الرئيسية الريادة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة: هل تنجح القيادات النسائية في إدارة تحوّل الشرق الأوسط؟

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة: هل تنجح القيادات النسائية في إدارة تحوّل الشرق الأوسط؟

تؤكّد شادن خلاف من Careem أنّ القيادة النّسائيّة في المنطقة لا تقتصر على المشاركة فحسب، بل تتطلّب تصميم المشهد وتحويل الأزمات إلى فرصٍ استراتيجيّةٍ

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

يُحتفى بــ "اليوم العالمي للمرأة" (International Women’s Day) في 8 مارس من كلّ عام، فتغدو هذه المناسبة مجالاً رحباً للتأمّل في التحوّل المتدرّج الذي شهده حضور المرأة في مواقع القيادة عبر عوالم الأعمال وصناعة السياسات والحياة المجتمعية. وفي هذا العام تحديداً، يتخذ هذا التأمّل دلالةً إضافية بالنسبة إلى من يعملون في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)، إذ يتزامن مع مرحلةٍ تمرّ فيها المنطقة بقدرٍ ملحوظ من الاضطراب الجيوسياسي، بما يحمله من تقلّباتٍ تُلقي بظلالها على المشهد العام.

ومع ذلك، فإنّ مثل هذه اللحظات المضطربة هي ذاتها التي تتجلّى فيها أهمية الرؤى القيادية النسائية على نحوٍ أكثر وضوحاً، وهو ما تشير إليه شادن خلاف، المديرة الأولى للسياسات العامة والشؤون الحكومية والتأثير الاجتماعي في "كريم" (Careem)، التطبيق الشامل الذي يتخذ من دبي مقرّاً له، وذلك خلال حديثٍ أجرته مع "عربية .Inc" بمناسبة اليوم العالمي للمرأة لهذا العام. إذ تقول شادن: "حين تحتدم الأزمات، لا تعود البيانات وحدها العملة الأثمن، بل تصبح الرؤية الشاملة التي تُحيط بالسياق كلّه هي المورد الأندر". ثم تضيف موضحةً: "تشير أبحاث نشرتها "هارفارد بزنس ريفيو" (Harvard Business Review) إلى أنّ النساء يُقيَّمن بفاعليةٍ أعلى في عددٍ من الكفاءات القيادية الجوهرية خلال الأزمات، ولا سيما في مجالات المبادرة، والمرونة المعرفية في التعلّم، وبناء العلاقات".

وانطلاقاً من خبرتها التي تتجاوز 20 عاماً في العمل عند تقاطع التكنولوجيا والحكومات والقطاع الإنساني، ترى شادن، وهي من أبرز القيادات الإقليمية في مجال السياسات العامة، أنّ هذه السمات تكتسب أهميّةً مضاعفة حين يجري العمل في منطقةٍ لا تُعدّ فيها التحوّلات السريعة حالةً استثنائية، بل سمةً متكرّرةً من سمات البيئة التشغيلية. وفي هذا السياق توضّح قائلة: "في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتداخل التقلّبات مع إيقاع الحياة اليومية، لا يمكن للقيادة أن تُمارَس بوصفها فعلاً فرديّاً معزولاً". وتستدرك لتضيف: "بل ينبغي أن تقوم على قوّةٍ جماعية تتشكّل عبر العمل المشترك. غير أنّ بناء هذه القوّة ليس بالأمر الهيّن كما قد يبدو في الظاهر؛ فالأزمات، بطبيعتها، تكشف بوضوح أين تكمن هذه القوّة حقّاً وأين تظلّ مجرّد ادّعاء. وهي في الوقت ذاته تفرض درجةً أوسع من الوعي، وعياً يتجاوز المشكلة المباشرة ليرصد كيف يمتدّ أثر أي تحوّل سياسي أو تشغيلي عبر منظومةٍ كاملة، وما يتركه من انعكاسات على كلّ من يعيش داخلها".

ومن هذا المنظور تحديداً، ترى شادن أنّ للنساء دوراً بالغ الأهمية في مثل هذه البيئات المتقلّبة، وهو ما تؤكّده أيضاً المعطيات الصادرة عن "هيئة الأمم المتحدة للمرأة" (UN Women) إلى جانب طيفٍ واسع من الدراسات السوسيولوجية. وتشرح ذلك بقولها: "تميل النساء في العادة إلى القيادة بدرجةٍ أعلى من الحساسية الاجتماعية". ثم تبيّن الأثر العملي لهذا الميل قائلة: "في الواقع العملي، يعمل هذا الحسّ كأنه نظام إنذارٍ مبكر؛ إذ يتيح للقائد أن يقرأ أجواء المكان قبل أن تُفصح عنها الكلمات". وتواصل شرح الفكرة: "وعندما تُبنى القرارات على البيانات الدقيقة، ويُضاف إليها بُعد الثقة العلائقية مع أصحاب المصلحة، تتكوّن لدى المؤسسات قدرةٌ على الصمود تتجاوز لحظة الأزمة نفسها. عندئذٍ لا يقتصر الأمر على مجرّد تجاوز العاصفة، بل يتحوّل إلى فرصةٍ لتعزيز الروابط التي تُمكّن الفرق والمؤسسات من الازدهار بعد أن يهدأ الغبار".

