تغير المناخ يكشف هشاشة سلاسل التوريد العالمية
يكشف تغير المناخ هشاشة سلاسل التوريد العالمية مع تزايد تعطل الإنتاج والنقل، ما يدفع الشركات إلى تعزيز المرونة وإدارة المخاطر بفاعلية.
بُنيت سلاسل التوريد العالمية الحديثة على فكرة بسيطة: إنتاج كل مكوّن في المكان الأقل تكلفة، ونقله بسرعة، والاحتفاظ بأقل قدر ممكن من المخزون. نجح هذا النموذج في خفض الأسعار ورفع كفاءة الشركات، لكنه صنع في الوقت نفسه شبكة مترابطة لا تحتاج أحياناً إلا إلى عاصفة أو موجة جفاف أو فيضان في موقع واحد حتى تمتد آثارها إلى مصانع وأسواق تبعد آلاف الكيلومترات.
يكشف تغير المناخ اليوم حدود هذا النموذج. فالمشكلة لم تعد مقتصرة على تضرر مصنع أو ميناء بصورة مباشرة، بل أصبحت تتعلق بقدرة الخطر المحلي على الانتقال عبر الموردين وشركات النقل والمخازن والعملاء، وصولاً إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
وسجل عام 2024 أعلى متوسط حرارة عالمي ضمن سجل الرصد الممتد لنحو 175 عاماً، بينما تسببت الظواهر المناخية القاسية في اضطرابات اقتصادية واجتماعية واسعة. كما بلغت الخسائر العالمية المرتبطة بالطقس خلال العام نفسه نحو 318 مليار دولار، كان قرابة نصفها غير مغطى بالتأمين.
الخطر المحلي لم يعد يبقى داخل حدود الدولة
قد يحدث فيضان في منطقة صناعية آسيوية، لكنه يؤدي إلى تأخر مكونات تحتاج إليها شركة سيارات في أوروبا. وقد يخفض الجفاف إنتاج محصول في دولة واحدة، فتزداد أسعار الغذاء في دول تعتمد على استيراده. كما يمكن لموجة حر أن تقلل إنتاجية العمال، وتضغط على شبكة الكهرباء، وتؤخر عمل المصانع والموانئ في الوقت نفسه.
أصبحت التجارة الدولية وسلاسل القيمة قناة تنقل المخاطر المناخية بين الدول. وتشير أبحاث اقتصادية إلى أن الروابط التجارية تسمح للصدمات المناخية بالانتشار عبر الحدود، بحيث لا يقتصر تعرض دولة للخطر على مناخها المحلي، بل يشمل أيضاً المناطق التي يأتي منها غذاؤها وطاقتها وموادها ومكوناتها الصناعية.
وهذا ما يجعل الشركات أقل قدرة على الاكتفاء بحماية مقراتها ومنشآتها المباشرة. فقد يكون المصنع آمناً، لكن المورد الذي يعتمد عليه موجود في منطقة معرضة للفيضانات، أو قد تمر شحناته عبر ميناء يواجه ارتفاع مستوى البحر والعواصف المتكررة.
الموانئ والممرات البحرية نقاط ضعف مركزية
تنقل التجارة البحرية أكثر من 80% من السلع العالمية، ما يجعل الموانئ والممرات المائية من أهم حلقات الاقتصاد الدولي. لكن هذه البنية تعتمد على ظروف طبيعية مستقرة نسبياً، تشمل مستويات مياه مناسبة، وموانئ قابلة للعمل، وطرقاً برية وسككاً حديدية تصل إليها من دون انقطاع.
قدّم الجفاف الذي أصاب قناة بنما مثالاً واضحاً على هذه الهشاشة. فقد أدى انخفاض المياه إلى تقليص قدرة القناة على استقبال السفن، وتراجعت عمليات العبور في يناير 2024 بنحو 49% مقارنة بذروتها المسجلة في ديسمبر 2021، قبل أن يبقى التراجع عند 42% بحلول أبريل من العام نفسه.
