الرئيسية ستارت أب الشركات التي تقيس الأثر تتفوق على الشركات التي تتحدث عنه

الشركات التي تقيس الأثر تتفوق على الشركات التي تتحدث عنه

قياس الأثر أصبح معياراً لتمييز الشركات الأكثر كفاءة، إذ يساعد على تحسين القرارات، وإدارة المخاطر، وتعزيز ثقة المستثمرين ودعم النمو المستدام.

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

لم تعد الشركات تعاني نقصاً في الوعود المرتبطة بالاستدامة والمسؤولية الاجتماعية. يكاد كل تقرير سنوي يتضمن أهدافاً لخفض الانبعاثات، وتحسين ظروف العمل، ودعم المجتمعات، وتقليل استهلاك الموارد. لكن كثرة التعهدات لم تعد كافية لإقناع المستثمرين أو العملاء أو حتى الموظفين. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: ماذا تعهدت الشركة أن تفعل؟ بل: ماذا تغير فعلياً نتيجة قراراتها؟

هنا يظهر الفارق بين الشركات التي تتعامل مع الأثر باعتباره خطاباً عاماً، وتلك التي تحوله إلى مؤشرات قابلة للقياس والمراجعة. فالشركة التي تعرف مقدار الطاقة التي وفرتها، والتكاليف التي خفضتها، والمخاطر التي تجنبتها، تستطيع اتخاذ قرارات أفضل والدفاع عن استثماراتها أمام مجلس الإدارة والممولين.

أما الشركة التي تكتفي بالحديث عن النوايا، فقد تنتج تقارير جذابة من دون أن تعرف إن كانت مبادراتها تحقق قيمة حقيقية أو تستهلك الموارد في الاتجاه الخطأ.

قياس الأثر يحول الاستدامة إلى قرار إداري

عندما تعلن شركة أنها أصبحت أكثر استدامة، يصعب تقييم هذا الادعاء ما لم تحدد نقطة بداية ومؤشرات واضحة وفترة زمنية للقياس. قد تستثمر أموالاً في مبادرات تبدو إيجابية، لكنها لا تستطيع معرفة مدى فعاليتها أو مقارنتها ببدائل أخرى.

يغير قياس الأثر طريقة إدارة هذه المبادرات. فبدلاً من التعامل معها على أنها نشاط منفصل تديره إدارة الاستدامة، تصبح جزءاً من القرارات المتعلقة بالإنتاج والمشتريات والموارد البشرية والاستثمار وإدارة المخاطر.

وتوضح معايير مجلس معايير الاستدامة الدولي ISSB أن المستثمرين يحتاجون إلى معلومات متسقة وكاملة وقابلة للمقارنة لتقييم تعرض الشركات للمخاطر والفرص المرتبطة بالاستدامة، وطريقة إدارتها على المدى القصير والمتوسط والطويل. كما تركز المعايير على أربعة محاور أساسية هي الحوكمة والاستراتيجية وإدارة المخاطر والمقاييس والأهداف.

لا تكمن قيمة القياس في إنتاج أرقام إضافية، بل في توفير أساس يسمح للإدارة بتحديد ما يجب الاستمرار فيه، وما يحتاج إلى تعديل، وما ينبغي إيقافه تماماً.

النتائج الفعلية أقوى من الوعود المستقبلية

من السهل إعلان هدف يمتد إلى عام 2040 أو 2050، لأن الإدارة الحالية لن تُحاسب بالضرورة على النتيجة النهائية. لكن قياس الأثر يفرض أهدافاً مرحلية يمكن مراجعتها كل عام، ويكشف مبكراً إن كانت الشركة تتحرك بالسرعة المطلوبة.

لا يريد المستثمر معرفة حجم الانبعاثات فقط، بل يريد رؤية أثر الإجراءات المتخذة. هل أدى تحديث المعدات إلى تقليل استهلاك الطاقة؟ هل خفض تنويع الموردين احتمالات توقف الإنتاج؟ هل حسنت برامج الاحتفاظ بالموظفين الإنتاجية وخفضت تكاليف التوظيف؟

يرى مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة أن تحليل النتائج المالية المحققة بعد تنفيذ مبادرات الاستدامة يحول الافتراضات إلى أدلة. فقياس التغير في التدفقات النقدية، وتحسن الهوامش، والتكاليف التي جرى تجنبها، ومعدلات الاحتفاظ بالعملاء، يساعد الشركات على إثبات أن الاستدامة أداة أداء مالي يمكن تكرارها، لا مجرد وعد مستقبلي.

الشركة التي تمتلك هذه الأدلة تستطيع تقديم حالة استثمارية أقوى عند طلب تمويل مشروع جديد، لأنها لا تطلب من الإدارة أو المستثمرين الثقة في النوايا وحدها.

ما لا يُقاس يصعب تحسينه

قد تعرف الشركة أنها تهدر مواد خام أو طاقة، لكنها لن تستطيع معالجة المشكلة بفاعلية قبل معرفة حجمها وموقعها وتكلفتها. ويبدأ التحسين الحقيقي عندما تتحول المشكلة العامة إلى بيانات محددة.

على سبيل المثال، لا يكفي أن تقول شركة صناعية إنها تريد تقليل النفايات. يجب أن تعرف كمية المواد المفقودة في كل مرحلة، ونسبة المنتجات المعيبة، وتكلفة إعادة التشغيل، وقيمة المواد التي يمكن استعادتها أو إعادة استخدامها.

وبالمثل، لا يكفي الإعلان عن الاهتمام بالموظفين. تحتاج الشركة إلى قياس معدلات دوران العمالة، والغياب، والحوادث، والترقيات الداخلية، والفروق في الأجور، ومدى ارتباط هذه المؤشرات بالإنتاجية وجودة العمل.

يساعد هذا النوع من البيانات على اكتشاف مشكلات قد لا تظهر في التقارير المالية بسرعة. فقد تكون الأرباح مستقرة، بينما ترتفع معدلات ترك الموظفين أو استهلاك المياه أو الاعتماد على مورد واحد. القياس يكشف هذه الإشارات قبل أن تتحول إلى خسائر كبيرة.

البيانات تمنح الشركات قدرة أفضل على إدارة المخاطر

تبدو بعض المخاطر بعيدة حتى تبدأ في تعطيل الإنتاج. وقد أظهر تحليل نشره CDP في مايو 2026 أن 35% فقط من 11,261 شركة أفصحت عن بيانات بيئية كاملة خلال 2025 اعتبرت الطقس المتطرف خطراً مالياً جوهرياً، رغم أن الشركات أبلغت عن خسائر فعلية قاربت 3 مليارات دولار خلال العام نفسه.

وتوقعت الشركات آثاراً مالية مستقبلية بقيمة 714 مليار دولار، بينما كان متوسط تكلفة معالجة المخاطر أقل كثيراً من قيمة أثرها المحتمل؛ إذ بلغ متوسط تكلفة الخطر لكل شركة 39.4 مليون دولار، مقابل 3.1 مليون دولار لتخفيفه.

تكشف هذه الأرقام أن التفوق لا يأتي فقط من امتلاك سياسة للمناخ، بل من القدرة على تحديد مواقع التعرض، وقياس الخسائر المحتملة، وترتيب الاستثمارات وفق أهميتها.

الشركات التي تقيس أثر الحرارة والفيضانات ونقص المياه واضطراب الموردين تستطيع تعديل مواقع منشآتها، وتنويع مصادرها، وتحسين التأمين، وتطوير خطط استمرارية الأعمال. أما التي تكتفي بالحديث العام فقد لا تكتشف حجم الخطر إلا بعد وقوعه.

المستثمرون يطلبون بيانات قابلة للاستخدام

اتسع الإفصاح عن الاستدامة بصورة واضحة، لكن زيادة عدد التقارير لا تعني بالضرورة تحسن جودة القرارات. ووفق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أفصحت 12,900 شركة عن معلومات مرتبطة بالاستدامة حتى سبتمبر 2025، وكانت تمثل 91% من القيمة السوقية العالمية، ضمن قاعدة بيانات تضم أكثر من 44 ألف شركة مدرجة.

كما طلب 640 مستثمراً يديرون أصولاً بقيمة 127 تريليون دولار من CDP جمع البيانات البيئية التي يحتاجون إليها خلال 2025. وفي العام نفسه، طلب أكثر من 270 من كبار المشترين الإفصاح من نحو 45 ألف مورد ضمن سلاسل التوريد التابعة لهم.

لا يبحث هؤلاء عن قصص دعائية، بل عن معلومات تساعدهم على مقارنة الشركات وتقييم المخاطر وتحديد الجهات الأكثر قدرة على استخدام رأس المال بكفاءة.

وكلما كانت البيانات مرتبطة بالنتائج المالية والتشغيلية، ازدادت فائدتها. أما المؤشرات التي تُجمع فقط لملء التقرير، من دون أن تؤثر في قرار أو هدف أو موازنة، فتضيف تكلفة إدارية ولا تضيف قيمة حقيقية.

القياس يكشف المبادرات غير المجدية

ليست كل مبادرة تحمل صفة الاستدامة ناجحة. قد تختار الشركة مشروعاً مرتفع التكلفة لأنه يجذب الاهتمام الإعلامي، بينما تتجاهل إجراءً بسيطاً يحقق أثراً أكبر داخل عملياتها.

يسمح القياس بمقارنة تكلفة المبادرة بنتائجها. فقد تكتشف الشركة أن برنامجاً واسعاً لم يغير السلوك أو يخفض الانبعاثات، بينما أدى تعديل صغير في تصميم المنتج إلى تقليل استخدام المواد وتكاليف النقل معاً.

ولا يمثل إيقاف المبادرة غير الفعالة فشلاً، بل دليلاً على نضج الإدارة. المشكلة الحقيقية هي الاستمرار في إنفاق الأموال على برامج لا تحقق نتائج، خوفاً من الاعتراف بأن الفكرة الأصلية لم تكن مناسبة.

تساعد منهجيات قياس الأثر المالي والاجتماعي الشركات على تحديد العلاقات بين القرارات والنتائج، واستخدام البيانات الموجودة بالفعل لترتيب الأولويات وإدارة المخاطر وفتح فرص جديدة للنمو والابتكار.

المصداقية تتحول إلى ميزة تنافسية

تستطيع الشركة التي تقيس أثرها أن تتحدث بثقة أكبر، لأنها لا تحتاج إلى المبالغة. يمكنها عرض نقطة البداية، والهدف، وما أُنجز، وما لم يتحقق، وأسباب الانحراف عن الخطة.

هذه الشفافية أكثر إقناعاً من تقديم صورة مثالية. فهي توضح أن الشركة تفهم عملياتها وتتابع نتائجها وتتعلم من أخطائها. كما تقلل خطر اتهامها بالتضليل الأخضر أو تقديم ادعاءات لا يمكن إثباتها.

ويشير مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة إلى أن أسواق رأس المال بدأت تعكس أداء الاستدامة في تقييم الشركات وشروط التمويل، وأن المؤسسات التي تنشر أهدافاً قابلة للقياس وتربطها بالاستراتيجية والحوافز وتخطيط رأس المال تبني ثقة أكبر لدى المستثمرين.

المصداقية هنا ليست قيمة معنوية فقط. فقد تساعد الشركة على الحفاظ على العملاء، واجتذاب المواهب، وتأمين موردين أفضل، وتقوية علاقتها بالممولين.

التفوق يبدأ من تحويل البيانات إلى قرارات

لا تتفوق الشركات لمجرد امتلاكها منصة متطورة لجمع البيانات أو عشرات المؤشرات. تتحقق الأفضلية عندما تستخدم الإدارة هذه المعلومات في تغيير قراراتها.

يجب أن يعرف المسؤول عن المصنع كيف تؤثر كفاءة الطاقة في تكلفة الوحدة، وأن يفهم مدير المشتريات أثر اختيار المورد في الانبعاثات واستمرارية الإمدادات، وأن يرى المدير المالي العلاقة بين مخاطر الاستدامة والتدفقات النقدية وتكلفة التمويل.

كما يجب اختيار عدد محدود من المؤشرات الجوهرية بدلاً من جمع كل ما يمكن قياسه. المؤشر الجيد هو الذي يرتبط بهدف واضح، وله مسؤول محدد، ويمكن مقارنته عبر الزمن، ويؤدي تغيره إلى اتخاذ قرار.

في النهاية، تستطيع أي شركة أن تتحدث عن الأثر. لكن الشركات التي تقيسه تعرف أين تخسر، وأين تتحسن، وأين يجب أن تستثمر. وهي لا تستخدم الاستدامة لتجميل صورتها، بل لتحسين طريقة عملها.

ومع ازدياد طلب المستثمرين والعملاء والجهات التنظيمية على معلومات قابلة للتحقق، سيتسع الفارق بين المؤسسات التي تمتلك أدلة على أدائها، وتلك التي لا تزال تعتمد على الكلمات. فالسوق قد يستمع إلى الوعود، لكنه يمنح ثقته ورأس ماله للشركات القادرة على إثبات النتائج.

  • الأسئلة الشائعة

  1. 1. ماذا يعني قياس الأثر في الشركات؟
    يعني استخدام مؤشرات قابلة للقياس لتقييم نتائج المبادرات والقرارات، مثل خفض التكاليف، وتحسين الكفاءة، وتقليل المخاطر، بدلاً من الاكتفاء بالإعلان عن الأهداف.
  2. 2. لماذا يفضل المستثمرون الشركات التي تقيس أثرها؟
    لأنها توفر بيانات موثوقة تساعد على تقييم الأداء وإدارة المخاطر واتخاذ قرارات استثمارية مبنية على نتائج فعلية، وليس على وعود أو شعارات.
تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 8 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: