كيف سيعيد مركز imec الجديد في قطر رسم خريطة التقنيات العميقة في الخليج؟
مع افتتاح مركز أبحاث وتطوير في قطر من قبل imec البلجيكيّة، يوضّح ماكس ميرغولي -الرّئيس التنفيذي العالميّ للتّطوير وبناء المشاريع- كيف سيعيد رسم مشهد التّقنيات العميقة في المنطقة
في مؤتمر الجوال العالمي – الدوحة خلال نوفمبر من العام الماضي، أعلنت شركة "إيمك" (imec) البلجيكيّة -الرّائدة عالميّاً في النّانو إلكترونيّات والابتكار الرقميّ- عن خططها لإطلاق مركزٍ إقليميٍّ للأبحاث والتّطوير (R&D) في قطر. وسيقع المركز داخل واحة قطر للعلوم والتّكنولوجيا، ويهدف إلى تسريع التّحوّل الرّقميّ في جميع أنحاء الشّرق الأوسط.
تأسّست إيمك في بلجيكا، وتعدّ مركزاً عالميّاً رائداً للأبحاث والابتكار يركّز على تقنيات أشباه الموصلات المتقدمة والتّقنيات الرّقميّة. ومن خلال تشغيل واحدةٍ من أكثر البُنى التّحتيّة للأبحاث والتّطوير في أشباه الموصلات تطوّراً على مستوى العالم، تتعاون إيمك مع الشّركاء الأكاديميّين والصّناعيّين على كامل سلسلة القيمة لتطوير وتسويق الرّقائق والحلول الرّقميّة من الجيل التّالي. وتشمل مجالات عملها تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ (AI) والتنقّل الذّاتيّ، وعلوم الحياة، والطّاقة المستدامة، والمدن الذّكيّة، والاتّصالات المتقدّمة للجيل القادم.
بعيداً عن الأبحاث، تلعب إيك دوراً محوريّاً في تحويل العلوم المتقدّمة إلى شركاتٍ ناشئةٍ قابلةٍ للتّوسّع، عبر نموذج spin-off متكاملٍ، مدعومٍ بخبرة تقنيةٍ عميقةٍ وصندوق المشاريع imec.xpand الّذي تتجاوز قيمته 400 مليون يورو.
بناءً على هذا النّموذج، سيسعى مركز أبحاث إيمك في قطر إلى تعميمه على دول مجلس التّعاون الخليجيّ، داعمًا تطوير مجموعات تصميم العمليّات (process design kits) -وهي أدواتٌ أساسيّةٌ للتّقنيات النّاشئة مثل الفوتونيكس على السيليكون، والدّوائر المتكاملة ثلاثيّة الأبعاد، والمداخل السيليكونيّة (silicon interposers). كما سيشمل ذلك الاستفادة من الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ ووكلاء الذّكاء الاصطناعيّ في تطوير الرّقائق المخصّصة.
في مقابلةٍ مع مجلة "عربية Inc."، يقول ماكس ميرغولي (Max Mirgoli)، الرّئيس التّنفيذيّ العالميّ للتّطوير وبناء المشاريع في إيمك، إنّ استعداد منظومة قطر، المدعوم بتوجهات السّياسات الوطنيّة، يجعلها الموقع الأمثل لأحدث مركز للشّّركة. ويضيف ماكس: "جاء قرار تأسيس مركزٍ إقليميٍّ للأبحاث والتّطوير في قطر نتيجة تلاقي عدّة عوامل: التزام قطر القويّ ببناء اقتصادٍ قائمٍ على المعرفة والتّحوّل الرّقميّ في دول مجلس التّعاون، والاستثمار الكبير في البنية التحتيّة التّقنيّة المتقدّمة، والتّركيز المتنامي على دعم الابتكار وريادة الأعمال. كما أظهر النّهج الاستباقيّ لقطر في تطوير منظومة البحث والمشاريع الرّياديّة -إلى جانب المبادرات الحكوميّة ودعم تطوير الكوادر المتخصّصة في التّقنيّات العميقة- جاهزيّةً لا تقتصر على أنشطة البحث والتّطوير فحسب، بل ليلعب دوراً أوسع ضمن شبكة إيمك العالميّة".
وفقًا لما يوضّحه ماكس، تقدّم قطر -مدفوعةً بطموحاتها التّكنولوجيّة- منصّةً فريدةً للابتكار في التّقنيات العميقة؛ فيقول: "ما يميّز قطر عن غيرها من الأسواق هو مسار تطوّرها السّريع وطموحها لأن تصبح مركزاً عالميّاً للتّقنية". ويضيف: "على عكس الأسواق الأكثر نضجاً، تمتلك قطر فرصةً فريدةً لبناء منظومتها من الصّفر، مستفيدةً من خبرة إيمك في تقنيات أشباه الموصلات وتصميم الأنظمة، والمشاريع العميقة، وبناء المنظومة البيئيّة، ما يخلق بيئةً ديناميكيّةً للتّعاون بين أصحاب المصلحة المحليّين والدّوليّين، بما يتوافق مع مهمّة إيمك في تحويل البحث إلى تأثيرٍ عالميٍّ".
