الرئيسية المال هل يهدد ارتفاع البنزين خطة الشركات للعودة إلى المكتب؟

هل يهدد ارتفاع البنزين خطة الشركات للعودة إلى المكتب؟

مع تصاعد أسعار الوقود وتداعيات الأزمة الجيوسياسيّة، يتجدّد الجدل حول سياسات العودة للمكاتب، وسط ضغوطٍ ماليّةٍ تدفع الموظّفين للمطالبة بمرونةٍ أكبر في العمل

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

لم تكن الأسباب الّتي دفعت الموظّفين إلى مقاومة تشديد سياسات العودة إلى المكاتب (RTO) قليلةً أو هامشيّةً، بل تعدّدت وتشابكت بشكلٍ واضحٍ؛ إذ شملت ضيق مساحات العمل، وتراجع جاذبيّة المزايا المقدّمة داخل المكاتب، فضلاً عن فقدان المرونة الوظيفيّة الّتي اعتاد عليها كثيرون خلال السّنوات الماضية. ومع ذلك، لم يتوقّف الأمر عند هذه العوامل التّقليديّة، بل أضافت التّطوّرات الجيوسياسيّة الأخيرة في الشّرق الأوسط بعداً جديداً وأكثر تأثيراً، حيث منحت هذه الحرب القائمة، الموظّفين حجّةً إضافيّةً وقويّةً للمطالبة بالعمل من المنزل، تتمثّل في الارتفاع الحادّ بأسعار الوقود.

ومع استمرار هذا النّزاع لأكثر من أسبوعين، تسبّب تراجع حركة ناقلات النّفط في المنطقة باضطرابٍ واضحٍ في الإمدادات، الأمر الّذي دفع أسعار خام برنت للارتفاع إلى 105 دولاراتٍ للبرميل خلال عطلة نهاية الأسبوع. وبناءً على ذلك، انعكس هذا الارتفاع مباشرةً على أسعار الوقود، إذ بلغ متوسّط سعر الغالون 3.718 دولاراتٍ، أي بزيادة 35 سنتاً خلال أسبوعٍ واحدٍ فقط، وبنحو 70 سنتاً مقارنةً بشهر فبراير. ورغم تكرار الرّئيس دونالد ترامب تأكيده على قرب انتهاء النّزاع، إلّا أنّ هذه التّصريحات المتفائلة غالباً ما تتناقض مع الواقع على الأرض، الأمر الّذي دفع الخبراء إلى التّشكيك في إمكانيّة انخفاض الأسعار بسرعةٍ، حتّى في حال انتهاء الصّراع قريباً.

وفي هذا السّياق، أوضح باتريك دي هان، محلّل شؤون النّفط في تطبيق GasBuddy، أنّ عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الحرب لن تحدث بشكلٍ سريعٍ، بل ستتأخّر حتّى وقتٍ لاحقٍ من هذا العام بسبب عوامل موسميّةٍ تمنع الانخفاض الكامل. ولم يكتف بذلك، بل أشار بأسلوبٍ ساخرٍ إلى أنّ الأمنيّات السّياسيّة لا تغيّر واقع الأسواق، في إشارةٍ واضحةٍ إلى الفجوة بين الخطاب السّياسيّ والحقائق الاقتصاديّة.

وعند إسقاط هذه المعطيات على واقع الموظّفين، يتّضح حجم التّأثير بشكلٍ أكبر؛ إذ لا يقتصر الأمر على ارتفاع الأسعار فحسب، بل يمتدّ ليشكّل ضغطاً ماليّاً مباشراً على العاملين الّذين يعتمدون على التّنقّل اليوميّ. وفي هذا الإطار، أشار دي هان إلى أنّ متوسّط أسعار الوقود أصبح أعلى بنحو 78% مقارنةً بمستوياته بين يناير 2021 ونفس الفترة من عام 2025، وهو ما يعكس تحوّلاً حادّاً في تكلفة المعيشة المرتبطة بالعمل الحضوريّ.

وانطلاقاً من هذه المؤشّرات، توقّعت شركة Korn Ferry الاستشاريّة أن يواجه المديرون وأصحاب الشّركات موجةً متصاعدةً من اعتراضات الموظّفين، خصوصاً مع بدء الكثير منهم باستخدام تكاليف الوقود كأداة ضغطٍ لإعادة النّظر في سياسات العمل الإلزاميّ من المكتب. وبالفعل، أكّد خبراء الشّركة أنّ جهود العودة إلى المكاتب الّتي بدت مستقرّةً في الفترة الماضية، اصطدمت فجأةً بواقعٍ جديدٍ فرضته أزمة النّفط في الشّرق الأوسط.

