الرئيسية الريادة منسجم لا مُستنزَف: التّعريف الجديد للطّموح لدى النّساء في سن 35 وما بعده

منسجم لا مُستنزَف: التّعريف الجديد للطّموح لدى النّساء في سن 35 وما بعده

نساءٌ يُعدن كتابة قواعد النجاح، تاركاتٍ مساراتٍ تقليديّة استنزفتهن، ومتجهاتٍ نحو طموحٍ أكثر وعياً يوازن بين التّأثير المهنيّ والاستدامة الشّخصيّة

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

ينزف العالم المؤسّسيّ المواهب من أكثر شرائحه قيمةً، فيما لم تُفلِح معظمُ المؤسّسات بعد في فهم السّبب الحقيقيّ وراء ذلك. تنسحب النّساء في منتصف الثّلاثينيّات وما بعده -أولئك اللّواتي كان يُفترض أنّهنّ «وصلن» بحلول هذه المرحلة- من ألقابٍ مرموقةٍ، ويرفضن ترقياتٍ منتظرةً، ويُعيدن تصميم مساراتهنّ المهنيّة من الأساس. لا يتعلّق الأمر بـ«الانسحاب الهادئ» ولا بفقدان الطّموح، بل بشيءٍ أشدّ إثارةً للاهتمام: جيل من النّساء أدرك أنّ اقتصاد اللّهاث باعه منتجاً معيباً منذ البداية.

تأتي الأرقام صادمةً على نحوٍ لا يُمكن تجاهله؛ فبحسب تقرير «النّساء في بيئة العمل» الصّادر عن "ماكنزي" (McKinsey) لعام 2024، تغادر النّساء الشّركات بمعدّلاتٍ هي الأعلى الّتي سُجّلت حتّى الآن، مع تزايدٍ لافتٍ في هذا النّزوح بين النّساء في مناصب المدير التّنفيذيّ والمدير الأوّل. ولسنا هنا بصدد موظّفاتٍ مبتدئاتٍ لا يزلن في طور تثبيت أقدامهنّ، بل نتحدّث عن نساءٍ يحملن عقداً أو أكثر من خبرةٍ شاقّةٍ انتُزِعت انتزاعاً عبر السّنين.

وعلى المنوال ذاته، كشفت دراسة «النّساء في العمل«  الصّادرة عن "ديلويت" (Deloitte) لعام 2024  أنّ 53 % من النّساء العاملات مهنيّاً يُفصحن عن إحساسٍ مزمنٍ بالاحتراق الوظيفيّ، فيما أشارت قرابة نصفهنّ إلى أنّ مستويات الضّغط النّفسيّ لديهنّ ارتفعت عمّا كانت عليه قبل عامٍ. غير أنّ المفارقة هنا تستحقّ التوقّف؛ فهؤلاء النّساء -حين يقرّرن المغادرة- لا ينكفئن إلى الهامش ولا يلذن بالانسحاب السّلبيّ، بل يُقدّمن على تأسيس شركاتهنّ الخاصّة، أو الانتقال إلى الاستشارات، أو بناء مساراتٍ مهنيّةٍ مركّبةٍ، أو الالتحاق بمؤسّساتٍ تُدار بمنطقٍ مختلفٍ جذريّاً.

لطالما وعدتنا ثقافة اللّهاث بأنّ مزيداً من العمل، ومزيداً من السّهر، والتّخلّي عن مزيدٍ من الحدود الشّخصيّة، واستنزاف أجزاءٍ أوسع من ذواتنا، سيقودنا في النّهاية إلى قمّةٍ لامعةٍ تُسمّى النّجاح. غير أنّ كثيرين منّا، ممّن بلغوا منتصف الثّلاثينيّات، اصطدموا باكتشافٍ مزعجٍ: تلك القمّة لم تكن سوى وهمٍ بصريٍّ، وأنّ الرّحلة نحوها التهمت منّا أجزاءً لا نعلم، حتّى الآن، إن كنّا قادرين على استعادتها كاملةً كما كانت.

عندما يرسل جسدك فاتورةً

ما لا يخبرك به أحدٌ عن الطّموح في العشرينيّات مقابل الثّلاثينيّات هو أنّ الجسد يسجّل الحسابات بطريقةٍ مختلفةٍ. اللّيالي الطّوال بلا نومٍ، والاجتماعات المتتابعة المدعومة بالقهوة المثلّجة والأدرينالين، وعقليّة «سأنام حين أموت»؛ كلّ هذه العادات تصطدم بك بعد 35  بمفاعيل لم تعد مجرّد تعبٍ مؤقّتٍ، بل إشارة إلى حدود الجسم وقدرته على الاحتمال.

