الإمارات تنتقل من جذب الشركات إلى تصدير نماذج الابتكار
الإمارات تتحول من جذب الشركات إلى تصدير نماذج الابتكار، مع استثمارات في الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية لتعزيز مكانتها عالمياً.
تشهد دولة الإمارات تحولاً نوعياً في استراتيجيتها الاقتصادية والتكنولوجية، حيث لم يعد تركيزها مقتصراً على جذب الشركات العالمية والاستثمارات الأجنبية، بل بدأت تتجه نحو مرحلة أكثر تقدماً تقوم على تصدير نماذج الابتكار والتقنيات إلى الخارج. ويعكس هذا التحول انتقال الدولة من موقع “السوق الجاذبة” إلى “المُصدّر للحلول”، في إطار سعيها لتعزيز مكانتها كمركز عالمي للتكنولوجيا المتقدمة.
وخلال السنوات الماضية، نجحت الإمارات في بناء بيئة جاذبة للشركات العالمية، مستفيدة من بنيتها التحتية المتطورة، والتشريعات المرنة، والاستثمارات الضخمة في التكنولوجيا. إلا أن المرحلة الحالية تشير إلى تطور أعمق، حيث بدأت الدولة في تطوير نماذج ابتكار محلية قابلة للتوسع والتطبيق عالمياً، بدل الاكتفاء باستيراد الحلول الجاهزة.
وتبرز هذه الاستراتيجية بوضوح في توجه الإمارات نحو تصميم ما يُعرف بـ“عمارة الذكاء الاصطناعي”، أي بناء الأنظمة والتقنيات من الأساس بدل الاعتماد على نماذج مستوردة، وهو ما يعزز قدرتها على تصدير هذه الحلول إلى أسواق أخرى . كما تدعم هذه الرؤية مؤسسات بحثية مثل Technology Innovation Institute، التي تعمل على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة مثل نماذج “فالكون”، في خطوة تهدف إلى وضع الإمارات ضمن الدول المنتجة للتقنية وليس المستهلكة لها فقط.
وفي موازاة ذلك، تستثمر الدولة بشكل مكثف في البنية التحتية الرقمية، حيث تعمل على إنشاء مجمعات ضخمة لمراكز البيانات قادرة على دعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. وتشير تقارير إلى أن أبوظبي تطور أحد أكبر مجمعات الذكاء الاصطناعي عالمياً، بقدرات حوسبية هائلة يمكن أن تخدم مليارات المستخدمين، ما يعزز موقعها كمحور إقليمي وعالمي للبيانات .
كما تلعب الشراكات الدولية دوراً محورياً في هذا التحول، إذ أعلنت Microsoft عن خطط استثمارية تتجاوز 15 مليار دولار لتعزيز البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في الإمارات، بما يشمل تطوير القدرات المحلية ونقل المعرفة التقنية . هذه الاستثمارات لا تقتصر على تشغيل الخدمات، بل تساهم في بناء منظومة متكاملة تتيح تطوير وتصدير الحلول الرقمية.
وفي السياق ذاته، بدأت الإمارات في ربط الابتكار بالقطاعات الصناعية، حيث تُستخدم منصات الابتكار لتطبيق نماذج تشغيلية متقدمة في التصنيع والخدمات، بما يسمح بتحويل الأفكار إلى منتجات قابلة للتوسع والتصدير . كما تدعم شركات الاتصالات الوطنية هذا التوجه من خلال تطوير حلول سحابية وسيادية تستهدف الأسواق الصناعية، ما يعزز من قدرة الدولة على تصدير التكنولوجيا وليس فقط استهلاكها .
ويشير خبراء إلى أن هذا التحول يعكس نضجاً في الاستراتيجية الاقتصادية للإمارات، حيث لم تعد القيمة في استقطاب الشركات فقط، بل في بناء نماذج قابلة للتكرار والتوسع عالمياً. فبدل أن تكون الدولة مجرد مركز تشغيل للشركات العالمية، أصبحت تسعى إلى أن تكون مصدراً للأفكار والتقنيات التي يمكن تطبيقها في أسواق أخرى.