لماذا يستنزف الإرهاق قادة الأداء العالي رغم نجاحهم؟
الإرهاق الخفي لدى القادة المنضبطين، ودور الطقوس اليومية في إعادة توجيه الطاقة، وتعزيز الحضور، وصناعة أداء أكثر استدامة
يُحاط المهنيون ذوو الأداء العالي بأنظمةٍ صُمّمت خصيصاً لمساعدتهم على الفوز. تُدار أوقاتهم بدقّة عبر تقسيم الساعات، وأدوات الإنتاجية، ومقاييس الأداء، حتى كاد كل شيء في يومهم يُهندَس بعناية. ومع ذلك، يجد كثيرون منهم أنفسهم يفقدون طاقتهم قبل أن ينفد طموحهم بوقت طويل. لا تكمن المشكلة في الجهد أو الكفاءة، بل في أن معظم الناس يُحسّنون إدارة وقتهم بينما يتجاهلون الشيء الوحيد الذي يُبقي الأداء حيّاً: الطاقة.
ترى إيرين كوب (Erin Coupe)، الشريكة التنفيذية والمتحدثة والمؤلفة التي تعمل مع كبار القادة في مؤسسات متعددة، هذا النمط يتكرر باستمرار؛ فتقول: "لا يحتاج معظم أصحاب الإنجاز العالي إلى مزيد من الروتينات، بل إلى علاقة مختلفة مع الطريقة التي يحضرون بها داخل البنية القائمة".
يظهر هذا التناقض غالباً لدى رواد الأعمال والتنفيذيين الذين يبدون ناجحين وفق كل المقاييس الخارجية. يتسمون بالتنظيم والانضباط والالتزام بالعمل، ومع ذلك يشعرون باستنزاف دائم. وبدلاً من الوضوح أو الإشباع، تنصهر أيامهم في حلقة من التنفيذ والإرهاق، حيث يزداد اتخاذ القرار صعوبة، وتغدو الخيارات أقل جلاءً.
في كتابها الأول «أستطيع إدخال ذلك في الجدول» (I Can Fit That In)، تدعو كوب إلى التحول بعيداً عن الروتينات الصارمة المستنزِفة نحو نهج أكثر إمداداً بالطاقة واستدامة: الطقوس. فبدل مطالبة القادة بإدارة الوقت بصرامة أشد، ترى أن الطقوس تساعدهم على رعاية الطاقة والحضور والنية. وتقول: "يركّز الروتين على ما يُنجَز، بينما تركّز الطقوس على الكيفية التي تريد أن تكون عليها أثناء الإنجاز، وهذا الفارق يغيّر شعورنا بالإنجاز نفسه".
1. الطقوس تنقل التركيز من الكفاءة إلى النيّة
تُصمَّم الروتينات لصناعة الاتساق والسرعة، فيما تستثمر الطقوس اللحظات نفسها لتعزيز المعنى. قد يبدو الفعل متطابقًا ظاهريًّا، لكن التجربة الداخلية تختلف كليًّا بسبب النيّة الكامنة خلفه. تسأل الروتينات: «هل أغلقت خانة التنفيذ؟»، بينما تسأل الطقوس: «هل كان هذا منسجماً؟ وكيف شعرت أثناء فعله؟". إذ يساعد هذا التحول الدقيق القادة على الشعور بتماسك أكبر وتجذّر أعمق طوال اليوم.
2. الطقوس الصغيرة تصنع الاستقرار في البيئات عالية الضغط
يفترض كثير من القادة أنهم يحتاجون إلى تغييرات جذرية ليشعروا بتحسّن. يتخيلون أن تقليل العمل، أو زيادة الإجازات، أو إعادة ضبط الجدول بالكامل، أو حتى تولّي دور جديد، سيمنحهم السلام الداخلي الذي يفتقدونه. ولكن، تؤكد مقاربة كوب بدلاً من ذلك على طقوس صغيرة قابلة للتكرار تؤدي دور المراسي. وتطلق عليها اسم «الطقوس المصغّرة»، وهي ممارسات قصيرة تخلق الاتساق مهما بلغ تقلب اليوم. من أمثلتها دقيقتان لإعادة ضبط التنفس قبل الاجتماعات، أو توقف تأملي قبل الانتقال إلى المنزل. لا تتطلب هذه الطقوس وقتاً إضافيّاً، بل وعياً أعمق.
