بعد طفرة التجارب.. الشركات تريد عائداً حقيقياً من الذكاء الاصطناعي لا نماذج أكثر
الشركات لم تعد تبحث عن أدوات ذكاء اصطناعي أكثر، بل عن نماذج تحقق عائداً واضحاً، وتُثبت قيمتها بالكفاءة والإنتاجية والأرقام.
بعد عامين من سباق الشركات نحو تبني أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ السؤال يتغير داخل غرف الإدارة. لم يعد النقاش يدور حول عدد الأدوات التي يمكن شراؤها، أو عدد النماذج التي يمكن اختبارها، أو سرعة إطلاق مشروع تجريبي جديد. السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: ما العائد الحقيقي من كل نموذج؟ وما القيمة التي يضيفها إلى الإيرادات، أو الكفاءة، أو تجربة العملاء، أو خفض التكاليف؟
هذا التحول يعكس نضجاً في علاقة الشركات بالذكاء الاصطناعي. ففي المرحلة الأولى، كانت التجربة بحد ذاتها كافية لإثبات الانفتاح على الابتكار. أما الآن، ومع ارتفاع تكاليف النماذج، والحوسبة، والتكامل مع الأنظمة، والتدريب، باتت المؤسسات مطالبة بإثبات أن الذكاء الاصطناعي لا ينتج عروضاً جذابة فقط، بل يحقق نتائج قابلة للقياس.
من الإنفاق إلى المحاسبة
تعاملت شركات كثيرة مع الذكاء الاصطناعي في البداية كاستثمار استراتيجي لا يحتمل الانتظار. فتسابقت إلى بناء مساعدين داخليين، وتوقيع عقود مع مزودي النماذج، وتجربة حلول في خدمة العملاء، والتسويق، والبرمجة، والتحليلات. لكن اتساع الاستخدام كشف فجوة مهمة: وجود أداة لا يعني بالضرورة وجود أثر تجاري.
توضح Deloitte في تقريرها عن حالة الذكاء الاصطناعي في المؤسسات لعام 2026 أن قادة الأعمال، عند الانتقال إلى مرحلة التوسع، يضعون العائد على الاستثمار ضمن أبرز الأسئلة المطروحة، إلى جانب الحوكمة، والأمان، وجاهزية الموظفين. كما تشير إلى أن الإنتاجية والكفاءة لا تزالان أوضح المكاسب المحققة، إذ أفادت 66% من المؤسسات بتحقيق مكاسب في هذا الجانب.
لكن هذه النسبة لا تعني أن الطريق أصبح سهلاً. فقياس إنتاجية موظف استخدم الذكاء الاصطناعي في كتابة تقرير يختلف عن قياس أثر نموذج كامل داخل سلسلة توريد، أو مركز اتصال، أو نظام مبيعات. وكلما اقترب الذكاء الاصطناعي من العمليات الأساسية، أصبح العائد أكثر أهمية، وأصبح الخطأ أكثر تكلفة.
النموذج وحده لا يصنع القيمة
تتعلم الشركات اليوم أن النموذج، مهما كان متقدماً، لا يصنع قيمة بمفرده. القيمة تأتي من دمجه في مسار عمل واضح، وربطه ببيانات موثوقة، وتحديد مسؤولية بشرية، ثم قياس النتيجة قبل وبعد الاستخدام. لذلك تتحول المؤسسات من سؤال “أي نموذج نختار؟” إلى “أي مشكلة تجارية نحل؟”.
هذا التحول يظهر بوضوح في صعود الذكاء الاصطناعي الوكيل، حيث تتجه الشركات نحو أنظمة قادرة على تنفيذ مهام محددة بدل الاكتفاء بالإجابة عن الأسئلة. وتتوقع Gartner أن 40% من تطبيقات المؤسسات ستحتوي على وكلاء ذكاء اصطناعي متخصصين بالمهام بحلول نهاية 2026، ما يعني أن الذكاء الاصطناعي سيدخل تدريجياً في أدوات العمل اليومية نفسها.
لكن هذا الدمج يفرض معياراً أكثر صرامة للعائد. فإذا كان الوكيل الرقمي يتعامل مع طلبات العملاء، فيجب قياس زمن الاستجابة، ونسبة الحل من أول مرة، ورضا العميل، وتكلفة كل حالة. وإذا كان يساعد فرق المبيعات، فيجب قياس أثره على فرص البيع، ودقة التوقعات، وسرعة المتابعة. أما إذا كان يعمل في البرمجة أو العمليات، فيجب ربطه بوضوح بسرعة التسليم، وجودة المخرجات، وعدد الأخطاء التي تم تفاديها.
المرحلة الأصعب تبدأ الآن
تنبه McKinsey إلى أن المؤسسات تتحرك بسرعة نحو نشر الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكيل على نطاق أوسع، لكنها تؤكد أن الأنظمة الأكثر استقلالية ترفع حجم المخاطر عندما تبدأ في تقديم توصيات، أو إطلاق إجراءات، أو التفاعل مع أنظمة أخرى داخل الشركة.
وهنا يصبح العائد غير منفصل عن الحوكمة. فالنموذج الذي يحقق وفراً قصير الأمد لكنه يخلق مخاطر امتثال أو أخطاء تشغيلية قد لا يكون استثماراً ناجحاً. والنموذج الذي يزيد إنتاجية فريق صغير لكنه لا يتكامل مع بقية المؤسسة قد يبقى تجربة محدودة لا تتحول إلى قيمة مؤسسية.
لذلك تدخل الشركات مرحلة جديدة من الذكاء الاصطناعي عنوانها الانضباط. لم يعد المطلوب جمع أكبر عدد من الأدوات، بل بناء محفظة نماذج أقل عدداً وأكثر ارتباطاً بالأهداف التجارية. وفي هذه المرحلة، ستتفوق الشركات التي تعرف أين تستخدم الذكاء الاصطناعي، وكيف تقيس أثره، ومتى توقف نموذجاً لا يحقق قيمة. فالذكاء الاصطناعي لم يعد وعداً عاماً بالكفاءة، بل أصبح استثماراً يجب أن يثبت نفسه بالأرقام.
شاهد أيضاً: Apple تطوّر ميزات الذكاء الاصطناعي في أدواتها