وبناءً عليه، سيكون إنشاء المشاريع الرّياديّة أحد الرّكائز الأساسيّة لمركز إيمك في قطر، معتمداً على سجلّ الشّركة العالميّ في تحويل الأبحاث المتقدّمة إلى شركاتٍ ناشئةٍ وشركاتٍ قابلةٍ للتّوسع؛ فيقول ماكس: "الهدف الأساسي لإيمك في تشكيل خطّ المشاريع الرّياديّة في قطر ذو شقّين: إنشاء مشاريع إيمك جديدةٍ مستندة إلى أبحاثٍ رائدةٍ، ودعم المشاريع الخارجيّة النّشطة في دول مجلس التّعاون الخليجيّ". ويشير ماكس إلى شبكة إيمك متعدّدة التّخصّصات الّتي تضمّ أكثر من 6,500 باحثٍ من أكثر من 100 جنسيّةٍ، وسجلّ الشّركة الّذي يشمل 35 شركةً تفرّعيةً منذ 2018، بقيمةٍ إجماليّةٍ تصل إلى 500 مليون يورو لأفضل 10 شركاتٍ، إضافةً إلى ثلاث شركات يونيكورن، كدليلٍ على فعاليّة النّموذج. ويضيف: "كما أنّ خبرة إيمك من المختبر إلى التّصنيع تقلّل المخاطر بشكلٍ منهجيٍّ للتّقنيات المبتكرة وتمكّن التّصنيع القابل للتّوسّع، ممّا يجعل إيمك منصة إطلاقٍ للمشاريع الرّياديّة المؤثّرة في مجال التّقنيات العميقة عبر المنطقة".
شاهد أيضاً: Sakan الكويتية تستحوذ على شركة Hapondo القطرية
ولتفعيل هذا المنطلق بفعاليّةٍ، تعمل إيمك على صقل المواهب في مجال أشباه الموصلات من خلال برامج تدريبيّةٍ، ومبادرات الدّكتوراه، وبرامج تعليميّةٍ، بالتّعاون مع الجامعات والشّركات والشّركات النّاشئة، مستلهمةً من النّهج الّذي اعتمدته إيمك في أماكن أخرى؛ فيقول ماكس: "لقد اكتشفنا -على سبيل المثال- أنّ برامج الماجستير المخصّصة في النانوتكنولوجيا تشكّل وسيلةً ناجحةً لتطوير الجيل القادم، ومعالجة نقص الكفاءات على المدى الطّويل". ويضيف: "في الوقت نفسه، من الضّروريّ أن يحصل الباحثون والأكاديميّون على أحدث التّقنيّات، وأدوات التّصميم المتقدمة، وخدمات النّماذج الأوّليّة لاكتساب الخبرة المباشرة".
فيما يتعلق بالخطوات المستقبليّة، يهدف مركز إيمك في قطر إلى الوصول إلى 100 موظّفٍ بحلول عام 2030، وأن يصبح متكاملاً بالكامل ضمن شبكة أبحاث وتطوير إيمك العالميّة، ما يتيح للباحثين والمهندسين التّعاون في وضع خرائط طريق عالميّةٍ مشتركةٍ، مع التّركيز في الوقت ذاته على التّحدّيات والحلول الخاصّة بالمنطقة. ويؤكّد ماكس أنّ ذلك سيسهم في صقل المواهب الرّياديّة اللّازمة لتطوير منظومة التّقنيات العميقة. ويضيف أنّ عمليّة تطوير كلٍّ من المواهب والمنظومة المحيطة بالابتكار تتطلّب الصّبر، محذّراً من توقّع نتائج سريعةٍ. ويقول: "يُعدّ بناء منظومة تقنياتٍ عميقةٍ بمستوىً عالميٍّ يمسعىً طويل الأمد؛ فلا ينبغي لأصحاب المصلحة توقّع ظهور شركات يونيكورن فوريّاً أو التّصنيع الصّناعيّ على نطاقٍ واسعٍ بين ليلةٍ وضحاها. بل يجب التّركيز على إنشاء العناصر الأساسيّة من مواهب وبنيةٍ تحتيّةٍ وشبكاتٍ، الّتي ستُمكّن من تحقيق أثرٍ مستدامٍ وميّزةٍ تنافسيّةٍ لسنواتٍ مقبلةٍ. ويمكن لإيمك أن تلعب دوراً داعماً لبعض هذه المجالات عبر شبكتها العالميّة الواسعة، ومبادرات تطوير المواهب، ومعرفتها العميقة في تقنيات أشباه الموصلات المتقدّمة، وربط المنطقة ببنيتها التّحتيّة المتطوّرة، وغيرها من الإمكانات".
في جوهر توسّع إيمك في قطر، يتجاوز الهدف مجرّد تعزيز قدرات أشباه الموصلات، ليُشكّل استراتيجيّةً أوسع لدمج البحث العلميّ والمواهب وإنشاء المشاريع الرّياديّة ضمن النّسيج الاقتصاديّ للمنطقة. وعلى المدى القريب، يتيح مركز قطر للشّركات والشّركات النّاشئة الوصول إلى بنيةٍ تحتيّةٍ عالميّة المستوى، وأدوات تصميمٍ متقدّمةٍ، ومساراتٍ واضحةٍ من المختبر إلى السّوق. أمّا على المدى الطّويل، فيضع إيمك كشريكٍ محفّزٍ لبناء منظومات ابتكارٍ مرنةٍ، حيث تتلاقى الأبحاث العميقة والمواهب الرّيادية ورأس المال الصّبور لخلق قيمةٍ تكنولوجيّةٍ واقتصاديّةٍ مستدامةٍ. ومن هذا المنظور، يُعدّ وجود إيمك في قطر مساهمةً في صياغة مستقبل الابتكار في دول مجلس التّعاون الخليجيّ بقدر ما تمثّل التّكنولوجيا نفسها.