تقول كوب: "عندما يشعر القادة بالتشتت، أو يبدأ الاستياء بالتسرّب على نحو غير مباشر، يكون السبب غالبًا فقدانهم لمراسيهم. تمنحهم الطقوس نقطة ثابتة يعودون إليها".
3. الطاقة، لا الوقت، هي القيد الحقيقي على الأداء
تشير أبحاث نشرتها هارفرد بزنس ريفيو (Harvard Business Review) منذ سنوات إلى أن إدارة الطاقة تُعدّ مؤشرًا أقوى على الأداء المستدام من إدارة الوقت. وتعالج الطقوس هذا الجانب مباشرة. تقول كوب: "من دون الطقوس، يعمل القادة على وضعية الطيار الآلي، ويستنزفون طاقتهم من مجال إلى آخر دون أن يدركوا ذلك. أما بوجودها، فيستعيدون السيطرة على وجهة طاقتهم".
فبدل عصر المزيد من الجهد من نظام مُنهك والدفع عبر التعب، تساعد الطقوس القادة على إدراك متى ينبغي التوقف أو إعادة الشحن. وتشجّع كوب عملاءها على تصميم طقوس مرتبطة بالتحولات، مثل بدء العمل، وإنهائه، والانتقال بين الأدوار، للحد من تسرّب الطاقة.
4. الطقوس تُشكّل الثقافة عندما يجسّدها القادة
لا تُعدّ الطقوس أدوات شخصية فحسب، بل تسهم في تشكيل الثقافة والتأثير في الآخرين؛ فعندما يُجسّد القادة فترات التوقف الواعية، والحدود الواضحة، والممارسات التأملية، غالبًا ما تحذو الفرق حذوهم، إذ يبعث ذلك برسالة قوية.
شهدت كوب هذا الأثر في مؤسسات بدأ فيها القادة اجتماعاتهم بلحظات وجيزة من التمركز، أو اختتموا الأسبوع بتأملات مقصودة. تؤدي هذه الممارسات دوراً مُثبِّتًا، وتمنح الآخرين الإذن بتقدير انسجامهم الشخصي. ولا يحترق الناس لأنهم يعملون بجد، بل لأن أيامهم تخلو من إيقاع شخصي.
5. النجاح المستدام يحتاج إلى إيقاع، لا إلى حركة لا تهدأ
ربما كان أكثر فوائد الطقوس إغفالاً هو الاستدامة. يمكن الحفاظ على الروتين بقوة الإرادة، أما الطقوس فتصمد لأنها متجذّرة في القيم. وتوضح كوب: "تحوّل الطقوس الانضباط إلى إخلاص. وتساعد القادة على البقاء متصلين بالغاية وبـ(لماذا) الكامنة خلف ما يختارون فعله".
بالنسبة لرواد الأعمال والتنفيذيين الذين يلعبون على المدى الطويل، قد يشكّل هذا الاتصال الفارق بين نجاح عابر وإشباع دائم. وفي المحصلة، لا يكمن حل الإرهاق في مزيد من حِيَل الإنتاجية، إذ تفتح الطقوس طريقاً إلى الأمام لا يتطلب فعلاً أقل، بل فعل الأشياء على نحو مختلف.
نُشرت هذه وجهة النظر الخبيرة بقلم مارسيل شفانتس (Marcel Schwantes)، المحرر المساهم في Inc، والمدرّب التنفيذي، والمتحدث، والمؤلف، في الأصل على موقع Inc.com.