تُشير الدّراسات إلى أنّ الضّغط المزمن في بيئة العمل يحمل آثاراً صحيّةً أشدّ على النّساء مقارنةً بالرّجال، مؤثّراً في كلّ شيءٍ، من صحّة القلب والأوعية الدّمويّة إلى اضطرابات المناعة الذّاتيّة. وإذا أضفنا إلى ذلك أنّ كثيراً من النّساء في هذا العمر يتّخذن قراراتٍ مرتبطةً بالخصوبة، أو يواجهن أعراض الانقطاع المبكّر للحيض، أو يكتشفن أنّ تنظيم الكورتيزول لم يعد كما كان في سنّ 25، يصبح خطاب «انهض واعمل بلا توقف» أقلّ إلهاماً وأكثر شبهاً بوصفة فشلٍ محتملٍ للنّظام بأكمله.

يسمّي علماء النّفس هذه المرحلة في منتصف الثّلاثينيّات بـ«التوليدية» (generativity)، الانتقال من إثبات الذّات إلى ترك أثرٍ ذي معنىً. بالنّسبة للنّساء، غالباً ما تظهر هذه المرحلة في صورة سؤالٍ مزعجٍ لا يختفي: هل أنا أبني شيئاً حقيقيّاً له قيمة، أم أنّني أؤدي الطّموح لمشهدٍ لا يهتمّ برفاهيّتي أصلاً؟

اقتصاد الطّموح الجديد

فماذا يعني الطّموح المتناغم حقّاً؟ ليس المقصود العمل الأقلّ بالضّرورة، بل العمل الأذكى، والأكثر استراتيجيّةً، وبوعيٍ ذاتيٍّ يكتسبه المرء فقط بعد أن يكون قد تعرّض للفشل والانهيار مرّةً على الأقل. تُشير أبحاث "هارفارد بيزنس ريفيو" (Harvard Business Review) إلى أنّ النّساء في منتصف الثّلاثينيات وحتّى الأربعينيّات أصبحن يقيّمن الفرص عبر معايير متقدّمةٍ تشمل الاستقلاليّة، ووضوح الهدف، والمرونة، وهي عناصر غالباً ما تفوق أو تعادل العلامات التّقليديّة مثل التّعويض الماليّ واللّقب الوظيفيّ. هذه ليست سذاجة، بل حكمة مبنيّة على خبرةٍ مكتسبةٍ.

تلك النّساء اللّواتي يقدن هذا التّحوّل توقّفن عن محاولة التّميّز في كلّ شيءٍ في الوقت نفسه. لم يعد اهتمامهنّ مشتّتاً بين التزامات لا حصر لها، بل ركّزن بعمقٍ على أوّلويتين أو ثلاثٍ تتوافق مع نقاط قوتهنّ وقيمهنّ الجوهريّة. وهذا يؤكّد ما نعرفه حدساً: أنّ التّركيز العميق للطّاقة يتفوّق دوماً على الجهد المبعثر في كلّ مرّةٍ.

القيادة المُعاد تصوّرها

تخلّي عن ذلك الكتاب القديم الّذي يربط القيادة بصوتٍ أعلى في الغرفة أو بالبقاء آخر من يغادر المكتب، فهو لم يعد صالحاً لعصرنا. النساء عند 35+ يُبدعن اليوم نماذج قيادةٍ لا تتطلب منهنّ تقمّص أدوار نظائرهنّ الرّجال، بل يعتمدن الذّكاء العاطفيّ، وأساليب التّعاون المتعمّق، وأنماط التّواصل الأصيلة، لتقدّم نتائج ملموسةً مع المحافظة على الاستدامة في الأداء والحياة المهنيّة.

في الوقت نفسه، بدأ المسار المهنيّ الخطيّ، ذلك السّلّم الوظيفيّ المرتّب الّذي يُفترض أن يُتسلّق حتّى التّقاعد، يفسح المجال أمام نساءٍ يُعيدن تشكيله عبر مساراتٍ وظيفيةٍ متعدّدةٍ. فمثلاً، يجمعن بين العمل الاستشاريّ وعضويّة مجالس الإدارة، والأدوار التّنفيذيّة بدوامٍ جزئيٍّ مع مشاريع شغفٍ شخصيّةٍ، وملكيّة الأعمال التّجاريّة جنباً إلى جنبٍ مع تقديم الاستشارات، مبدعاتٍ بذلك نموذجاً مرناً ومتوازناً يدمج الإنجاز بالرّفاهيّة دون التّضحية بإحداهما.

ما تفشل الشّركات في فهمه

يقدّم العالم المؤسّسيّ حلولاً سطحيّةً، من دروس اليوغا «السّخيّة» وأيّام العناية بالصّحة النّفسيّة، ومبادرات الرّفاهيّة، مع الإبقاء على ثقافاتٍ تُكافئ التّواجد الدّائم في المكتب، وتقيس الالتزام بمدى توافر الموظّف، وتُعرّف القيادة وفق أطرٍ صُمّمت لأشخاصٍ يحظون بدعمٍ كاملٍ في المنزل.

في المقابل، بدأت الشّركات التّقدّميّة تدرك الصّورة كاملةً؛ فهي تُعيد تعريف الحضور التّنفيذيّ ليشمل أساليب قيادة متنوّعةً، وتخلق مساراتٍ متعدّدةً للوصول إلى المناصب العليا لا تشترط إدارة الآخرين جميعها، والأهمّ من ذلك، توفّر ترتيباتٍ مرنةً حقيقيّةً على المستويات العليا، لا مقتصرةً على الموظّفين الجدد أو أصحاب المناصب الابتدائيّة.

الطّموح الحقيقيّ

من الطّبيعيّ أن يواجه هذا التّعريف الجديد مقاومةً؛ فالنّساء اللّواتي يُقدّمن التّناغم بين الطّموح والحياة غالباً ما يُختزلن في وصفاتٍ سطحيّةٍ مثل «غير جائعاتٍ بما يكفي» أو «يفتقرن الدّافعية». لكن الحقيقة الّتي تخفيها ثقافة اللّهاث أنّ هؤلاء النّساء اللواتي يختارن التّناغم بدل الانغماس المطلق لسن من يعانين نقصاً في الطموح، بل يمتلكن طموحاً كافياً لبناء مساراتٍ مهنيّةٍ تدوم ثلاثين عاماً، لا مجرّد شعلةٍ قصيرةٍ تتوهّج خمس سنواتٍ قبل أن تنطفئ.

يمتلكن الجرأة الكافية لإحباط توقّعات الآخرين، وتحدّي الأعراف الرّاسخة، والإيمان بأنّ النّجاح لا يجب أن يكون مرادفاً للتّدمير الذّاتيّ. يخلقن شركاتٍ، ويقدن فرقاً، ويركّزن على إحداث تأثيرٍ مستدامٍ، دون أن يضطررن للتّضحية بصحتهنّ، أو بعلاقاتهنّ، أو بذواتهنّ على مذبح «الوصول إلى القمة».

وعند سن 35  وما بعدها، نمتلك ما لم تملكه ذواتنا الأصغر: الخبرة الّتي تعرّفنا على ما يهمّ فعلاً، والوضوح الّذي يكشف متى نتسلّق الجبل الخطأ، والثّقة لإعادة رسم التّضاريس كاملةٍ، بما يتماشى مع قيمنا وقدراتنا.

وبصراحةٍ، هذا الطّموح يبدو أكثر ثراءً وإثارةً للاهتمام بكثيرٍ.

عن المؤلّفة

لوري درموند (Laurie Drummond) مؤسِّسة Sisterhood Collective، وهو مجتمعٌ عالميٌّ يركّز على النّساء اللّواتي تجاوزن سنّ 35، مصمّم لمساعدتهنّ على إعادة ضبط حياتهنّ، واستعادة تواصلهنّ مع ذواتهنّ، والانطلاق نحو الازدهار في مساراتهنّ المهنيّة والشّخصيّة على حدٍّ سواء.

بدأت لوري مسيرتها كجنديّةٍ في الجيش الأستراليّ قبل أن تتحوّل إلى رائدة أعمالٍ، ومرشدةٍ، ومتحدّثةٍ، فبنت شركاتٍ في مجالات اللّياقة البدنيّة، والرّفاهيّة، والضّيافة، والإعلام، مع تقديم الإرشاد لروّاد الأعمال حول العالم. امتدت خبرتها إلى 13 عاماً في الجيش، وشغلت أدوار استشاريّةً عالية المخاطر في العراق، ثم قضت 7 سنواتٍ كمرشدة أعمالٍ على المستوى العالميّ، قبل أن تُطلق مشاريع متعدّدةً، منها المشاركة في تأسيس Functional Fitness UAE.

استندت في مسيرتها إلى خبرتها العمليّة في صناعاتٍ يهيمن عليها الذّكور، وشغفها بالحياة المقصودة والهادفة، وإيمانها العميق بقوّة النّساء في دعم بعضهنّ، فأنشأت Sisterhood Collective لتكون مساحةً آمنةً وداعمةً، تمنح النّساء القدرة على اكتساب الوضوح، والثّقة، والزّخم في كلّ مرحلةٍ من حياتهنّ، بما يضمن لهنّ تحقيق تأثيرٍ ملموسٍ ومستدامٍ.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 7 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: