قطر تواجه اختباراً جديداً لمنظومة الشركات الناشئة: كيف تتصدى للتحديات؟
مع تصاعد التّوترات الجيوسياسيّة في المنطقة، يركّز مجتمع الشركات الناشئة على المرونة، التّعاون، والتّخطيط الاستباقيّ للحفاظ على الاستدامة والنّموّ في بيئةٍ متقلّبةٍ
مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أصبح الضغط على منظومة رأس المال المخاطر في المنطقة ملموساً بشكل متزايد. السؤال المحوري لم يعد إن كانت التأثيرات ستُشعر به، بل إلى أي مدى يمكن للنظم البيئية المحلية أن تتجاوب بجرأة مع هذه التحديات.
في قطر، تأتي الأزمة الحالية بعد مواجهتها لاثنين من أكبر الصدمات في الذ اكرة الحديثة، الأولى كانت جائحة كوفيد-19 عام 2020، والثانية الحصار الإقليمي على الدولة بين عامي 2017 و2021. وفي كل مرة، حظيت قيادة قطر بإشادة واسعة لرؤيتها الاستثنائية، ومرونتها، وقدرتها على إدارة الأزمات الاستراتيجية.
إن الأداء السابق للدولة تجسّد في دراسة أعدها "إتش إي سي باريس، الدوحة" (HEC Paris, Doha) عام 2022 بعنوان "قطر المرنة: حالة منظومة ريادة أعمال سريعة النمو"، والتي قيّمت المرونة عبر خمسة أبعاد رئيسية: القوى الداخلية للسوق، الثقافة الوطنية، دعم الحكومة، تكاليف التشغيل، وإمكانية الوصول إلى التمويل. وقد أشارت الدراسة إلى أن "قطر ربما كانت أكثر مرونة بكثير تجاه صدمة جائحة كوفيد-19 مقارنة بالدول الأخرى، وذلك بفضل خبرتها في التعامل مع الحصار الاقتصادي ووجود منظومة ريادة أعمال رقمية سريعة النمو تعمل بنشاط على تحويل اقتصاد الدولة".
هذا ما يراهن عليه اليوم الفاعلون المحليون في النظام البيئي لمواجهة تبعات الأحداث في المنطقة. فما هو الوضع الحالي؟ للإجابة على هذا التساؤل وعكس ديناميكيات المنظومة المحلية، تواصلت مع عدد من الفاعلين الرئيسيين في قطر لأخذ وجهات نظرهم. وكان من بين هؤلاء مايكل لينتس (Michael Lints)، المقيم في قطر كشريك مؤسس لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "غولدن غيت فنتشرز، سنغافورة" (Golden Gate Ventures). وقال لينتس: "قرر صندوقنا الاستمرار في الاستثمار ومراجعة الفرص المحتملة. نحن نستثمر على المدى الطويل، ما يعني أننا نتبنى رؤية تمتد لسنوات متعددة حول المنطقة ومجموعة الفرص المتاحة. الوضع الحالي لم يغير وجهة نظرنا بشأن الفرص في المنطقة".
أما بالنسبة لكيفية تمكن رواد الأعمال في قطر من التنقل بفاعلية في هذه المرحلة الصعبة، نصح لينتس بالتواصل الاستباقي مع أصحاب المصلحة من المستثمرين والعملاء الرئيسيين والشركاء، ومشاركة أثر الوضع الحالي على أعمالهم، وما هي توقعاتهم، وما إذا كانوا بحاجة للدعم. كما حثهم على تجنب النهج السلبي والعمل على وضع سيناريوهات استباقية حول إدارة العملاء، وتأخيرات الفواتير والتحصيل، ورفاهية الفريق، بما في ذلك عقد اجتماعات جماعية لإتاحة المجال لأعضاء الفريق للتعبير عن مخاوفهم. وأوصى كذلك بتحريك محادثات جمع التمويل إلى أقرب وقت ممكن إذا كانت هناك مخاوف بشأن مدى استمرارية المشاريع أو خطط التمويل القائمة، مؤكداً أن المستثمرين ما زالوا نشطين ويستجيبون لتحديثات رواد الأعمال. وأضاف لينتس: "تستضيف العديد من منظمات الفعاليات وصناديق رأس المال المخاطر جلسات لرواد الأعمال لتبادل الخبرات حول كيفية مواجهة هذه الأوقات الصعبة. هذه هي اللحظات التي يصبح فيها دعم النظام البيئي لبعضه البعض والحفاظ على سياسة الأبواب المفتوحة أمراً بالغ الأهمية".
أما "الكيمست، الدوحة" (Alchemist Doha) فهو الذراع القطري لشبكة الابتكار العالمية المنبثقة من وادي السيليكون، ووفقاً لما ذكره مدير الاستثمارات فيها مهند تسلق، فقد أظهرت المنظومة المحلية تضامناً ملحوظاً. وقال: "اجتمعت المجتمع بقناعة مشتركة بأن قوة قطر تكمن في قيادتها، وشعبها، وروابطها الوثيقة فيما بينهم. هذا الترابط هو ما يساعد الجميع على تخطي هذه الأوقات الحرجة. النظام البيئي المحلي في قطر جديد نسبياً، خصوصاً على مستوى الشركات الناشئة. سيستمر في مساندة بعضه البعض، ودفع عجلة النمو، والتعامل مع هذه الأوقات الصعبة، وعندما يزول العاصفة، ستكون منظومتنا بين الأقوى في المنطقة".