لم تكن المشكلة محلية، لأن القناة تمثل ممراً أساسياً بين المحيطين الأطلسي والهادئ. واضطرت بعض السفن إلى الانتظار أو تخفيف حمولتها أو استخدام طرق أطول، ما رفع تكاليف الشحن ومدة التسليم وزاد الضغط على طرق بديلة.
يكشف هذا المثال أن تغير المناخ لا يحتاج إلى إغلاق ممر تجاري بالكامل حتى يُحدث اضطراباً. يكفي أن يخفض طاقته التشغيلية أو يجعل مواعيد العبور أقل قابلية للتوقع، لأن الشركات تبني خططها ومخزونها وعقودها على وصول الشحنات في توقيت محدد.
الزراعة أولى الحلقات تعرضاً للخطر
تعتمد سلاسل الغذاء على درجات الحرارة وهطول الأمطار والمياه والتربة، ولذلك تتأثر بسرعة بالجفاف والفيضانات والحرارة الشديدة وانتشار الآفات. ولا تتوقف الخسارة عند المزرعة، بل تنتقل إلى المصانع التي تعالج المحاصيل، وشركات النقل، ومتاجر التجزئة، والمطاعم والمستهلكين.
توضح منظمة الأغذية والزراعة أن الكوارث أصبحت أكثر تواتراً وشدة، وأن خسائرها تطال الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي وسلاسل الإمداد المرتبطة به. كما تشير إلى أن الحرارة الشديدة والجفاف والآفات والأمراض تمثل بعض أبرز المخاطر التي تواجه سلاسل زراعية مثل إنتاج الكاكاو.
عندما ينخفض محصول رئيسي، لا تستطيع الشركات دائماً تعويض النقص بسرعة. فقد يحتاج المورد البديل إلى موسم زراعي كامل، أو قد تكون بنيته التحتية غير قادرة على زيادة الإنتاج. وهكذا تتحول الصدمة المناخية إلى ارتفاع في أسعار المواد الخام، ثم إلى ضغط على هوامش الشركات وأسعار المنتجات النهائية.
الاعتماد على مورد واحد يضاعف الخطر
اتبعت شركات كثيرة خلال العقود الماضية سياسة تركيز المشتريات لدى عدد محدود من الموردين للحصول على أسعار أفضل وتبسيط العمليات. لكن هذا التركيز يصبح خطيراً عندما تقع منشآت الموردين في منطقة واحدة أو تعتمد على الميناء أو شبكة الطاقة ذاتها.
لا تستطيع الشركة إعادة بناء سلسلة توريدها فور وقوع الأزمة. فالعثور على مورد جديد يتطلب التفاوض والاختبار والتأكد من الجودة وزيادة الطاقة الإنتاجية والحصول على الموافقات التنظيمية. ولهذا ترى أبحاث صندوق النقد الدولي أن تنويع مصادر الاستيراد يستطيع تحسين المرونة أمام الصدمات، رغم أنه قد يأتي مقابل بعض التكاليف أو التراجع في الكفاءة قصيرة الأجل.
لكن الحل لا يعني نقل كل الإنتاج إلى داخل الدولة. فقد خلصت مراجعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن إعادة توطين سلاسل التوريد بصورة واسعة يمكن أن تخفض التجارة العالمية بأكثر من 18% والناتج الحقيقي العالمي بأكثر من 5%، من دون أن تضمن تحسناً منتظماً في المرونة.
الأفضل هو توزيع المخاطر عبر موردين ومناطق ووسائل نقل مختلفة، بدلاً من استبدال اعتماد خارجي واحد باعتماد محلي واحد.
المخزون المنخفض لم يعد مناسباً لكل القطاعات
اعتمد نموذج الإنتاج في الوقت المناسب على وصول المواد قبل الحاجة إليها مباشرة، ما سمح للشركات بخفض تكاليف التخزين وتحرير رأس المال. لكن هذا النموذج يفترض انتظام النقل وقدرة الموردين على تنفيذ الطلبات دون تأخير طويل.