وعلى نحوٍ أكثر وضوحاً، أشار هؤلاء الخبراء إلى أنّ الارتفاع السّريع في أسعار الوقود—بأكثر من 15% خلال أسبوعٍ واحدٍ—قد يدفع تكلفة التّنقّل اليوميّة لبعض الموظّفين إلى أكثر من 100 دولارٍ، خاصّةً لمن يقطعون مسافاتٍ طويلةً. وبذلك، يجد المديرون أنفسهم أمام معادلةٍ معقّدةٍ تجمع بين الحفاظ على سياسات العمل الحاليّة من جهةٍ، والاستجابة لضغوط الموظّفين المتزايدة من جهةٍ أخرى.

وفي الوقت نفسه، لم يتردّد الموظّفون في استثمار هذا الظّرف لصالحهم، إذ أعاد ارتفاع أسعار الوقود إحياء النّقاش حول أهمّيّة العمل من المنزل. فبينما يرى البعض أنّ تمكين الموظّفين من العمل عن بعدٍ خيارٌ منطقيٌّ في ظلّ هذه التّكاليف، يذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، متوقّعين أن تتحوّل هذه السّياسات إلى ضرورةٍ اقتصاديّةٍ تهدف إلى إعادة توزيع استهلاك الوقود نحو قطاعاتٍ أكثر أهمّيّةً.

ومع ذلك، لا يتّفق الجميع مع هذا الطّرح؛ إذ عبّر عددٌ من المراقبين عن تشكّكهم في استعداد الشّركات للتّراجع عن سياسات العودة إلى المكاتب بسهولةٍ، خاصّةً بعد الجهود الكبيرة الّتي بذلت لإعادة الموظّفين إلى بيئة العمل التّقليديّة. بل ويرى بعضهم أنّ مثل هذا التّحوّل لن يحدث إلّا في حال وقوع أزمةٍ كبرى بحجم جائحةٍ عالميّةٍ أو فرض قيودٍ صارمةٍ على استهلاك الوقود.

ورغم هذا التّباين، تبقى الحقيقة الأبرز أنّ استمرار ارتفاع أسعار الوقود سيجبر الشّركات على التّعامل مع مطالب واقعيّةٍ من فئاتٍ معيّنةٍ من الموظّفين، لا سيّما أصحاب الرّواتب المنخفضة الّذين تتأثّر قدرتهم الشّرائيّة بشكلٍ مباشرٍ بهذه التّكاليف. ومن هنا، يبرز تحدٍّ جديدٌ أمام الإدارات يتمثّل في الحفاظ على الكفاءات، خصوصاً مع تزايد فرص العمل عن بعدٍ في السّوق، ما يطرح تساؤلاً جوهريّاً حول جدوى الوظيفة إذا كان الوصول إليها يستنزف الوقت والدّخل معاً.

وعلى الرّغم من ذلك، لا يعني هذا بالضّرورة أن يتحوّل الجدل حول العودة إلى المكاتب إلى صراعٍ صفريٍّ؛ بل يمكن، في المقابل، تبنّي حلولٍ وسطٍ أكثر مرونةً. فبدلاً من التّراجع الكامل عن سياسات الحضور، تستطيع الشّركات اعتماد نماذج هجينةً أكثر واقعيّةً، تجمع بين متطلّبات العمل الحضوريّ في الأيّام المهمّة، مثل الاجتماعات ولقاءات العملاء، وبين السّماح بالعمل من المنزل في الأيّام الأقلّ أهمّيّةً.

وفي هذا الإطار، أكّد دينيس دينز من Korn Ferry أنّ التّعامل مع هذه المرحلة يتطلّب قدراً عالياً من الواقعيّة والمرونة، دون التّخلّي عن الرّؤية طويلة الأمد. كما يمكن، بالتّوازي مع ذلك، تبنّي حلولٍ عمليّةٍ إضافيّةٍ، مثل تشجيع الموظّفين على مشاركة السّيّارات من خلال منصّاتٍ داخليّةٍ، وهو خيارٌ قد يخفّف من الأعباء دون الحاجة إلى تغييراتٍ جذريّةٍ في سياسات العمل.

وبذلك، تتّضح الصّورة أكثر: لا يدور النّقاش اليوم حول مكان العمل فقط، بل حول كيفيّة التّكيّف مع واقعٍ اقتصاديٍّ متغيّرٍ يفرض على الشّركات والموظّفين إعادة تعريف العلاقة بين الإنتاجيّة، والتّكلفة، والمرونة.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 5 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: