الذكاء الاصطناعي يغزو الشركات الصغيرة… لكن المفاجأة في مستوى النضج
تسارع اعتماد الذكاء الاصطناعي بين الشركات الصغيرة والمتوسطة يكشف فجوة في النضج، ما يبرز أهمية تطوير القدرات وتعزيز المرونة الرقمية لتحقيق أقصى قيمة ممكنة
هذا المقال متوفر بالنسخة الإنجليزية من هنا
يكشف تقريرٌ جديدٌ صادرٌ عن "منظّمة التّعاون الاقتصاديّ والتنمية" (Organisation for Economic Co-operation and Development) أنّه، في حين أصبح اعتماد الذكاء الاصطناعي ينتشر على نطاقٍ واسعٍ بين الشركات الصغيرة والمتوسطة، فإنّ معظم الشركات لا تزال في مرحلةٍ مبكرة، وتواجه عوائق مستمرّة عند توسيع نطاق استخدامه.
يحمل التقرير عنوان تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة في عصر الذكاء الاصطناعي: مسح OECD D4SME لعام 2026، وقد أُجري بين الربع الرابع من عام 2025 والربع الأول من عام 2026 من قبل مركز ريادة الأعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة والمناطق والمدن التابع للمنظمة. وجمعت الدراسة 2,018 استجابة عبر 12 دولة، بما في ذلك كندا وفرنسا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وتعتمد النتائج على متوسطات الدول لمراعاة اختلاف أحجام العينات. ونظراً إلى الوصول إلى المشاركين عبر منصّات إلكترونية، فإن العينة تعكس شركات تتمتع بمستويات أعلى نسبياً من النضج الرقمي، ولذلك يُقال إنها لا تمثل بشكلٍ كاملٍ مجتمع الشركات الصغيرة والمتوسطة الأوسع.
بشكلٍ عام، أفاد 61% من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي شملها الاستطلاع باستخدام تطبيق واحد على الأقل مدعوم بالذكاء الاصطناعي، وهي نسبة أعلى من 17% المسجلة للشركات الصغيرة و30% للشركات المتوسطة في عام 2025، وفقاً لقاعدة بيانات الوصول إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات واستخدامها لدى الشركات التابعة للمنظمة. وعلى الرغم من هذا الانتشار، لا تزال معظم الشركات في مرحلة مبكرة من الاعتماد. وبين مستخدمي الذكاء الاصطناعي، يُصنّف 76% ضمن فئة “المبتدئين في الذكاء الاصطناعي”، إذ يعتمدون على أدوات أساسية لوظائف محدودة. في حين يقع 15.3% ضمن فئة “مطوّري الذكاء الاصطناعي”، ما يعكس استخداماً أوسع قائماً على حلول أقل تعقيداً، بينما يُصنّف 5% ضمن “روّاد استكشاف الذكاء الاصطناعي”، ولا تتجاوز نسبة “روّاد الذكاء الاصطناعي” 3.6%، وهم الذين يدمجون هذه التقنية بشكلٍ أوسع عبر مؤسساتهم.
تُبرز هذه التوزيعة فجوةً واضحةً بين الاعتماد والتكامل. ففي حين يستخدم 75% من المشاركين تطبيقات جاهزة، يعتمد 5% على حلول مخصّصة، ولا يستخدم سوى 3.6% الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء. إضافةً إلى ذلك، يستخدم 56.6% الذكاء الاصطناعي في مهام منفصلة، مقارنةً بـ19% فقط يطبّقونه عبر وظائف متعددة أو على مستوى المؤسسة بالكامل.
تعكس حالات الاستخدام هذا النمط. إذ تُستخدم الأدوات الجاهزة غالبًا في أنشطة التسويق، حيث يعتمد 70% من المستخدمين عليها لإنشاء المحتوى، تليها صياغة المستندات بنسبة 56%، ثم توليد الأفكار بنسبة 46%، والترجمة بنسبة 34%. أما الشركات التي تستخدم حلولاً مخصّصة، فتتمثل أبرز تطبيقاتها في التنبؤ بطلب العملاء بنسبة 39%، وأتمتة العمليات بنسبة 34%. بينما يُستخدم الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء، عند اعتماده، بشكلٍ أساسي لأتمتة سير العمل متعدد الخطوات مثل الحجوزات والفواتير والحملات التسويقية، خصوصاً في قطاعات مثل التجزئة حيث تعد هذه الوظائف محورية.
كما يحدّد التقرير وجود علاقة قوية بين الضغط التنافسي المتصوّر واعتماد الذكاء الاصطناعي. إذ أفاد نصف المشاركين بأن أعمالهم معرّضة لخطر التراجع أمام المنافسين في حال عدم زيادة استخدام هذه التقنية. وترتفع هذه النسبة إلى 77% بين مستخدمي الذكاء الاصطناعي، مقارنةً بـ44% من غير المستخدمين، ما يشير إلى أنّ الشركات التي ترى في الذكاء الاصطناعي عنصراً استراتيجياً تميل أكثر إلى تبنّيه. وتدعم الأدلة من اليابان هذه العلاقة، حيث يظهر أن الضغط التنافسي المتصوّر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بارتفاع معدلات الاعتماد.
من حيث التأثير، أفاد 54% من الشركات الصغيرة والمتوسطة بتحقيق قيمة معتدلة على الأقل من الذكاء الاصطناعي. في حين قال 6% فقط إنه أحدث تحولاً جذرياً في عملياتهم، وأفاد 15% بوجود تأثير كبير على الكفاءة أو الإنتاجية أو اتخاذ القرار. كما أشار 33% إلى فوائد متوسطة، مثل تقليل المهام اليدوية أو تحسين الدقة. في المقابل، أفاد 44% بوجود تأثير محدود أو معدوم، ما يدل على أنّ الذكاء الاصطناعي يحقق مكاسب ملموسة، لكن تأثيراته الأعمق لا تزال محدودة.
لكن مع تزايد اعتماد الذكاء الاصطناعي، تتزايد أيضاً المخاطر. إذ يسلّط التقرير الضوء على ارتفاع حجم وتعقيد التهديدات السيبرانية، حيث يستخدم المهاجمون الذكاء الاصطناعي بشكلٍ متزايد لأتمتة الهجمات وتخصيصها. وبحلول أوائل عام 2025، شكّلت حملات التصيّد الاحتيالي المدعومة بالذكاء الاصطناعي أكثر من 80% من نشاط الهندسة الاجتماعية عالمياً. وفي هذا السياق، أفاد 22% من الشركات التي شملها الاستطلاع بتعرّضها لاختراق أمني رقمي. كما تؤدي محدودية موارد الأمن السيبراني إلى جعل العديد من الشركات الصغيرة أكثر عرضة للمخاطر، ما يؤكد الحاجة إلى تعزيز الوعي والمهارات وإجراءات الحماية بالتوازي مع التحول الرقمي.
إلى جانب الذكاء الاصطناعي، تستخدم 46% من الشركات الصغيرة والمتوسطة الخدمات المالية الرقمية، بشكلٍ أساسي للمدفوعات التي أشار إليها 37% من الشركات. أما الأدوات الأكثر تقدماً مثل الإقراض بين الأفراد والتمويل الجماعي، فلا تزال محدودة، إذ يستخدمها 2% فقط. وبينما تشير الشركات إلى مزايا مثل سرعة الموافقات وبساطة الإجراءات، فإنها تعرب أيضاً عن مخاوف تتعلق بصغر حجم التمويل، وتراجع الدعم الشخصي، وقضايا الثقة والأمان.
وبشكلٍ أوسع، ترى الشركات الصغيرة والمتوسطة في الرقمنة محركاً للكفاءة والنمو. إذ أشار 42% إلى الأتمتة كأهم فائدة، تليها إمكانية الوصول إلى أسواق أوسع بنسبة 33%، وتحسين المراقبة بنسبة 30%، ونمو المبيعات بنسبة 26%. ومع ذلك، تظل التكاليف والتحديات التشغيلية عائقاً أمام التقدم. إذ أشار 39% إلى تكاليف الصيانة، و37% إلى تكاليف الأجهزة، و23% إلى تكاليف التدريب، بينما أفاد 38% بنقص الوقت المخصص للتدريب كعقبة رئيسية.
ولا تزال فجوات الدعم كبيرة. إذ قال نحو 64% من الشركات الصغيرة والمتوسطة إنها تحتاج إلى دعم مالي مباشر لتعزيز جهودها في الرقمنة، بينما دعا 35% إلى تبسيط اللوائح، و23% إلى توفير إرشادات وأدوات أوضح. كما تعد برامج التدريب الأكثر مرونةً وتكلفةً مناسبة أولويةً، حيث أشار إليها 24% من المشاركين. وفي الوقت نفسه، أفاد 16.5% فقط بالاستفادة من برامج الدعم الحكومي، بينما لم يكن 65% من غير المشاركين على دراية بوجود هذه المبادرات، ما يشير إلى مشكلات تتعلق بالوعي وإمكانية الوصول ومواءمة البرامج مع احتياجات الشركات.
وتؤكد هذه النتائج أنّه، رغم تسارع اعتماد الذكاء الاصطناعي بين الشركات الصغيرة والمتوسطة، فإن سدّ فجوات القدرات وتعزيز المرونة الرقمية سيبقيان عنصرين حاسمين لإطلاق كامل قيمته.