الشركات بدأت تدفع تكلفة الذكاء الاصطناعي قبل أن تجني عوائده
الشركات تضخ مليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي لبناء البنية التحتية والقدرات التشغيلية، بينما لا تزال العوائد المالية تحتاج إلى وقت للظهور.
لم يعد الذكاء الاصطناعي مشروعاً مستقبلياً تنتظره الشركات بهدوء، بل تحول إلى بند إنفاق حاضر يضغط على الميزانيات قبل أن تظهر عوائده المالية بوضوح. خلال عامي 2025 و2026، دخلت المؤسسات مرحلة مختلفة تماماً عن موجة الحماس الأولى؛ فقد انتقلت من تجربة أدوات ذكية محدودة إلى بناء بنية تحتية، وشراء تراخيص، وتوظيف مختصين، وتدريب فرق، وإعادة ترتيب العمليات الداخلية. لكن المشكلة أن هذه التكاليف تصل فوراً، بينما تحتاج النتائج إلى وقت أطول كي تظهر في الإيرادات أو الأرباح أو الإنتاجية الفعلية.
تبدو المفارقة واضحة: الجميع تقريباً يستخدم الذكاء الاصطناعي، لكن القليل فقط يعرف كيف يحوله إلى قيمة قابلة للقياس. لم تعد القضية في امتلاك أداة توليد نصوص أو مساعد ذكي داخل الشركة، بل في القدرة على إدخال هذه الأدوات داخل سير العمل اليومي، وربطها بالبيانات، وضبط الحوكمة، وقياس الأثر على الربح والخسارة. لذلك بدأت شركات كثيرة تكتشف أن الذكاء الاصطناعي لا يخفض التكلفة تلقائياً، بل قد يرفعها أولاً قبل أن يعيد تشكيلها لاحقاً.
تكلفة الذكاء الاصطناعي تبدأ قبل التشغيل الحقيقي
تدفع الشركات تكلفة الذكاء الاصطناعي من عدة أبواب في الوقت نفسه. هناك تكلفة الاشتراكات في الأدوات والمنصات، وتكلفة استخدام النماذج عبر واجهات برمجة التطبيقات، وتكلفة التخزين السحابي، وتكلفة تنظيف البيانات وربط الأنظمة القديمة، إضافة إلى تكلفة الأمن السيبراني والامتثال القانوني. ولا تتوقف الفاتورة عند التقنية فقط، لأن الشركات تحتاج أيضاً إلى تدريب الموظفين، وتعيين خبراء بيانات، وبناء فرق حوكمة قادرة على مراقبة المخرجات وتقليل الأخطاء.
هذه التكاليف لا تظهر دائماً في صورة مشروع واحد واضح، بل تتوزع بين أقسام التكنولوجيا، والتسويق، وخدمة العملاء، والعمليات، والموارد البشرية. هنا يصبح تقدير العائد أصعب، لأن كل قسم قد يستخدم الذكاء الاصطناعي بطريقة مختلفة، من دون وجود إطار موحد لقياس الفائدة. لذلك قد تجد الإدارة نفسها أمام إنفاق متزايد، بينما لا تزال عاجزة عن الإجابة عن سؤال بسيط: هل زادت الأرباح فعلاً بسبب الذكاء الاصطناعي؟
الإنفاق العالمي يتسارع أسرع من العائد
توقعت Gartner أن يصل الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي إلى 2.52 تريليون دولار في 2026، بزيادة كبيرة عن العام السابق، مع مساهمة البنية التحتية وحدها بمئات المليارات من الدولارات. هذه الأرقام تكشف أن العالم لا ينفق على التطبيقات فقط، بل على الطبقة العميقة التي تسمح للذكاء الاصطناعي بالعمل: الخوادم، والرقائق، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والشبكات، والطاقة.
كما يشير Stanford AI Index إلى أن الاستثمار المؤسسي العالمي في الذكاء الاصطناعي قفز بقوة في 2025، ما يعكس سباقاً واضحاً بين الشركات والدول لبناء موقع داخل الاقتصاد الجديد. لكن زيادة الاستثمار لا تعني بالضرورة أن العوائد وصلت. فالشركة قد تشتري أدوات متقدمة، لكنها لا تحقق قيمة حقيقية إذا ظلت العمليات كما هي، وإذا بقي الموظفون يستخدمون الذكاء الاصطناعي كإضافة جانبية لا كجزء من طريقة العمل الأساسية.
مشكلة التجارب التي لا تتحول إلى قيمة
توضح بيانات McKinsey أن استخدام الذكاء الاصطناعي أصبح واسعاً داخل المؤسسات، لكن كثيراً من الشركات لا تزال عالقة بين التجربة والتوسع. فالانتقال من تجربة ناجحة داخل فريق صغير إلى تطبيق مؤسسي واسع يحتاج إلى إعادة تصميم سير العمل، وتحديد المسؤوليات، وربط النموذج بالبيانات الصحيحة، وتدريب الناس على التحقق من المخرجات. من دون ذلك، يبقى الذكاء الاصطناعي أداة مثيرة للاهتمام، لكنه لا يصبح محركاً اقتصادياً.
وتذهب نتائج MIT NANDA في الاتجاه نفسه، إذ تشير إلى أن كثيراً من مبادرات الذكاء الاصطناعي التوليدي لا تحقق أثراً مالياً واضحاً على الربح والخسارة. لا يعني ذلك أن التقنية فاشلة، بل يعني أن الشركات غالباً تفشل في الدمج. المشكلة لا تكون دائماً في النموذج، بل في البيئة التي يوضع فيها النموذج: بيانات غير جاهزة، أنظمة قديمة، عمليات بطيئة، وثقافة إدارية لا تعرف كيف تستفيد من الأتمتة الذكية.
الطاقة ومراكز البيانات تضيفان طبقة جديدة من التكلفة
لا يمكن الحديث عن تكلفة الذكاء الاصطناعي من دون الحديث عن الطاقة. فالنماذج المتقدمة تحتاج إلى مراكز بيانات ضخمة تعمل بشرائح عالية الأداء، وتستهلك كهرباء ومياهاً للتبريد، وتتطلب استثمارات في البنية التحتية. تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتضاعف استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات عالمياً ليصل إلى نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول 2030، مع نمو قوي مدفوع بالحوسبة المسرعة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
هذا يعني أن تكلفة الذكاء الاصطناعي لا تقع على ميزانيات شركات التكنولوجيا فقط، بل تمتد إلى شبكات الكهرباء، وسلاسل توريد الرقائق، وأسعار الطاقة، وتخطيط المدن الصناعية. ومع تركز مراكز البيانات في مناطق محددة، قد تواجه بعض الأسواق ضغطاً على الشبكات قبل أن تجني كامل الفوائد الاقتصادية من الذكاء الاصطناعي. وهنا تظهر مفارقة أخرى: التقنية التي تعد بزيادة الكفاءة قد تحتاج أولاً إلى بنية مكلفة جداً كي تعمل بالكفاءة المطلوبة.
لماذا يتأخر العائد؟
يتأخر عائد الذكاء الاصطناعي لأن معظم الشركات تبدأ من الأداة لا من المشكلة. تشتري المنصة أولاً، ثم تبحث عن استخدام مناسب لها. لكن العائد الحقيقي يبدأ عندما تحدد الشركة العملية المكلفة أو البطيئة أو كثيرة الأخطاء، ثم تعيد تصميمها حول الذكاء الاصطناعي. الفارق كبير بين موظف يستخدم أداة لمساعدته في كتابة تقرير، وبين نظام كامل يعيد ترتيب خدمة العملاء، أو إدارة المخزون، أو تحليل المخاطر، أو تسريع تطوير المنتجات.
كذلك تحتاج الشركات إلى وقت كي تفهم التكاليف الخفية. فكل استخدام للنماذج قد يعني تكلفة مرتبطة بحجم البيانات والطلبات والمخرجات. وكل خطأ في المخرجات قد يعني وقتاً إضافياً للمراجعة. وكل تطبيق غير مضبوط قد يخلق مخاطر قانونية أو سمعة سيئة. لذلك لا يكفي قياس الذكاء الاصطناعي بعدد المستخدمين داخل الشركة، بل يجب قياسه بما يغيره فعلاً في زمن إنجاز العمل، وتكلفة العملية، وجودة القرار، ورضا العميل.
الشركات الناجحة تتعامل معه كتحول لا كاشتراك
ستكون الشركات الأقرب إلى تحقيق العائد هي التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كتحول تشغيلي لا كاشتراك برمجي جديد. هذه الشركات لا تسأل فقط: ما الأداة الأفضل؟ بل تسأل: أي عملية يجب أن تتغير؟ من يملك القرار؟ كيف نقيس النجاح؟ ما البيانات المطلوبة؟ أين يجب أن يبقى الإنسان في الحلقة؟ ومتى يصبح الاعتماد على الذكاء الاصطناعي خطراً بدلاً من أن يكون ميزة؟
في المقابل، ستدفع الشركات المتأخرة ضريبة مزدوجة: تكلفة الإنفاق على أدوات لا تستغلها جيداً، وتكلفة فقدان القدرة التنافسية أمام منافسين أعادوا بناء عملياتهم بذكاء. لذلك تبدو المرحلة الحالية حساسة؛ فالذكاء الاصطناعي قد لا يحقق عوائده فوراً، لكنه يفرض تكلفته فوراً. ومن لا يدير هذه الفجوة بوعي قد يجد نفسه يمول موجة تقنية كبيرة من دون أن يحجز لنفسه مكاناً واضحاً داخل قيمتها الاقتصادية.
الخلاصة أن الشركات بدأت فعلاً تدفع تكلفة الذكاء الاصطناعي قبل أن تجني عوائده، لكن هذا لا يعني أن الاستثمار خاطئ. المعنى الأدق أن العائد لم يعد مضموناً بمجرد الشراء أو التجربة. سيذهب الربح إلى الشركات التي تفهم أن الذكاء الاصطناعي ليس زر إنتاجية سحرياً، بل نظام عمل جديد يحتاج إلى بيانات جاهزة، وقيادة واضحة، وعمليات مصممة من جديد، وقياس مالي صارم. أما الشركات التي تكتفي بمجاراة الضجة، فستكتشف أن أغلى ما في الذكاء الاصطناعي ليس التقنية نفسها، بل سوء استخدامها.
شاهد أيضاً: أكاديمية الذكاء الاصطناعي في أبوظبي تطلق الدفعة الثانية من برنامج الرئيس التنفيذي للذكاء الاصطناعي