وعن توجهات الاستثمار، أشار تسلق إلى أن موقف "الكيمست، الدوحة" واضح: "رأس المال الذكي لا يختفي في الأزمات، بل يعيد ضبط نفسه. نحن ما زلنا ندعم رواد الأعمال الذين يحلون مشاكل حقيقية لأشخاص حقيقيين في المنطقة. قد تغيرت ملفات المخاطر، نعم، وكذلك أصبح مستوى الإلحاح أكبر. إذا كان هناك شيء، فأنا أكثر اقتناعاً من أي وقت مضى بضرورة مضاعفة الجهود". كما شدد على أنه لا ينبغي لرواد الأعمال التوقف أو التجميد في هذا المناخ: "الرواد الذين يواصلون البناء خلال لحظات مثل هذه هم الذين سينهضون في النهاية بشركات حقيقية. احمِ مسار مشروعك. اقترب من عملائك. ركّز على ما ينجح بالفعل. ستتغير الجيوسياسة؛ نافذة التنفيذ الخاصة بك لن تنتظر".
وقد كررت هذه الرؤية إنديكا أماراسينغي (Indica Amarasinghe)، أحد الأصوات الأكثر نشاطاً في منظومة الشركات الناشئة القطرية، والمدير الفرعي لفرع الدوحة في تجمع رواد الأعمال العالمي "ستارت أب غريند" (Startup Grind). وقال: "يمكن القول إن قطر أفضل وضعاً من العديد من الأسواق في المنطقة، لأنها تجمع بين الالتزام المؤسسي المدعوم من الدولة، والموقف القيادي الذي لا يزال يدفع علناً نحو الاستقرار، والثقة، وتخفيف حدة التوترات". وأشار إلى أن الصورة العامة للاستثمار أكثر تعقيداً من تصور أن "كل شيء متوقف" أو "لم يتغير شيء". وأضاف: "عادةً ما يصبح ميل المخاطرة أكثر انتقائية في مثل هذه اللحظات. يميل المستثمرون لدعم الفرق الأقوى، والحوكمة الأكثر وضوحاً، والأعمال التي تتمتع برؤية واضحة للإيرادات أو ذات صلة استراتيجية".
أما بالنسبة لرواد الأعمال، فالأولوية حسب أماراسينغي يجب أن تكون للتنفيذ المنضبط، وتجنب الافتراض بأن التمويل سيكون دائماً متاحاً بشروط جذابة. وقال: "لكن هذا لا يعني الذعر أو اتخاذ قرارات متسرعة، خاصةً فيما يتعلق بتقليص القوى العاملة، فهذه هي آخر خطوة، وفقط إذا دعمتها البيانات. كما أن الوقت الحالي مناسب للبحث عن المرشدين للحصول على الدعم والمشورة، وللاستفادة من تبادل الأفكار. هذه لحظة للواقعية، لا للشلل. على الرواد التصرف كمنفذين، وليس كمشاهدين".
وفي الوقت نفسه، يمكن لأي شخص ملاحظ أن التضامن في قطر، الذي وصفه لينتس وتسلق وأماراسينغي، ظاهر للعيان، حيث يكشف أي تصفح سريع لمنصة لينكد إن عن حجم الموارد التي أتاحها النظام البيئي المحلي. على سبيل المثال، أطلقت وزارة التجارة والصناعة القطرية، وInvest Qatar، ومركز قطر المالي (Qatar Financial Centre)، وبنك التنمية القطري (Qatar Development Bank) خطوط دعم وغرف عمليات لتوجيه الشركات والمستثمرين والتعامل مع استفساراتهم.
كما حرص خبراء النظام البيئي على ألا يتركوا الرواد وحدهم في هذه الأزمة، وظهرت دليلتان عمليتان وفي الوقت المناسب: الأولى صدرت عن مهند تسلق بعنوان "البناء عبر النار: دليل لرواد الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال أوقات الحرب"، والثانية أصدرها نايف الإبراهيم، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة ابتكار (Ibtechar) القطرية لتطوير وإدارة الابتكار بعنوان "إدارة الأزمات للشركات الصغيرة والمتوسطة في دول مجلس التعاون: دروس من الخطوط الأمامية".
في نهاية المطاف، يبدو أن الشعور السائد في قطر هو أن عدم اليقين أمر محتوم، لكن الشلل ليس كذلك. ففي كل مرة واجهت فيها منظومة الشركات الناشئة القطرية أزمة، لم تكتفِ بالتعافي فحسب، بل أعادت المعايرة، وأعادت البناء، وخرجت أقوى من البداية. وكل أزمة اجتازها هذا النظام البيئي أنتجت جيلاً من الرواد والمستثمرين وبناة المنظومة الذين صاغتهم الضغوط وقوّتهم.
هذه اللحظة ليست مختلفة. رهاننا قائم على تحرك أصحاب المصلحة من القطاعين العام والخاص بحزم وتنسيق للبقاء، والخروج من هذه الاضطرابات أقوى وأكثر مرونة وقدرة على المنافسة عالمياً. قطر قد فعلت ذلك من قبل، وستفعله مرة أخرى.