الرئيسية الريادة القيادة النسائية في الشركات: أرقام واتجاهات عالمية

القيادة النسائية في الشركات: أرقام واتجاهات عالمية

رغم تزايد حضور النساء في سوق العمل ومجالس الإدارة عالميّاً، ما يزال وصولهنّ إلى القيادة التّنفيذيّة العليا بطيئاً، كاشفاً فجوةً بين الكفاءة والفرص داخل الشّركات

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

لم تعد القيادة النّسائيّة في الشّركات مجرّد موضوعٍ جانبيٍّ يناقش في إطار التّنوّع والمساواة فحسب، بل أصبحت ملفّاً استراتيجيّاً يتقاطع مباشرةً مع النّموّ الاقتصاديّ، وحوكمة الشّركات، وتعزيز الابتكار، وجاذبيّة سوق العمل. فحين تراجع الشّركات الكبرى وصناديق الاستثمار وهيئات الحوكمة خرائط القيادة العليا اليوم، لا يقتصر السّؤال على عدد النّساء الحاضرات على طاولة القرار، بل يتّسع ليشمل سؤالاً أعمق: هل تمّ بناء مسارٍ حقيقيٍّ يمكّن النّساء من الوصول إلى مواقع القرار الاقتصاديّ، أم أنّ التّقدّم ما يزال محصوراً في مجالس الإدارة أكثر ممّا هو في المناصب التّنفيذيّة الّتي تدير الشّركات فعليّاً؟

وتظهر البيانات العالميّة أنّ التّقدّم حاصلٌ بالفعل، لكنّه يتحرّك بوتيرةٍ أبطأ بكثيرٍ ممّا توحي به الخطابات المؤسّسيّة وحملات التّنوّع. ومن هنا، أصبحت القيادة النّسائيّة مقياساً حقيقيّاً لقدرة الشّركات على الاستفادة الكاملة من رأس المال البشريّ، وليس مجرّد ملفٍّ رمزيٍّ في التّقارير السّنويّة.

الأرقام العالمية: صورة أوضح لفجوة القيادة النسائية

تقدّم الأرقام العالميّة صورةً واضحةً لحجم الفجوة الّتي لا تزال قائمةً. فوفقاً لبيانات LinkedIn الّتي تشمل 74 دولةً، تشكّل النّساء نسبة 44.0% من إجماليّ القوّة العاملة عالميّاً، لكنّهنّ لا يشغلن سوى 31.0% من المناصب القياديّة. والأكثر لفتاً للانتباه أنّ هذه النّسبة لم ترتفع خلال العام الأخير إلّا بمقدار 0.1 نقطةٍ مئويّةٍ فقط، وهو ما يشير إلى دخول العالم مرحلة تباطؤٍ واضحةٍ في تقدّم القيادة النّسائيّة بعد سنواتٍ كانت تشهد تحسّناً أسرع بين 2015 و2022.

وتؤكّد تقارير السّوق صورةً متقاربةً. ففي تقرير Grant Thornton لعام 2025، بلغت نسبة النّساء في المناصب العليا في شركات السّوق المتوسّطة عالميّاً 34.0%، مقارنةً بـ 33.5% في 2024 و19.4% فقط في 2004. ورغم أنّ هذه الأرقام تظهر تحسّناً ملحوظاً عبر عقدين، فإنّ سرعة التّغيير تظلّ متواضعةً؛ إذ يقدّر التّقرير أنّ امرأةً تبدأ مسيرتها المهنيّة اليوم قد تنتظر أكثر من ربع قرنٍ قبل أن تعمل في شركةٍ حقّقت التّكافؤ الكامل في المناصب العليا.

أمّا عند النّظر إلى الإدارة عموماً، فتظهر بيانات منظّمة العمل الدّوليّة أنّ النّساء يشغلن ثلاثة مناصب إداريّةٍ فقط من كلّ عشرةٍ عالميّاً. وعند الوصول إلى قمّة الهرم الإداريّ، تضيق الصّورة أكثر؛ إذ لا تمثّل النّساء سوى 6% من الرّؤساء التّنفيذيّين عالميّاً. ويظهر هذا الفارق أنّ التّحدّي لا يكمن فقط في دخول النّساء إلى الإدارة، بل في استمرار مسار صعودهنّ حتّى أعلى مناصب القيادة التّنفيذيّة.

مجالس الإدارة: تقدم ملحوظ لكنه غير كاف

إذا كان الوصول إلى منصب الرّئيس التّنفيذيّ ما يزال بطيئاً، فإنّ مجالس الإدارة تظهر تقدّماً أوضح نسبيّاً، وإن كان بعيداً عن التّكافؤ الكامل. فوفقاً لتقرير Deloitte، تشغل النّساء 23.3% من مقاعد مجالس الإدارة عالميّاً، بعد تحليل أكثر من 18 ألف شركةٍ في 50 دولةً ومنطقةً. ويتوقّع التّقرير أنّه إذا استمرّت الوتيرة الحاليّة، فلن يتحقّق التّكافؤ الكامل في مجالس الإدارة قبل عام 2038.

وتبيّن الأرقام أيضاً أنّ التّشريعات تلعب دوراً مهمّاً في تسريع التّقدّم. فخمس دولٍ من أصل ستٍّ تتصدّر العالم في نسبة النّساء في مجالس الإدارة تطبّق أنظمة حصصٍ أو سياساتٍ تنظيميّةً مماثلةً. وتتصدّر فرنسا القائمة بنسبة 44.0%، تليها النّرويج بـ 43.5%، ثمّ إيطاليا بـ 40.4%، فبلجيكا بـ 38.0%، ثمّ نيوزيلندا بـ 36.3%، وهولندا بـ 35.8%.

ومع ذلك، فإنّ تحسّن تمثيل النّساء في المجالس لا يعني بالضّرورة تحسّناً مماثلاً في القيادة التّنفيذيّة. فكثيرٌ من الشّركات يسهل عليها تحسين أرقام المجالس، لكنّها تواجه صعوبةً أكبر في بناء خطّ ترقيةٍ يوصل النّساء إلى مناصب الرّئيس التّنفيذيّ أو قيادة الوحدات التّشغيليّة الكبرى. ولذلك، يبدو التّحسّن في الواجهة المؤسّسيّة أسرع من التّحسّن في القيادة التّنفيذيّة الفعليّة.

الفروق الجغرافية: خريطة عالمية غير متوازنة

تظهر البيانات العالميّة فروقاً كبيرةً بين الدّول في تمثيل النّساء في القيادة. ففي بعض الدّول، وصلت النّسب إلى مستوياتٍ متقدّمةٍ؛ إذ تتصدّر فنلندا بنسبة 45.1%، تليها الفلبّين بـ 44.9%، ثمّ جامايكا بـ 42.1%، وبربادوس بـ 40.7%، وترينيداد وتوباغو بـ 39.6%.

وفي المقابل، تنخفض النّسب في بعض الدّول إلى مستوياتٍ أقلّ كثيراً؛ إذ تبلغ 12.0% في السّعوديّة وباكستان، و12.2% في بنغلادش، و17.2% في مصر، و17.8% في نيبال. وبين الاقتصاديّات الكبرى، تتجاوز سنغافورة والولايات المتّحدة وأستراليا وكندا والبرازيل وفرنسا المتوسّط العالميّ، بينما تقع ألمانيا والهند والإمارات دونه.

وعلى المستوى الإقليميّ، تظهر أمريكا اللاتينيّة والكاريبيّ تقدّماً لافتاً؛ إذ بلغ متوسّط تمثيل النّساء في المواقع القياديّة الاقتصاديّة العليا في المنطقة 42.9% في 2025. ويظهر هذا أنّ العالم لا يتحرّك بالسّرعة نفسها في كلّ مكانٍ، بل تتباين السّرعات بحسب السّياسات والثّقافة المؤسّسيّة وهيكل سوق العمل.

التعليم والقيادة: مفارقة الكفاءة والفرص

إحدى أبرز المفارقات العالميّة تتمثّل في أنّ التّعليم العالي لا يضمن الوصول إلى القيادة. فبحسب بيانات LinkedIn، تمثّل النّساء 44.2% من حملة الدّكتوراه في سوق العمل، لكنّ نسبتهنّ في المناصب القياديّة ضمن هذه الفئة تنخفض إلى 28.7% فقط. ويعني ذلك أنّ الفجوة لا تتعلّق بنقص المؤهّلات، بل بمسار التّرقية وآليّات القيادة داخل المؤسّسات.

وتتّسع هذه الفجوة أكثر مع التّقدّم في العمر المهنيّ. فبينما تزداد نسبة النّساء في الأجيال الأصغر داخل القوّة العاملة، يتّسع الفارق بينهنّ وبين المناصب القياديّة كلّما تقدّمن في المسار المهنيّ، وهو ما يدعم فكرة “التّسرّب التّدريجيّ” من المسار القياديّ.

الاتجاهات العالمية الجديدة في القيادة النسائية

تتّجه الشّركات العالميّة اليوم إلى طرح سؤالٍ جديدٍ لا يتعلّق بزيادة العدد فقط، بل بتحديد النّقطة الّتي يتعطّل عندها مسار صعود النّساء. ومن هنا، بدأت المؤسّسات تركيزها على ما يعرف بـ “انخفاض الحصّة عند القمّة، أي الفارق بين تمثيل النّساء في القوّة العاملة وتمثيلهنّ في القيادة العليا.

كما يزداد الضّغط التّنظيميّ والاستثماريّ على الشّركات لتحسين التّمثيل النّسائيّ، خصوصاً في مجالس الإدارة والإفصاح المؤسّسيّ. وفي الوقت نفسه، لم يعد التّقدّم يقاس بالأرقام فقط، بل بجودة المناصب الّتي تصل إليها النّساء: هل يقدن وحدات الأعمال الرّئيسيّة؟ هل يدرن مسار الرّبح والخسارة؟ هل يتولّين مواقع القرار الاستثماريّ؟

الخلاصة

تؤكّد الأرقام العالميّة أنّ القيادة النّسائيّة في الشّركات تحقّقت فيها خطواتٌ مهمّةٌ خلال العقود الأخيرة، لكنّ هذا التّقدّم ما يزال غير متوازنٍ ويتّسم بالهشاشة. ويعني ذلك أنّ باب الدّخول إلى سوق العمل قد انفتح أمام النّساء بشكلٍ أكبر، لكنّ الطّريق إلى قمّة القيادة ما يزال أضيق وأطول. ولذلك، فإنّ التّحدّي الحقيقيّ الّذي يواجه الشّركات اليوم لا يتمثّل في زيادة الأعداد فقط، بل في بناء مسارٍ متكاملٍ يبدأ من التّوظيف، ويمرّ بالإدارة الوسطى، ويصل في النّهاية إلى القيادة التّنفيذيّة العليا. فعندما تنجح الشّركات في بناء هذا المسار، لا تحسّن صورتها في ملفّ التّنوّع فحسب، بل تعزّز أيضاً قدرتها على النّموّ، والابتكار، والمنافسة في الاقتصاد العالميّ.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 6 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: