هل أزمة الهوية لدى القادة تمنع موظفيك من تبني الذكاء الاصطناعي؟
حين يتعثّر تبنّي الذكاء الاصطناعي داخل المؤسّسات، لا يكون السّبب دائماً نقص المهارات أو مقاومة التّغيير، بل أزمة هويّة مهنيّة صامتة تهزّ شعور الموظفين بقيمتهم ومعنى دورهم
عندما يتعثّر تبنّي الذّكاء الاصطناعيّ داخل المؤسّسات، يميل كثيرٌ من القادة إلى تفسير ذلك بأسبابٍ مألوفةٍ مثل مقاومة التّغيير، أو نقص المهارات، أو ضعف الحماس لدى الموظّفين. غير أنّ هناك تفسيراً أكثر دقّةً وإنسانيّةً غالباً ما يتمّ تجاهله، فالكثير من العاملين يمرّون بأزمة هويّةٍ صامتةٍ لم يعترف بها أحدٌ بعد.
وهنا تظهر زاويةٌ مختلفةٌ لفهم المشكلة؛ فمقاومة الموظّفين للذّكاء الاصطناعيّ نادراً ما تكون مرتبطةً بالتّكنولوجيا نفسها، بل تتعلّق بالشّعور بالأهمّيّة والمعنى. فعندما تتمكّن آلةٌ من تنفيذ العمل الّذي يعرّف خبرة شخصٍ ما — مثل التّحليل، أو تركيب الأفكار، أو إنتاج المخرجات المهنيّة — فإنّ الأمر لا يغيّر طبيعة الوظيفة فقط، بل يهدّد أيضاً الصّورة الّتي يبنيها الفرد عن نفسه وهويّته المهنيّة. ومع ذلك، غالباً ما تتعامل المؤسّسات مع التّهديد الخاطئ، إذ تستثمر في طمأنة الموظّفين بشأن الأمان الوظيفيّ أو في برامج إعادة التّدريب، بينما تعالج بذلك القلق الأعلى صوتاً لا القلق الأكثر تأثيراً في العمق.
وقد أظهرت أبحاث في شركة Fractional Insights أنّ ما نسمّيه «قلق الذّكاء الاصطناعيّ» يتكوّن من ثلاثة أبعادٍ رئيسيّةٍ: القلق المرتبط بالنّموّ (هل أستطيع مواكبة التّطوّر؟)، والقلق المرتبط بالأمان الوظيفيّ (هل سيبقى دوري آمناً؟)، والقلق المرتبط بالأهمّيّة (هل لا يزال عملي مهمّاً؟). وتشير البيانات، الّتي شملت أكثر من ألف موظّفٍ في الولايات المتّحدة، إلى أنّ القلق المرتبط بفقدان الأهمّيّة هو الأكثر ارتباطاً بانخفاض الالتزام والأداء ومستوى التّفاعل داخل العمل. بل إنّ تأثيره يفوق القلق المتعلّق بالأمان الوظيفيّ أو التّطوّر المهنيّ. وبعبارةٍ أخرى، فإنّ العامل الأكثر تأثيراً في سلوك الموظّفين هو نفسه العامل الّذي تجد المؤسّسات صعوبةً في تسميته أو التّعامل معه.
على مدى عقودٍ، بنى العاملون في اقتصاد المعرفة هويّتهم المهنيّة حول المخرجات الّتي ينتجونها: التّقرير، والنّموذج التّحليليّ، والعرض التّقديميّ. لكنّ الذّكاء الاصطناعيّ لا يقتصر تأثيره على أتمتة هذه المخرجات، بل يكشف سؤالاً أعمق كان موجوداً في الخلفيّة دائماً: هل كانت القيمة الحقيقيّة في تنفيذ العمل نفسه، أم في التّفكير الّذي يمنحه معناه؟
لم يطلب من معظم النّاس مواجهة هذا السّؤال من قبل، لكنّهم اليوم مضطرّون لذلك. ومع ذلك، فإنّ كثيراً من المؤسّسات لا تقدّم لموظّفيها الدّعم اللّازم للتّعامل مع هذا التّحوّل. ولهذا السّبب أظهرت دراسةٌ أجرتها شركة BCG عام 2025 أنّ 15% فقط من الموظّفين يشعرون بإيجابيّةٍ تجاه استخدام الذّكاء الاصطناعيّ في العمل عندما يغيب الدّعم القياديّ الحقيقيّ. أمّا عندما يتوافر دعمٌ قويٌّ من القيادة، فإنّ هذه النّسبة ترتفع إلى 55%. ومع ذلك، يقول 25% فقط من موظّفي الخطوط الأماميّة إنّهم يحصلون فعلاً على هذا الدّعم. وهذا يعني أنّ المشكلة ليست فجوةً في التّدريب بقدر ما هي فجوةٌ في المعنى.
هنا تصبح الصّورة أكثر تعقيداً بالنّسبة لروّاد الأعمال والمديرين التّنفيذيّين، لأنّهم ليسوا خارج هذه التّجربة بل داخلها أيضاً. فالقادة الّذين لم يتعاملوا بعد مع التّحدّي الّذي يفرضه الذّكاء الاصطناعيّ على هويّتهم المهنيّة يميلون إلى أحد سلوكين: إمّا تجاهل القلق وإخفاؤه خلف حماسٍ مبالغٍ فيه لا يصدّقه الفريق، أو إسقاط هذا القلق على الآخرين بطريقةٍ غير مباشرةٍ، ممّا يزيد من التّوتّر الّذي يفترض بهم تهدئته.
أمّا القادة الأكثر تأثيراً اليوم فهم أولئك الّذين يختارون الشّفافيّة. فهم يشاركون فرقهم تجاربهم مع الذّكاء الاصطناعيّ، ويتحدّثون بصراحةٍ عن شكوكهم ومحاولاتهم للتّكيّف مع هذا التّحوّل. وتظهر البيانات أنّه عندما لا يجسّد القادة سلوكيّات استخدام الذّكاء الاصطناعيّ بأنفسهم، فإنّ الموظّفين يصبحون أكثر تشكّكاً بدلاً من أن يصبحوا أكثر التزاماً. أمّا عندما يجتمع وضوح الدّور مع القدوة العمليّة من القيادة، فإنّ مستوى التّفاعل قد يصل إلى 91%.
إذا أرادت المؤسّسات تسريع تبنّي الذّكاء الاصطناعيّ، فعليها أن تتوقّف عن سؤال ما الّذي يمكن لهذه التّكنولوجيا أن تؤتمته. وبدلاً من ذلك، ينبغي أن تبدأ بسؤالٍ أعمق: ما الّذي يريد أفراد الفريق أن يعرفوا به؟
فالعمل الّذي يبقى بعد أتمتة مهامّ التّنفيذ -مثل الحكم السّياقيّ، وبناء العلاقات، واتّخاذ القرارات الأخلاقيّة، وترجمة البيانات إلى قراراتٍ تراعي التّعقيد الإنسانيّ- ليس عملاً أقلّ قيمةً. بل هو في الواقع العمل الّذي طالما قلّلت المؤسّسات من أهمّيّته لأنّه أصعب في القياس.
إنّ مرحلة إعادة تعريف الهويّة المهنيّة قد تكون غير مريحةٍ بطبيعتها، لكنّها ضروريّةٌ. وما يظهر بعدها ليس نسخةً أضعف من القيمة المهنيّة للفريق، بل نسخةً أكثر وضوحاً منها. وهذا الوضوح هو ما تعتمد عليه تحوّلات الذّكاء الاصطناعيّ النّاجحة داخل المؤسّسات.