مع تكرار الصدمات المناخية، يصبح المخزون المنخفض جداً مصدراً للخطر. فقد تكون تكلفة الاحتفاظ بكمية إضافية من مكوّن أساسي أقل كثيراً من تكلفة توقف خط إنتاج كامل بسبب تأخر شحنة واحدة.
لا يعني ذلك العودة إلى مستودعات ضخمة مليئة بمواد قد لا تُستخدم. المطلوب هو تحديد المكونات التي لا تملك بدائل سريعة، وحساب تكلفة انقطاعها، ثم بناء مخزون احتياطي يتناسب مع أهميتها ومدة استبدالها.
التأمين لن يغطي كل الخسائر
اعتادت الشركات نقل جزء من مخاطر الكوارث إلى شركات التأمين. لكن ارتفاع حجم الخسائر وتكرار الظواهر المتطرفة يدفعان إلى زيادة الأقساط وتقليص التغطية أو الانسحاب من بعض المناطق عالية المخاطر.
والأهم أن التأمين قد يعوض قيمة مبنى متضرر أو بضاعة مفقودة، لكنه لا يعيد دائماً العملاء الذين انتقلوا إلى منافس، ولا يعوض بالكامل تراجع الحصة السوقية أو تأخر إطلاق منتج أو فقدان الثقة في قدرة الشركة على التسليم.
لذلك لم تعد المرونة تعني شراء بوليصة تأمين، بل تتطلب خططاً تشغيلية تضمن استمرار الأعمال، وبيانات عن مواقع الموردين، وإنذارات مبكرة، ومسارات نقل بديلة، واتفاقات مسبقة مع موردين احتياطيين.
البيانات المناخية تتحول إلى أداة تشغيلية
تحتاج الشركات إلى الانتقال من متابعة الطقس اليومي إلى تحليل المخاطر المناخية طويلة الأجل. ويشمل ذلك تحديد مواقع المصانع والموردين والموانئ والمخازن على خريطة واحدة، ثم دراسة تعرض كل موقع للفيضانات والحرائق والجفاف والحرارة والعواصف.
تؤكد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن الظواهر المناخية المتطرفة تعطل العمليات وسلاسل التوريد وتخفض إنتاجية العمل وترفع خسائر التأمين، بينما تتيح البيانات المناخية والإنذارات المبكرة اتخاذ قرارات أفضل في إدارة الأعمال والمخاطر.
كما يمكن للتقنيات الرقمية تتبع الشحنات والمخزون والموردين بصورة لحظية، ما يسمح للشركة باكتشاف التعطل مبكراً وتحويل الطلبات أو تغيير المسارات قبل تفاقم الأزمة. وترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن المرونة تحتاج إلى سلاسل مرنة وقابلة للتكيف ومتوافقة المصالح، إلى جانب تدفق البيانات والتعاون بين الحكومات والشركات.
المرونة تصبح جزءاً من القدرة التنافسية
لم يعد السؤال أمام الشركات هو ما إذا كانت ستتعرض لصدمة مناخية، بل مدى استعدادها عندما تقع. المؤسسة التي تعرف مورديها الأساسيين، وتملك بدائل ومخزوناً مدروساً وبيانات دقيقة، ستتعافى غالباً بسرعة أكبر من منافس يعتمد على سلسلة منخفضة التكلفة لكنها شديدة الهشاشة.
قد ترفع المرونة بعض التكاليف في المدى القصير، مثل التعاقد مع مورد إضافي أو تحديث مستودع أو حماية منشأة من الفيضانات. لكنها تقلل احتمال تحمل خسارة أكبر بسبب توقف الإنتاج أو فقدان العملاء.
لقد كشف تغير المناخ أن الكفاءة التي لا تراعي المخاطر ليست كفاءة حقيقية. فسلسلة التوريد الأرخص على الورق قد تصبح الأغلى عند أول انقطاع كبير. والشركات التي ستتفوق ليست بالضرورة التي تشتري بأقل سعر، بل التي تستطيع مواصلة الإنتاج والتسليم عندما تتعطل الشبكات المحيطة بها.