من مكتب المستثمر: حسن حيدر يحدد أولويات مؤسِّسي الشرق الأوسط
رؤيةٌ استثماريّةٌ معمّقةٌ تضع بين يدي مؤسِّسي الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا خريطة أولويّات واضحة للتّعامل مع المخاطر، واغتنام الفرص، وحماية مسارات النّموّ طويل الأمد
تميل فترات الاضطراب إلى اختبار نماذج الأعمال، نعم، لكنها في جوهرها تمتحن معدن القيادة نفسها. فحين تتبدّل المعطيات بوتيرة متسارعة، لا يعود السؤال مقتصراً على قدرة الشركة على الصمود، بل يمتد إلى قدرة مؤسسيها على تثبيت البوصلة. وبالنسبة لروّاد الأعمال في الشرق الأوسط، وهم يبحرون اليوم في بيئة سريعة التحوّل، يتمثل التحدي في صون وضوح الرؤية، مع الاستمرار في اتخاذ قرارات رشيدة تحمي المسار طويل الأمد لشركاتهم وتحصّن وجهتها الاستراتيجية من الانحراف.
وفي لحظات كهذه، تكتسب زاوية نظر المستثمرين قيمة خاصة. فالمستثمر، بحكم إشرافه على محافظ تمتد عبر قطاعات وأسواق ومراحل نمو متعددة، يقف على تخوم الصورة الكبرى؛ ما يتيح له رصد الأنماط المتكررة والضغوط الناشئة في وقت أبكر مما قد يتاح لرائد الأعمال المنغمس في التفاصيل اليومية لشركته. ومن هذا الموقع العابر للقطاعات، تتكشف إشارات التحوّل قبل أن تتحول إلى أزمات مكتملة الملامح داخل المؤسسة.
انطلاقاً من هذه الفكرة، تطلق مجلة "عربية .Inc" سلسلة تحريرية جديدة بعنوان «من مكتب المستثمر»، تسعى من خلالها إلى التقاط رؤى فاعلين في منظومة رأس المال الإقليمية حول الأولويات التي يجدر بروّاد الأعمال إبقاؤها في صدارة تفكيرهم مع تبدّل شروط السوق. ويستهل هذه السلسلة حسن حيدر، الشريك الإداري في بلس في سي (Plus VC) ومقرها دولة الإمارات، مقدّماً قراءته لما ينبغي لمؤسسي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التركيز عليه في المناخ الراهن:
السلامة تعلو على كل اعتبار
قد ينشأ شعور بأن تجاهل ما يحدث، ومواصلة العمل كما في السابق، كفيلان بإبقائنا في منطقة آمنة. وربما يكون ذلك أسلوباً نفسياً للتعامل مع الواقع؛ لكن، وقبل أي شيء، ينبغي أن تضع سلامتك الشخصية، وسلامة عائلتك، وسلامة فريقك في المقام الأول. فالسلامة الجسدية، وبالقدر نفسه السلامة النفسية، يجب أن تكونا أولوية مطلقة لا تقبل المساومة.
منح النفس والفريق فسحة للتكيّف
الإنسان كائن شديد القابلية للتكيّف مع مختلف الظروف التي يجد نفسه فيها. وأرى أن الأهم هو أن تمنح نفسك وفريقك الوقت والمساحة اللازمين للتأقلم، والاستقرار ضمن ما يمكن تسميته بالوضع الطبيعي الجديد. ونحن، مقارنة بكثير من دول العالم، أكثر حظاً بفضل منظومة دفاعية راسخة وقيادة تعمل على ترسيخ شعور الأمان واستمرارية الحياة اليومية؛ ومن ثمّ فإن عملية التكيّف مرشّحة لأن تمضي بسلاسة إذا أُديرت بوعي.
استيعاب المخاطر والبحث عن الفرص في ثناياها
من الضروري أن تكون على دراية بكل ما قد يتغيّر أو يتعثر في البيئة الحالية: تأخر المدفوعات، تسرّب العملاء، بطء القرارات، ضغوط التدفقات النقدية، بل وحتى عوامل خارجة عن نطاق سيطرتك، كتعطل مراكز البيانات أو انقطاع الإنترنت. المطلوب أن تتخيّل، قدر الإمكان، كيفية التصرف في كل سيناريو محتمل. والمفارقة أننا مررنا بأزمة جائحة كوفيد-19 (COVID-19) قبل وقت غير بعيد، ما أتاح لنا إطاراً إرشادياً لكيفية التعامل مع الظروف القصوى. ومع ذلك، يظلّ من الحكمة أن تحافظ على نظرة إيجابية، وأن تبحث عن الفرص الكامنة في كل صدمة سلبية تضطر إلى تجاوزها، فغالباً ما تنطوي الأزمات على بذور تحوّلات غير متوقعة.