطناعي الحالية.
هذا يعني أن إعلان IBM ليس حدثاً منفصلاً، بل جزء من سباق عالمي لإعادة تصميم مستقبل الحوسبة. شركات الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى رقائق أقوى، ومراكز البيانات تحتاج إلى كفاءة أعلى، والحكومات تريد تقليل الاعتماد على سلاسل توريد محدودة. وكل ذلك يجعل أشباه الموصلات واحدة من أهم ساحات المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية.