لماذا يفقد الموظفون حماسهم سريعاً: هل الإرهاق السبب؟
حين يفقد الموظفون حماسهم بسبب الإرهاق وغياب التّقدير وضبابيّة الأدوار، يصبح استعادته ممكناً عبر وعي ذاتيٍّ ودعمٍ قياديٍّ وربط العمل بالمعنى
يفقد الموظّفون حماسهم في العمل بوتيرةٍ أسرع ممّا تتوقّعه الإدارات، ولا يحدث هذا التّراجع فجأةً أو دون مقدّماتٍ، بل يتكوّن تدريجيّاً نتيجة تداخل عوامل نفسيّةٍ وتنظيميّةٍ تتراكم مع الوقت. وتبدأ ملامح فقدان الحافز في العمل بالظّهور على شكل تراجعٍ في المبادرة، وضعفٍ في الالتزام، وبرودٍ في التّفاعل، قبل أن تتطوّر إلى أداءٍ متدنٍّ أو إلى رغبةٍ صامتةٍ في الانسحاب. ومن هنا، يفرض الواقع سؤالاً محوريّاً لا يمكن تجاوزه: هل يقف الإرهاق وحده خلف فقدان الحافز في العمل، أم تختبئ خلفه أسبابٌ أعمق وأكثر تعقيداً؟
ما المقصود بفقدان الحافز في العمل؟
يعبّر فقدان الحافز في العمل عن تراجع الدّافع الدّاخليّ لدى الموظّف للاستمرار في العطاء بنفس الطّاقة والاهتمام، حتّى وإن واصل تنفيذ مهامّه شكليّاً. ولا يرتبط هذا التّراجع بالكسل أو ضعف الأخلاق المهنيّة، بل ينشأ غالباً عن شعورٍ متراكمٍ بالاستنزاف، أو عن غياب التّقدير، أو عن فقدان المعنى. ومع استمرار هذا الإحساس دون تدخّلٍ، يتحوّل الحماس تدريجيّاً إلى لا مبالاةٍ، وتتحوّل الوظيفة من مساحة إنجازٍ إلى التزامٍ ثقيلٍ يخلو من الشّغف أو فرص التّطوّر.
لماذا يفقد الموظفون حماسهم سريعاً: هل الإرهاق السبب؟
يفقد الموظّفون حماسهم بوتيرةٍ متسارعةٍ، لا بسبب عاملٍ واحدٍ منعزلٍ، بل نتيجة ضغوطٍ يوميّةٍ متراكمةٍ تستنفد الطّاقة النّفسيّة والذّهنيّة دون أن تقابل بتوازنٍ أو تعافٍ حقيقيٍّ. ويبرز الإرهاق هنا بوصفه عاملاً مركزيّاً، غير أنّه لا يعمل بمعزلٍ عن غيره، بل يتغذّى على بيئة عملٍ ترفع سقف التّوقّعات باستمرارٍ، وتضغط على الوقت، وتقلّص المساحة الفاصلة بين الجهد والرّاحة. وعندما يطلب الإنجاز المتواصل دون توقّفٍ فعليٍّ، يتحوّل الحماس الأوّليّ إلى التزامٍ قسريٍّ، ثمّ ينقلب إلى استنزافٍ صامتٍ يقتل روح المبادرة.
ولا يقتصر أثر الإرهاق على التّعب الجسديّ فقط، بل يمتدّ ليشمل الإرهاق الذّهنيّ والعاطفيّ، إذ يثقل على الموظّف شعورٌ دائمٌ بالمسؤوليّة، وخوفٌ مستمرٌّ من التّقصير، وحاجةٌ متواصلةٌ لإثبات الذّات. ومع غياب التّقدير الواضح أو الدّعم القياديّ، تتّسع الفجوة بين ما يقدّمه الموظّف وما يشعر أنّه يحصل عليه، فتبدأ شرارة فقدان الحافز في العمل بالاشتعال تدريجيّاً. كما يسرّع غموض الأدوار وتداخل المهامّ من هذا التّراجع، لأنّ الذّهن المرهق يعجز عن الحفاظ على الحماس داخل بيئةٍ غير مستقرّةٍ.
ومع مرور الوقت، يتحوّل الإرهاق من حالةٍ مؤقّتةٍ إلى نمط عملٍ يوميٍّ، فيتكيّف الموظّف مع العمل بأقلّ طاقةٍ ممكنةٍ كآليّة دفاعٍ نفسيٍّ. وهنا لا يكون فقدان الحماس ضعفاً شخصيّاً، بل استجابةً طبيعيّةً لمنظومة عملٍ تستهلك أكثر ممّا تعوّض. لذلك، نعم، يشكّل الإرهاق سبباً رئيسيّاً لفقدان الحماس السّريع، لكنّه في جوهره نتيجةٌ لبيئةٍ لا توازن بين الأداء والإنسان، ولا تمنح الحافز مساحةً كافيةً للاستمرار. [1]
كيف يستعيد الموظف حماسه؟
لا يعود الحماس فجأةً ولا يفرض بقراراتٍ خارجيّةٍ، بل يبنى تدريجيّاً عبر وعيٍ ذاتيٍّ وخياراتٍ يوميّةٍ ذكيّةٍ تمكّن الموظّف من استعادة طاقته ودافعيّته بطريقةٍ واقعيّةٍ ومستدامةٍ.
- يحدّد السّبب الحقيقيّ لفقدان الحماس: يبدأ الموظّف باستعادة حماسه عندما يشخّص بصدقٍ ما يستنفده فعليّاً، سواءٌ كان ضغط العمل، أو غموض الدّور، أو غياب التّقدير، لأنّ تحديد السّبب يحوّل الشّعور العامّ بالإرهاق إلى مشكلةٍ واضحةٍ يمكن التّعامل معها.
- ينظّم طاقته قبل تنظيم وقته: يستعيد الموظّف حماسه عندما يخفّف الاستنزاف الذّهنيّ عبر توزيع الجهد بذكاءٍ، فيضع فواصل قصيرةً للرّاحة، ويحدّ من تعدّد المهامّ، ويدرك أنّ زيادة ساعات العمل لا تعني زيادة الإنتاجيّة.
- يعيد ربط العمل بالمعنى: يعزّز الموظّف حماسه حين يعيد تعريف قيمة ما ينجزه يوميّاً، ويربط مهامّه بهدفٍ أو أثرٍ واضحٍ، لأنّ الشّعور بالجدوى يحفّز الدّافع الدّاخليّ أكثر من أيّ حافزٍ خارجيٍّ مؤقّتٍ.
- يتواصل بوضوحٍ ويطلب الدّعم: يستعيد الموظّف حماسه عندما يكسر الصّمت ويتحدّث عن الضّغوط والتّوقّعات، سواءٌ مع المدير أو الفريق، فالحوار الصّادق يقلّل التّوتّر ويفتح المجال لحلولٍ واقعيّةٍ.
- يطلب تغذيةً راجعةً عادلةً: يقوّي الموظّف حماسه عبر معرفة موقعه الحقيقيّ، وما الّذي ينجحه وما الّذي يحتاج تطويره، لأنّ الغموض يقتل الدّافعيّة بينما يعيد الوضوح الثّقة.
- يستثمر في نموّه الشّخصيّ والمهنيّ: ينعش الموظّف حماسه عندما يتعلّم مهارةً جديدةً أو يطوّر جانباً مهنيّاً راكداً، لأنّ التّقدّم يشعره بالحركة ويكسر الشّعور بالجمود.
- يضع حدوداً صحّيّةً بين العمل والحياة: يحافظ الموظّف على حماسه عندما يسمح لنفسه بالرّاحة دون شعورٍ بالذّنب، ويدرك أنّ الاستمراريّة لا تتحقّق بالاستنزاف بل بالتّوازن.
الخاتمة
لا يفقد الموظّفون حماسهم سريعاً بلا سببٍ، بل نتيجة تفاعلٍ معقّدٍ بين الإرهاق، وغياب التّقدير، وغموض التّوقّعات، وضعف القيادة، وانعدام المعنى. ويعدّ فقدان الحافز في العمل إشارة تحذيرٍ مبكّرةً لا ينبغي تجاهلها، لأنّ معالجته في بدايته أسهل بكثيرٍ من مواجهة آثاره المتراكمة. وعندما تدرك المؤسّسات هذه الحقيقة، وتضع الإنسان قبل المهمّة، تصبح استعادة الحماس ممكنةً، لا كشعارٍ مؤقّتٍ، بل كجزءٍ أصيلٍ من ثقافة عملٍ صحّيّةٍ ومستدامةٍ.
-
الأسئلة الشائعة
- هل فقدان الحافز في العمل يعني أن الموظف غير مناسب لوظيفته؟ لا يعني فقدان الحافز في العمل بالضرورة عدم ملاءمة الموظف للوظيفة، بل يعكس غالباً خللاً في بيئة العمل أو طريقة الإدارة أو توزيع المهام. كثير من الموظفين ذوي الكفاءة العالية يفقدون حماسهم مؤقتاً بسبب الاستنزاف أو غياب التقدير، وليس بسبب ضعف قدراتهم.
- هل يمكن للموظف أن يستعيد حماسه دون تغيير وظيفته؟ نعم، يمكن استعادة الحماس دون تغيير الوظيفة عندما يعالج الموظف أسباب فقدان الحافز في العمل من الداخل، مثل تنظيم الطاقة، وطلب الدعم، وإعادة ربط العمل بالمعنى، ووضع حدود صحية. تغيير الوظيفة دون معالجة الأسباب قد ينقل المشكلة بدلاً من حلها.