كيف حوّلت دول الخليج قسوة المناخ إلى ريادة عالمية جديدة في الأمن الغذائي المستدام؟
من أرضٍ قاسيةٍ شحّت فيها المياه وتقلّصت الفرص، يعيد الخليج كتابة حكايته الزّراعيّة، محوّلاً التّحدّي المناخي إلى مسارٍ جديدٍ نحو أمنٍ غذائيٍّ عالميٍّ متغيّرٍ
على امتداد جزءٍ كبيرٍ من العصر الحديث، تبلورت الابتكارات الزراعية في المقام الأوّل داخل أميركا الشمالية وأوروبا وشرق آسيا، حيث هيّأت الأراضي الخصبة، ووفرة المياه، والمناخات المعتدلة، إلى جانب تدفّقٍ متواصل لرأس المال، بيئةً مواتيةً لظهور اختراقاتٍ متتالية في تقنيات إنتاج الغذاء. أمّا الخليج، وعلى النقيض من ذلك، فقد حال مناخُه الحارّ الجافّ، فضلاً عن قربه من منتجين إقليميين راسخين للغذاء، دون أن يكون تاريخيّاً طرفاً رئيساً في مشهد ابتكار الأغذية الزّراعية.
غير أنّ هذا السّرد، الذي طالما بدا ثابتاً، يشهد اليوم تحوّلاً واضحاً؛ فقد باتت التغيّرات المناخية والنزاعات المسلّحة تُربك النُّظم الزراعية والغذائية على نطاقٍ عالمي، بما في ذلك مناطق ظلّت، ولفترةٍ طويلة، تُصنَّف ضمن الأقاليم «الآمنة غذائيّاً». وأسهمت موجات الجفاف الممتدّة في الغرب الأوسط الأميركي وحدها في إلحاق خسائر بالمحاصيل تجاوزت 11 مليار دولار أميركي خلال عام 2024، فيما انخفض إنتاج الحبوب في أوكرانيا، وهي أحد المورّدين المحوريين للمحاصيل الغذائية الأساسية عالميّاً، بنسبة 34% منذ اندلاع الحرب في عام 2021.
ولا يقتصر أثر هذا التراجع في الإنتاج على حدوده الجغرافية، بل يمتدّ بتداعياته إلى النظام الغذائي العالمي برمّته، ولا سيّما في الدول التي تعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الغذاء القادمة من هذه المناطق التي عُرفت تاريخيّاً بوصفها «سلال خبز». ووفقاً لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، يُتوقّع أن يواجه 318 مليون إنسان حالةً حادّة من انعدام الأمن الغذائي بحلول عام 2026، أي ما يقارب 4% من سكّان العالم، وهو رقمٌ يتجاوز بأكثر من الضعف ما سُجّل قبل عشر سنوات فقط. ويعيش القسم الأكبر من هؤلاء في اقتصاداتٍ ناشئة ضمن بقية الشرق الأوسط وإفريقيا جنوب الصحراء، حيث تتقاطع ندرة المياه المزمنة مع تقلّص الأراضي الصالحة للزراعة، وضعف الوصول إلى الخبرات التقنية المتخصّصة.
أمام هذا الواقع، تجد هذه الدول نفسها مضطرّة إلى تقليص اعتمادها على واردات الغذاء عبر تسريع وتيرة الإنتاج المحلّي، على أن يتمّ ذلك من خلال حلولٍ قادرة على العمل بكفاءة في البيئات الحارّة الجافّة، وقابلة للتوسّع دون الحاجة إلى استثماراتٍ ضخمة في البنية التحتية. في هذا السياق تحديدًا، تبلور دورٌ مميّزٌ للخليج. فالعمل في بعضٍ من أكثر البيئات الزراعية قسوةً في العالم دفع المنطقة، منذ وقتٍ مبكّر، إلى إعطاء الأولوية للاستثمار في تقنياتٍ زراعية عالية الكفاءة في استخدام الموارد، وقادرة على الاستمرار والازدهار في ظروفٍ صحراوية. ومن هنا، نشأت ابتكاراتٌ في مجالاتٍ مثل الإنتاج ضمن البيئات المتحكَّم بها، وتقنيات الريّ الدقيق، وتطوير محاصيل متحمّلة للملوحة، وكلّها موجّهة لتعظيم الإنتاج في ظلّ درجات حرارةٍ قصوى وندرةٍ مائية شديدة.
وقد جرى بالفعل تصميم وتجربة أصناف من الكينوا المتحمّلة للملح والحرارة في دولة الإمارات العربية المتحدة، قبل أن تُطبَّق تجريبيّاً في مصر وإثيوبيا وأجزاءٍ من إقليم الساحل الإفريقي، حيث تفرض ملوحة التربة وشحّ المياه تحدّياتٍ مماثلة. وفي مسارٍ موازٍ، انتقلت تقنيات أغطية البيوت المحمية العازلة للحرارة، المطوَّرة في المملكة العربية السعودية، إلى الاستخدام العملي لدى مزارعين في المغرب والبرتغال وإسبانيا. وإلى جانب المحاصيل والمواد، تتقدّم تقنياتٌ زراعية أخرى عالية الكفاءة في استخدام الموارد، مثل أنظمة الريّ المدعومة بالذّكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار الذكية لمراقبة المحاصيل والمصمَّمة للعمل تحت ظروف حرارةٍ قصوى، من داخل المؤسّسات البحثية في المنطقة، وهي اليوم في مراحل متقدّمة من التجريب والنشر.
لم يكن الخليج مجرّد ساحةٍ عارضة لاختبار هذه التقنيات، بل شكّل بيئتها الطبيعية، ليس فقط بسبب خصائصه المناخية، بل كذلك بفضل منظومات استثمار وابتكار متينة، تقوم على نشرٍ نشط لرأس المال المغامر، وأطرٍ تنظيمية داعمة، وبنيةٍ تحتية راسخة للبحث والتطوير. وقد أتاحت مبادراتٌ مثل صندوق التنمية الزراعية في الرياض تمويلًا بقيمة 2 مليار دولار لمشروعات التقنيات الزراعية المحلية في مختلف أنحاء المملكة، في حين نجحت منصّاتٌ مثل تحدّي فودتك الإمارات (UAE FoodTech Challenge)، الذي اختُتم الأسبوع الماضي في أبوظبي، في استقطاب عددٍ من أكثر الشركات الناشئة الواعدة في العالم، لتجربة حلولها داخل دولة الإمارات، واتّخاذها نقطة انطلاق للتوسّع نحو الأسواق العالمية.
ويظهر عمق هذه المنظومات كذلك في تنامي مشاركة القطاع الخاص. إذ تعمل مبادراتٌ مثل برنامج "منبت" (Manbat) التابع لشركة "أراد" (Arada)، وهي شركة تطوير عقاري مقرّها دولة الإمارات، والمنفَّذ بالشراكة مع وزارة التغيّر المناخي والبيئة، على ربط المزارع المحلية مباشرةً بقنوات البيع بالتجزئة، وفي الوقت نفسه تعريف الجمهور بتقنياتٍ مثل الزراعة المائية عبر تجارب ميدانية في مواقع العمل والسكن، بما يُسهم في إدماج ابتكار التقنيات الزراعية في صميم الحياة الاقتصادية اليومية، والحفاظ على زخمٍ طويل الأمد حول قضية الأمن الغذائي.
وكما استفادت مراكز الابتكار الزراعي السابقة من وفرة الطبيعة، فإن ما يهيّئ الخليج اليوم ليكون مركزاً ناشئاً للأمن الغذائي العالمي هو غياب تلك الوفرة ذاتها. فقد أدّى المناخ الحارّ الجافّ، مقترناً بالتزامٍ واضح بالابتكار، إلى تحويل القيود إلى عناصر قوّة، ودفع إلى تطوير حلولٍ صُمّمت خصيصاً للتعامل مع أقسى الظروف الواقعية في العالم. ومع تصاعد الضغوط التي تواجه النُّظم الغذائية عالميًّا، ستواصل التقنيات التي جرى تطويرها هنا تجاوز حدود المنطقة، حاملةً أثرها إلى ما هو أبعد منها.
عن الكاتبة
تشغل إكتا تولاني (Ekta Tolani) منصب رئيسة الاستثمارات في شركة "كيه بي دبليو فنتشرز" (KBW Ventures)، الشريك في تحدّي فودتك الإمارات (UAE FoodTech Challenge) 2026. وتركّز الشركة حصريّاً على رأس المال المغامر، وبناء القيمة، واستثمارات النمو، بصفتها شركة إدارة أصول تستهدف الاستثمار المباشر في عددٍ من أكثر الشركات الخاصة طلبًا على مستوى العالم.