غير أنّ الطريق إلى القيادة في الأزمات لا يخلو من تحديات إضافية بالنسبة إلى النساء، وهو ما تُشير إليه شادن بوضوح؛ فتقول: "ثمّة ما يمكن تسميته بضريبة الظهور التي تتحمّلها النساء في مواقع القيادة خلال الأزمات". ثم تشرح هذا المعنى بقولها: "يصبح هامش الخطأ المتصوَّر أضيق بكثير. ولا يقتصر الضغط على ضرورة النجاح فحسب، بل يمتدّ إلى ثقل الشعور بأنّ أداءك قد يُقرأ وكأنه حكمٌ ضمني على كلّ امرأة ستأتي بعدك». ومن وجهة نظرها، فإنّ مثل هذا الخلل لا يُفهم إلا بوصفه انعكاساً لفجوةٍ بنيوية أوسع في منظومة القيادة. وتوضح ذلك قائلة: "لا يكمن الحلّ في زيادة عدد النساء في المناصب القيادية فحسب، على الرغم من أهمية هذه الخطوة". ثم تضيف: "إنّ التحدّي الحقيقي يكمن في تغيير الظروف التي تولّد هذا الضغط من الأساس. ففكرة الاستفتاء على الأداء لا تظهر إلا عندما تكون المرأة الوحيدة في الغرفة. أمّا العمل الجاد فيتمثّل في بناء منظومة قيادة لا تعود فيها هذه الحالة قائمة، وهو ما يقتضي الانتقال من مجرّد الإرشاد إلى الرعاية المهنية الفاعلة، أي أن يضع القادة رصيدهم من المصداقية خلف نساء أخريات متميّزات في الأداء، وأن يهيّئوا لهنّ البيئة التي تسمح لهنّ بالتقدّم".

وفي ضوء هذه المعطيات، ترى شادن أنّ السؤال الذي يواجه القيادات النسائية في مثل هذه الظروف ليس ما إذا كان بالإمكان تفادي حالة عدم اليقين، بل كيف ينبغي التعامل معها. وتشرح فكرتها بقولها: "النصيحة التي أقدّمها هي الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق الاستباق". ثم تتابع موضحةً: "علينا أن نتقبّل الغموض بوصفه جزءاً من الواقع، وأن نستعدّ له ونتعلّم كيف نعبره. قد يبدو الانتظار حتى ينقشع الضباب خياراً مريحاً، لكنّ الضّباب نادراً ما ينقشع من تلقاء نفسه. ولهذا فإنّ القادة الأكثر فاعلية ليسوا أولئك الذين يستجيبون لعدم اليقين، بل أولئك الذين يسبقونه بخطوة".

وفي هذا السياق، يجدر التذكير بأنّ شادن، التي شغلت في السابق مناصب قيادية رفيعة في مؤسسات مثل "الأمم المتحدة" (United Nations) و"ميتا" (Meta)، تُعدّ من الخبراء المعروفين في التعامل مع البيئات التنظيمية المعقّدة وفي دفع مسارات التحوّل الرقمي عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظورٍ يراعي قضايا النوع الاجتماعي. وفي وصفها للمشهد الراهن تقول: "نقف اليوم في هذه المنطقة عند نقطة التقاء تاريخية تجمع بين التحوّل الرقمي والتطوّر الاجتماعي، في الوقت الذي نواجه فيه تحديات جيوسياسية جسيمة". ثم تشير إلى أنّ "حالة عدم الاستقرار التي شهدتها المنطقة خلال الأسبوع الماضي قد شكّلت تذكيراً واقعيّاً بعمق هذه التحديات وما تحمله من تداعيات واسعة للتقلّب". وانطلاقاً من تجربتها العمليّة تضيف: "بدل انتظار اللّحظة المثاليّة للتحرك، وجدت أنّ المقاربة القائمة على السيناريوهات هي الأكثر فاعليّةً، لأنّها تسمح بالاستعداد لمجموعةٍ واسعةٍ من الاحتمالات". ثم تستعيد مصدر هذه القناعة بقولها: "تعلّمت ذلك عندما عملت قرب مناطق النزاع، وشاركت في التخطيط للطوارئ تحسّباً لاحتمال تدفقات اللاجئين أو تحرّكات النزوح السكاني من بلدٍ ما. غير أنّ هذا الإطار لا يقتصر على تلك الظروف وحدها، بل يمكن تطبيقه على معظم المواقف، سواء في عالم الأعمال أو في مسار الحياة عموماً".

وقد انعكس هذا النهج بالفعل في الطريقة التي أدارت بها "كريم" (Careem) عملها خلال الأزمة الراهنة في المنطقة. ففي خضم هذه الظروف، توضّح شادن أنّ الشركة استطاعت أن تعطي الأولوية لاعتبارات السلامة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استمرارية الأعمال وخدمة المجتمع، وذلك عبر شبكةٍ متكاملة من التنسيق الوثيق مع الجهات الحكومية، إلى جانب جاهزية تشغيلية عالية وقنوات تواصل فورية مع الشركاء والسائقين والعملاء. ومع ذلك، تؤكد شادن أنّ الدروس التي تُستخلص من مثل هذه اللحظات لا تقتصر على الجوانب التشغيلية الخاصة بأي مؤسسة بعينها، بل تتجاوزها لتلامس طبيعة القيادة في المنطقة بأسرها.

وتختتم حديثها بقولٍ يلخّص فلسفتها القيادية: "في نهاية المطاف، لا تعني القيادة في ظلّ عدم اليقين في الشرق الأوسط مجرّد التمسّك بخطّ ثابت، بل تتطلّب الشجاعة لإعادة رسم هذا الخط كلّما اقتضت الظروف". ثم تضيف مؤكدةً: "ليست القيادات النسائية مجرّد مشاركات في تحوّل هذه المنطقة؛ بل ينبغي أن يكنّ مهندسات هذا التحوّل على نحوٍ أعمق. فعندما يتغيّر المشهد، تنبع السلطة الحقيقية في الأزمات من إدراكٍ بسيط مفاده أنّنا لا نستطيع انتظار العالم حتى يصبح مستقرّاً كي نقود؛ بل علينا أن نقود كي يصبح العالم أكثر استقراراً".

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 7 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: