الرئيسية أخبار الأعمال الخليج ينتقل من جذب الشركات إلى امتلاك سلاسل القيمة

الخليج ينتقل من جذب الشركات إلى امتلاك سلاسل القيمة

ينتقل الخليج من جذب الاستثمارات إلى امتلاك سلاسل القيمة عبر توطين الصناعة والتقنية والابتكار، لتعزيز التنويع الاقتصادي وزيادة القيمة المضافة محلياً.

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

لم تعد المنافسة الاقتصادية في الخليج تدور حول عدد الشركات العالمية التي تفتح مكاتبها في المنطقة، أو حجم الاستثمارات الأجنبية التي تدخل خلال عام واحد. فقد بدأت دول الخليج الانتقال إلى مرحلة أكثر طموحاً، هدفها الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة التي تصنعها هذه الاستثمارات داخل اقتصاداتها.

في النموذج السابق، كان نجاح الدولة يُقاس بقدرتها على جذب مصنع أو مقر إقليمي أو مركز توزيع. أما اليوم، فيتركز الاهتمام على ما يحدث قبل وصول المنتج إلى المصنع وما يحدث بعد خروجه منه: من يملك المواد والتقنية؟ أين تُجرى الأبحاث؟ من يصمم المنتج ويموله؟ وأين توجد خدمات الصيانة والتوزيع والتصدير؟

هذا التحول يعني أن المنطقة لا تريد الاكتفاء باستضافة حلقة واحدة من النشاط الاقتصادي، بل تسعى إلى بناء منظومات مترابطة تضم الموردين والمصنعين والممولين ومراكز الابتكار والخدمات اللوجستية والأسواق النهائية.

الاستثمار الأجنبي لم يعد الهدف النهائي

ظل جذب الاستثمار الأجنبي المباشر ركناً أساسياً في خطط التنويع الاقتصادي الخليجية، لما يحمله من رأس مال وتقنيات وخبرات وفرص عمل. لكن وجود شركة أجنبية داخل الدولة لا يضمن تلقائياً انتقال المعرفة أو نمو الشركات المحلية.

قد تستورد الشركة المواد والمعدات والخبرات، ثم تعيد تحويل الأرباح إلى مقرها الخارجي، بينما يبقى دور الاقتصاد المحلي محدوداً في توفير الأرض والطاقة والخدمات الأساسية. في هذه الحالة، ترتفع أرقام الاستثمار من دون بناء قاعدة إنتاجية عميقة.

وتوضح دراسة لصندوق النقد الدولي أن الاستثمارات الأجنبية والصناديق السيادية تستطيع دعم التنويع في دول مجلس التعاون عبر إدخال تقنيات وطرق إنتاج وفرص تصدير جديدة، لكن أثرها يعتمد على قدرة الاقتصاد المحلي على استيعاب المعرفة وربط الاستثمار بالقطاعات الوطنية.

لذلك بدأت الحوافز تتغير. لم يعد السؤال فقط عن حجم الاستثمار الذي ستضخه الشركة، بل عن نسبة المكونات المحلية، وعدد الموردين الذين ستطورهم، والوظائف النوعية التي ستخلقها، والبحث والتطوير الذي ستنفذه داخل المنطقة.

الصناعة تصبح محوراً للسياسات الاقتصادية

يكشف توسع السياسات الصناعية في الخليج عن تحول واضح نحو بناء قدرات إنتاجية محلية. فقد وثق صندوق النقد الدولي أكثر من 80 إجراءً للسياسة الصناعية في دول مجلس التعاون خلال ثلاث سنوات، واستهدفت الغالبية العظمى منها قطاع التصنيع.

ولا يعني ذلك التخلي عن الخدمات أو النفط والغاز، بل استخدام المزايا الموجودة لبناء صناعات جديدة. فالطاقة يمكن أن تدعم إنتاج المعادن والمواد الكيميائية، والموانئ يمكن أن تخدم التصنيع وإعادة التصدير، ورأس المال السيادي يستطيع تمويل التقنيات والمشروعات التي تحتاج إلى سنوات قبل تحقيق العائد.

في السعودية، تستهدف الاستراتيجية الوطنية للصناعة تأمين سلاسل الإمداد العالمية، وتوسيع الإنتاج المحلي، وزيادة تصدير المنتجات المتقدمة تقنياً. ويظهر هذا التوجه في التركيز على قطاعات مثل الأغذية والأدوية والمعدات الطبية والسيارات والآلات، بدلاً من الاعتماد على استيراد المنتجات النهائية فقط.

أما الإمارات، فتستهدف استراتيجية «مشروع 300 مليار» رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي من 133 مليار درهم إلى 300 مليار درهم بحلول 2031، مع دعم التصنيع المتقدم وتنمية المهارات والشركات الصغيرة والمتوسطة.

توطين الموردين أهم من افتتاح المصنع

يمكن للشركة العالمية أن تفتح مصنعاً داخل دولة خليجية، لكنها ستبقى حلقة منفصلة إذا استمرت في استيراد كل مكوناتها وخدماتها المتخصصة. لذلك أصبح تطوير شبكة الموردين المحليين جزءاً مركزياً من الاستراتيجيات الجديدة.

عندما تنتج الشركات المحلية التغليف وقطع الغيار والبرمجيات والخدمات الهندسية والمكونات الوسيطة، يتضاعف الأثر الاقتصادي للاستثمار. كما تكتسب هذه الشركات معايير الجودة والخبرة التي تسمح لها لاحقاً بالتصدير والعمل مع عملاء آخرين.

لكن توطين الموردين لا يتحقق بمجرد فرض نسب شراء محلية. فإذا لم تكن الشركات قادرة على تقديم الجودة والسعر والكمية المطلوبة، فقد تؤدي الاشتراطات إلى زيادة التكلفة وإضعاف القدرة التنافسية.

لهذا تحتاج برامج التوطين إلى تمويل وتدريب ونقل معرفة ومختبرات اعتماد وعقود طويلة الأجل. المطلوب ليس استبدال المنتج المستورد ببديل محلي أضعف، بل بناء مورد يستطيع المنافسة داخل السوق العالمية.

الخليج يريد الانتقال إلى المراحل الأعلى قيمة

لا تتوزع الأرباح بالتساوي على جميع مراحل سلسلة القيمة. فقد تحقق مرحلة استخراج المادة أو تجميع المنتج هامشاً محدوداً، بينما تتركز القيمة الأكبر في التصميم والبرمجيات والملكية الفكرية والتمويل والعلامة التجارية وخدمات ما بعد البيع.

يشير البنك الدولي إلى أن الدول تحقق مكاسب أكبر من سلاسل القيمة العالمية عندما تنتقل إلى مهام أعلى قيمة، وتدمج مزيداً من التقنية والمعرفة في أنشطتها الزراعية والصناعية والخدمية.

لذلك لا يكفي أن يصبح الخليج موقعاً للتصنيع منخفض التكلفة. التحدي الحقيقي هو امتلاك مراكز البحث وتطوير المنتجات وبراءات الاختراع والبيانات والعلاقات مع العملاء.

يظهر هذا الاتجاه في توسيع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والتقنيات الصناعية. كما بدأت بعض المبادرات الخليجية تربط دعم المصانع بالتطوير التقني والتوطين والانتقال من الفكرة إلى التطبيق التجاري، بدلاً من الاكتفاء باستيراد الحلول الجاهزة.

الموانئ تتحول من نقاط عبور إلى منصات إنتاج

استثمرت دول الخليج طويلاً في الموانئ والمطارات والمناطق الحرة، ما منحها موقعاً متقدماً في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. لكن القيمة الأكبر لا تأتي من مرور البضائع وحده، بل من إضافة عمليات حولها مثل التصنيع والتجميع والتعبئة والصيانة والتخزين وإعادة التصدير.

تسعى قطر، ضمن استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة، إلى أن تصبح مركزاً عالمياً للخدمات اللوجستية ومركزاً للصناعات المتخصصة. كما تركز استراتيجيتها الصناعية على بناء سلاسل تصنيع متقدمة، بينما تستهدف حوافز الخدمات اللوجستية تطوير التخزين والتوزيع وإعادة تصدير السلع مرتفعة القيمة.

وتعتمد عُمان بدورها على موقعها وموانئها لربط قطاعات التصنيع والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة ضمن رؤية 2040، التي تستهدف اقتصاداً قائماً على المعرفة والتقنية والابتكار وأكثر تنوعاً بعيداً عن الاعتماد المفرط على الهيدروكربونات.

بهذه الطريقة، يتحول الميناء من بوابة تدخل منها المنتجات وتخرج، إلى مركز تتجمع حوله المصانع والمخازن ومقدمو الخدمات والموردون.

الصناديق السيادية تصبح أدوات لبناء المنظومات

لا يقتصر دور الصناديق السيادية الخليجية على شراء حصص مالية في شركات عالمية. فقد أصبحت استثماراتها وسيلة للوصول إلى التقنية والأسواق والخبرات، ثم ربطها بمشروعات محلية.

يمكن للصندوق أن يستثمر في شركة تقنية أو صناعية خارج المنطقة، ثم يشجعها على إنشاء مصنع أو مركز أبحاث أو شراكة محلية. كما يستطيع استخدام محفظته الواسعة لفتح أسواق أمام الشركات الوطنية وربطها بشبكات إنتاج عالمية.

لكن نجاح هذا النموذج يتطلب أن تتجاوز الصفقة هدف تحقيق العائد المالي وحده. يجب أن تكون هناك خطة واضحة لنقل المعرفة، وتطوير المواهب، وبناء الموردين، وتوطين أجزاء من النشاط القابلة للاستمرار اقتصادياً.

التكامل الخليجي يحدد حجم النجاح

تملك كل دولة خليجية سوقاً محلية محدودة مقارنة بالكتل الاقتصادية الكبرى. وإذا حاولت كل دولة بناء السلسلة نفسها بصورة منفصلة، فقد تظهر طاقات إنتاجية متكررة ومنافسة على المستثمر ذاته من دون طلب كافٍ.

لهذا يصبح التكامل الإقليمي ضرورياً. تستطيع دولة التركيز على المواد الأساسية، وأخرى على التصنيع المتقدم، وثالثة على الخدمات اللوجستية أو التمويل، بينما تعمل السوق الخليجية باعتبارها مساحة إنتاج وتوزيع مترابطة.

ويرى صندوق النقد الدولي أن تعميق التكامل الاقتصادي الخليجي يوسع حجم السوق، ويرفع الكفاءة والتنافسية، ويضاعف مكاسب التنويع والإصلاحات الاقتصادية.

يتطلب ذلك تقليل العوائق أمام انتقال السلع والخدمات والبيانات والمواهب، وتوحيد المعايير الفنية، وتسهيل عمل الشركات عبر الحدود الخليجية.

امتلاك السلسلة لا يعني إغلاق الاقتصاد

لا يعني توطين سلاسل القيمة الاستغناء عن الشركات العالمية أو إنتاج كل شيء محلياً. فالاقتصاد الحديث يقوم على التخصص والتجارة والوصول إلى التقنيات والأسواق الدولية.

الهدف الأكثر واقعية هو اختيار الحلقات التي تملك فيها المنطقة ميزة تنافسية أو مصلحة استراتيجية، ثم بناء القدرات اللازمة للسيطرة على جزء أكبر من القيمة. وقد تكون هذه الحلقات في المعادن أو الطاقة النظيفة أو الخدمات اللوجستية أو الصناعات الدوائية أو تقنيات الذكاء الاصطناعي.

كما يجب تجنب تحويل السياسات الصناعية إلى حماية دائمة للشركات غير الكفؤة. ويحذر صندوق النقد الدولي من أن نجاح هذه السياسات يحتاج إلى معالجة إخفاقات واضحة في السوق، والحد من التشوهات، وربط الدعم بمؤشرات أداء ومنافسة حقيقية.

المرحلة المقبلة هي مرحلة العمق الاقتصادي

نجح الخليج في بناء بنية تحتية متقدمة، وجذب الشركات ورأس المال والمواهب. لكن المرحلة المقبلة ستُقاس بقدرته على تحويل هذه العناصر إلى معرفة وإنتاج وصادرات وشركات محلية قادرة على المنافسة.

الفرق كبير بين اقتصاد يستضيف شركة عالمية واقتصاد يصبح جزءاً أساسياً من طريقة إنتاجها وتطويرها وتوزيع منتجاتها. كما أن الفرق أكبر بين الحصول على رسوم وعوائد قصيرة الأجل، وبين امتلاك أصول وتقنيات ومهارات تحقق القيمة لعقود.

لهذا ينتقل الخليج من سؤال «كيف نجذب الشركة؟» إلى أسئلة أكثر أهمية: ماذا ستنتج هنا؟ من سيزودها؟ ما المعرفة التي ستنقلها؟ وأي جزء من القيمة سيبقى داخل الاقتصاد؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت المنطقة ستظل محطة مهمة في حركة رأس المال والتجارة، أم ستصبح مركزاً يمتلك سلاسل القيمة ويؤثر في اتجاهها.

  • الأسئلة الشائعة

  1. 1. ماذا يعني امتلاك سلاسل القيمة في دول الخليج؟
    يعني تطوير مراحل الإنتاج والتصميم والبحث والتطوير والتصنيع والخدمات اللوجستية محلياً، بدلاً من الاكتفاء باستضافة الشركات أو تجميع المنتجات.
  2. 2. لماذا تتجه دول الخليج إلى توطين سلاسل القيمة؟
    لزيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز نقل المعرفة والتقنيات، وخلق وظائف نوعية تدعم النمو المستدام.
تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 8 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: