لماذا تُعدّ السلامة النفسية مفتاح المرحلة القادمة من النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟
في خضم التحوّل الاقتصادي والتنوّع الثقافي في الشرق الأوسط، تبرز السلامة النفسية كعنصر حاسم يمكّن القادة والفرق من التعلّم، والتعاون، وتحقيق نمو مستدام
عبر منطقة الشّرق الأوسط، يسبر القادة أغوار تحوّلٍ استثنائيٍّ لم يسبق له مثيل. مع اتّساع دائرة تنويع الاقتصادات، وتسابق المؤسّسات على استقطاب المواهب المحليّة، وجذب الخبرات العالميّة، وتعزيز الابتكار، صار الجانب الإنسانيّ للأداء يشكّل في الوقت ذاته تحديّاً محوريّاً وعنصراً مميّزاً.
أفضت معدّلات الاستقالة المرتفعة، ووجود فرقٍ متعدّدة الثّقافات، وضغوط تحقيق النّموّ السّريع، إلى نشوء بيئاتٍ يُقاس فيها النّجاح بقدرة الأفراد على التّعاون، والتّعلّم، والتّكيّف بسرعةٍ. وتشير عقودٌ من الدّراسات إلى عاملٍ جوهريٍّ وراء تحقيق الفرق أداءً استثنائيّاً: السّلامة النّفسيّة. إذ عندما يشعر الأفراد بأن بإمكانهم طرح الأسئلة، والاعتراف بالأخطاء، ومشاركة الأفكار دون الخوف من اللّوم، فإنّهم يكتسبون معرفةً أسرع ويؤدّون بفاعليّةٍ أعلى وأداءً أكثر تميّزاً.
أظهرت البروفيسورة في جامعة هارفارد، إيمي إدموندسون (Amy Edmondson)، الّتي صاغت مصطلح السّلامة النّفسيّة في تسعينيات القرن الماضي، أنّ الفرق الّتي تتمتّع بمستوىً عالٍ من السّلامة النّفسيّة تتفوّق باستمرارٍ على أقرانها. وأكّد مشروع أرسطو التّابع لشركة غوغل هذه النّتائج بعد دراسة أكثر من 180 فريقاً، إذ كانت السّلامة النّفسيّة العامل الأقوى منفرداً في التّنبؤ بفاعليّة الفرق.
تقدّم البيانات العالميّة أدلّةً واضحةً؛ فالفرق التي تسجّل مستوياتٍ مرتفعةً من السّلامة النّفسيّة تحقّق زيادةً بنسبة 12% في الإنتاجيّة، وانخفاضاً بنسبة 27% في معدّلات الدّوران الوظيفيّ، وارتفاعاً بنسبة 29% في سلوكيّات الابتكار. وقد تبنّت هذا المفهوم شركاتٌ عالميّةٌ واسعة الانتشار في الولايات المتّحدة وأوروبا، مثل "أكسنتشر" (Accenture)، "كوكاكولا" (Coca-Cola)، "ميرك" (Merck)، "فولفو" (Volvo)، "مايكروسوفت" (Microsoft)، و"أدوبي" (Adobe)، ليصبح ركيزةً أساسيّةً في تطوير المؤسّسات على الصّعيد العالميّ.
في منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تمتزج الثّقافات التّنظيميّة غالباً بالاحترام العميق للتّراتبيّة مع تنوّعٍ استثنائيٍّ، تتّخذ السّلامة النّفسيّة أبعاداً مميّزةً تعكس خصوصيّة هذه البيئات وتحدّياتها.
لماذا لا تتناسب الاستراتيجيّات العالميّة دائماً؟
في السّياقات الغربيّة، غالباً ما ترتبط السّلامة النّفسيّة بالصّدق الجذريّ ومواجهة السّلطة بالحقيقة. ولكن في كثيرٍ من مناطق الشّرق الأوسط، قد يؤدّي هذا الأسلوب المباشر إلى نتائج عكسيّةٍ. إذ يُعدّ الاحترام للتّراتبيّة والحفاظ على الانسجام قيماً اجتماعيّةً أساسيّةً؛ ويُنظر إلى الانصياع للسّلطة غالباً على أنّه تعبيرٌ عن الاحترام لا الخوف. وغالباً ما يُقدّم التّغذية الرّاجعة بشكلٍ غير مباشرٍ للحفاظ على العلاقات، ويُقاس النّجاح بشكلٍ جماعيٍّ أكثر من كونه فرديّاً.
عُقدت جلسة مائدةٍ مستديرةٌ في دبي بتاريخ 31 أكتوبر 2025، نظّمتها شركتي "كوزميك سنتاورز" (Cosmic Centaurs) بالشّراكة مع منصة "ذا فيرليس أوريغانيزيشن سكان " (The Fearless Organization Scan)، المتخصّصة في قياس مستوى السّلامة النّفسيّة، حيث تباحث قادة الموارد البشريّة والأعمال حول الكيفيّة الّتي تشكّل بها الدّيناميّات الإقليميّة مظاهر السّلامة النّفسيّة في بيئات العمل. وأشار العديد منهم إلى أنّ الأوّلويّات الاستراتيجيّة في المؤسّسات سريعة النمو غالباً ما تحظى بالأولويّة على حساب الأفراد والثّقافة التّنظيميّة، ليس بدافع الإهمال، بل نتيجة الضّرورة. كما صاغ أحد المشاركين الفكرة بوضوحٍ قائلاً: "لطالما تمحور التّركيز حول النّموّ وتحقيق النّتائج. أمّا اليوم، فنكتشف أنّ الثّقة والتّعلّم هما ما يحافظ على كلاهما."
ويضيف التّنوّع الاستثنائيّ في المنطقة بعداً آخر من التّعقيد. ففي دول مثل الإمارات العربيّة المتّحدة، حيث يعمل أكثر من 200 جنسيّةً جنباً إلى جنبٍ، تتباين معايير التّواصل والسلوكيّات المهنيّة بشكلٍ كبيرٍ. ويتطلّب بناء السّلامة النّفسيّة في هذه البيئات ذكاءً ثقافيّاً رفيع المستوى وقدرةً فائقةً على تكييف سلوكيّات القيادة بما يتلاءم مع السّياق الاجتماعيّ والثّقافيّ، من دون المساس بمبادئ الانفتاح أو المساءلة.
شاهد أيضاً: القيادة الجمالية في الشرق الأوسط
بناء السّلامة النّفسيّة على الطّريقة الشّرق أوسطيّة
بعد أكثر من عقدٍ من العمل مع الفرق في منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا لفهم السّلامة النّفسيّة وترسيخها، تتجلّى حقيقةٌ واحدةٌ بوضوحٍ: رغم أنّ هذا المفهوم ذو صلةٍ عالميّةٍ، فإنّ طريقة تطبيقه لا يمكن استيرادها جاهزةً. بل يجب إعادة تعريفه بما يكرّم قيم الاحترام، والتّواضع، والتّوازن في العلاقات الّتي تميّز بيئات العمل في المنطقة.
بدل التّركيز على من يتحدّث أكثر، يجب أن ترتكز السّلامة النّفسيّة في الشّرق الأوسط على ضمان شعور كلّ فردٍ بأنّ صوته مسموعٌ. ولا يتحقّق ذلك من خلال الإيماءات الكبرى، بل عبر طقوسٍ صغيرةٍ ومتكرّرةٍ، تُغرس الثّقة تدريجيّاً في الإيقاع اليوميّ للعمل.
تشكّل الطّقوس الوسيلة الّتي تجعل الثّقافة محسوسةً وملموسةً؛ فهي تذكّر الأفراد بما هو مهمٌّ، وتجعل السّلامة النّفسيّة تجربةً حيّةً بدل أن تكون مثالاً مجرّداً. وأظهرت دراسة "كوزميك سنتاورز" (Cosmic Centaurs) العالميّة حول طقوس الفرق، المنشورة في مجلة "هارفارد بيزنس ريفيو" (Harvard Business Review)، أنّ الفرق الّتي تمارس طقوساً قويّةً تسجّل ارتفاعاً بنسبة 20% في مستوى السّلامة النّفسيّة، وتقوية بنسبة 23% في الارتباط بالهدف، وانخفاضاً بنسبة 28% في أفكار الاستقالة.
وفيما يلي كيفيّة ترجمة هذه المبادئ إلى المجالات الأربعة للسّلامة النّفسيّة الّتي طوّرتها إدموندسون.
- الموقف من المخاطر والفشل: ينشأ كثيرٌ من الموظّفين في المنطقة في بيئاتٍ يُنظر فيها إلى الأخطاء باعتبارها وصمةً اجتماعيّةً. ويمكّن للقادة إحداث تحوّلٍ في هذا التّصوّر من خلال عقد جلساتٍ تقييميّةٍ تأمّليّةٍ تركّز على الدّروس المستفادة بدل تحديد المسؤول عن الخطأ. كما يسهم السّماح للأفراد بالتّحضير لملاحظاتهم بشكلٍ فرديٍّ في تمكينهم من مشاركة رؤاهم بثقةٍ، دون الخوف من فقدان الكرامة أو الاحترام أمام الآخرين.
- الاستعداد لتقديم المساعدة: في الثّقافات الّتي تعطي الأوّلويّة للإنجاز الفرديّ، قد يُثير طلب المساعدة شعوراً بعدم الرّاحة. وتساعد لقاءات التّفقد المنتظمة، الّتي يُسأل فيها أعضاء الفريق صراحةً: "كيف يمكنني دعمك هذا الأسبوع؟"، على ترسيخ ثقافة التّعاون وتعزيز مستوى الثّقة المتبادلة بين أفراد الفريق، ما يجعل العمل الجماعيّ أكثر فاعليّةً واستدامةً.
- الحوار المفتوح: في كثيرٍ من بيئات العمل في منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا، قد يشعر الموظّفون بعدم الرّاحة عند مشاركة الأفكار أو تحدّي الافتراضات السّائدة. ويمكن للقادة خلق مساحةً حقيقيّةً للحوار عبر طرح أسئلةٍ مفتوحةٍ مثل: "ما الزّوايا الّتي لم نرها بعد؟" أو "هل هناك منظور آخر يمكننا النظر من خلاله إلى هذا الأمر؟"، بما يدعو الجميع للمشاركة ويعكس روح الفضول البنّاء. كما يسهم الاعتراف الصّريح بمساهمات الأفراد، من خلال تقدير أفكارهم وجهودهم حتّى حين لا تكون النّتائج مثاليّةً، في ترسيخ شعورهم بقيمة مساهماتهم وتأكيد أنّ التّقدّم المستمرّ أهم من الكمال المطلق.
- الشّمول والتّنوّع: في منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا، يتجلّى مفهوم الشّمول غالباً عبر الاحترام العلنيّ للاختلافات الثّقافيّة والدّينيّة واللّغويّة. وتساعد الطّقوس البسيطة والمتكرّرة، مثل سؤال الموظّفين الجدد عن أسلوب تواصلهم المفضل أو أوقات الصّلاة أثناء مرحلة الانخراط، في إظهار تقدير الاختلافات وإضفاء شعورٍ بالانتماء.
تعمل كلّ هذه الممارسات على إعادة صياغة مفهوم السّلامة النّفسيّة وفق منظورٍ محليٍّ، محوّلةٍ إياه إلى قوةٍ استراتيجيّةٍ مميّزةٍ تناسب خصوصيّة بيئات العمل في المنطق.
جهدٌ منهجيٌّ، لا مجرّد مهارةٍ شخصيّةٍ
غالباً ما يُساء تصنيف السّلامة النّفسيّة على أنّها مجرّد مقياسٍ من مقاييس الرّفاهيّة، إلّا أنّها في الواقع المؤشّر الأهمّ لأداء الفرق، وتقف في صميم ما وصفه العالم التّنظيميّ "بيتر سينج" (Peter Senge) بالمنظّمة المتعلّمة.
إن بناء هذا المفهوم يتطلّب أكثر من مجرّد ورش عملٍ أو جلساتٍ تدريبيّةٍ محدودةٍ؛ إذ إنّه يجب أن يُدمج بشكلٍ منهجيٍّ في كلّ عناصر النّظام، وعلى جميع مستويات القيادة والتّعلّم داخل المؤسّسة.
قد اتّبعت المؤسّسات الّتي حقّقت نجاحاً ملموساً في هذا المجال داخل المنطقة نهجاً متعدّد الطّبقات، يمتدّ من القيادة العليا إلى مختلف المستويات، ليجعل السّلامة النّفسيّة جزءاً بنيويّاً من آليّات العمل لا مبادرة ظرفيّة. تبدأ هذه المقاربة مع الماستركلاس التنفيذية (Executive Masterclasses)، الّتي تُهيِّئ القادة الكبار لاعتناق لغةٍ مشتركةٍ وتجسيد السّلوكيّات الّتي يرتكز عليها التّعلّم التّنظيميّ، مثل الفضول المهنيّ، والتّواضع الواعي، والانفتاح الحقيقيّ على التّغذية الرّاجعة. يلي ذلك دور برامج تطوير المدراء المتوسّطين، الّتي تبني قدراتٍ عمليّةً محدّدةً تشمل إعطاء واستقبال الملاحظات، وقيادة النّقاشات الشّاملة، وإدارة الصّراعات، وتنظيم الاجتماعات المرتكزة على التّعلّم.
وعلى مستوى المؤسّسة بأسرها، تسهم برامج رفع الكفاءة والتّواصل -من النّدوات القصيرة عبر الإنترنت، إلى حملات السّرد القصصيّ، فالجلسات الحواريّة- في ضمان فهمٍ مشتركٍ لدى الجميع بأنّ السّلامة النّفسيّة لا تشير إلى الرّاحة، بل تعبّر عن مسار متواصل للتّعلّم والنّموّ الجماعيّ. وبهذا يترسّخ، عبر هذا النّهج المتكامل، وعيٌ مؤسّسيٌّ بأنّ السّلامة النّفسيّة مسؤوليّةٌ يتشارك فيها الجميع بلا استثناءٍ.
لماذا يكتسب الأمر أهميّةً الآن؟
تقف المنطقة عند نقطة تحوّلٍ حاسمةٍ، تتنافس فيها على المواهب والأفكار على المستوى العالميّ. وفي هذا السّياق، يصبح الصّمت تكلفةً لا يمكن لأيّ منظّمةٍ تحمّلها. ومع توجّه الدّول نحو اقتصاداتٍ قائمةٍ على المعرفة وتسريع عمليّة تمكين القيادات المحليّة، بات على المؤسّسات أن تفتح الباب أمام كامل مساهمات موظّفيها وإمكاناتهم.
حين يعمل القادة في منطقة الشرق الأوسط على خلق بيئات عملٍ يتناغم فيها الاحترام مع الانفتاح، فإنّهم يفتحون أمام مؤسّساتهم ميّزةً إقليميّةً فريدةً: القدرة على الجمع بين التّواضع والجرأة، والانسجام الجماعيّ مع التّعلم الشّجاع. وقد يكون هذا التّوازن المعيار الّذي يحدّد الفصل القادم من التّميّز المؤسّسيّ في المنطقة.
عن المؤلفة
مارلين زخور (Marilyn Zakhour) هي المؤسّسة والرّئيسة التّنفيذيّة لشركة "كوزميك سنتاورز" (Cosmic Centaurs)، وهي شركة استشاراتٍ متخصّصةٌ في تطوير المؤسّسات تعمل على إعادة تعريف الطّريقة الّتي يفكّر بها القادة بشأن العمل وبيئة العمل. وتحت قيادتها، نجحت الشّركة في إحداث تأثيرٍ مباشرٍ على أكثر من 90,000 فردٍ في 92 دولةً خلال 5 سنواتٍ فقط، من خلال تقديم خدمات المواءمة الاستراتيجيّة، والتّحوّل الثّقافيّ، وتطوير القيادة للمؤسّسات على اختلاف أحجامها.
مارلين هي الرّئيسة التّنفيذيّة السّابقة لقسم التّسويق في "إعمار" (EMAAR) والرّئيسة التّنفيذيّة لدار "أوبرا دبي" (Dubai Opera)، وتمزج في كلّ مهمّةٍ بين رشاقة الشّركات النّاشئة وتميّز الشّركات متعدّدة الجنسيّات. وهي أيضاً محاضِرةٌ جامعيّةٌ، ومؤلّفةٌ لمقالين في مجلة هارفارد بيزنس ريفيو، ومقدّمة برنامجَي بودكاست، من بينهم Centaur Stage، الّذي يستكشف مستقبل العمل والقيادة. سواء كانت تقود فرق القيادة خلال التّحوّلات الاستراتيجيّة أو تنشر أطر عملٍ مفتوحة المصدر مثل المنظّمة متعدّدة القنوات (Omnichannel Organization)، تواصل مارلين مهمّتها الرّامية إلى جعل بيئة العمل أفضل وأكثر فاعليّةً