الرئيسية الريادة مستقبل تجربة العملاء... أقرب إليك وأكثر ذكاءً من أي وقت مضى

مستقبل تجربة العملاء... أقرب إليك وأكثر ذكاءً من أي وقت مضى

لم تعد تجربة العملاء مسألة حجمٍ أو ميّزاتٍ، بل رحلة دقيقة تُعيد فيها الذّكاء الاصطناعيّ رسم التّفاعل، بفهمٍ عميقٍ لسلوك العميل وثقافته

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

لفترة طويلةٍ، اتّبعت تقنيات تجربة العملاء (CX) قاعدةً واضحةً وبسيطةً: كلّما كانت المنصّة أكبر، كان أداؤها أفضل. أي ميّزاٌت أكثر، وأسواقٌ أوسع، ونطاقٌ أعمق. قضيت أكثر من عقدين أعمل في هذا العالم، شغلت خلالها مناصب في شركاتٍ مثل سيسكو (Cisco)، أفايا (Avaya)، وجينيسيس (Genesys)، وساهمت في بناء ونشر منصّاتٍ مؤسّسيّةٍ ضخمةٍ عبر مناطق متعدّدةٍ. لقد صاغت هذه الخبرة طريقة تفكيري في تجربة العملاء، لكنها في الوقت ذاته كشفت لي حقيقةً متزايدة الوضوح: أنّ هذا النّموذج بدأ يقترب من حدوده، ليس لأنّه فشل، بل لأنّ العالم من حوله بدأ يتغيّر بسرعةٍ، تاركاً الحاجة إلى مقارباتٍ أكثر مرونةً وذكاءً للتّفاعل مع المستخدمين.

ظهور نوع جديد من العملاء

لا يقتصر أكبر عاملٍ يحرّك التّحوّل في تجربة العملاء اليوم على تطوّر التّكنولوجيا المحيطة بتجربة العملاء، بل يتجسّد في تغيّر توقّعات العملاء أنفسهم. ونحن نخدم اليوم عميلاً مختلفاً تماماً عما اعتدنا عليه قبل سنواتٍ قليلةٍ، عميل تشكّل وعيه بفعل تشات جي بي تي (ChatGPT) والتّجارب المبنيّة أصلاً على الذّكاء الاصطناعيّ، ممّا جعله يسأل بطريقةٍ مختلفةٍ، ويتوقّع إجاباتٍ أسرع، أوضح، وأكثر إنسانيّةً؛ فقد أصبح أكثر اطّلاعاً، وأقلّ صبراً وتسامحاً مع التّفاعلات الجامدة والمحدّدة سلفاً.

هذا العميل الّذي نشأ في عصر الذّكاء الاصطناعيّ  يملك علاقةً مع المعلومات تختلف جذريّاً عن سابقه، معتاداً على الذّكاء الحواريّ، والسّياق الفوريّ، والأنظمة الّتي تتكيّف معه وتستجيب لاحتياجاته. مع ذلك، معظم تقنيات تجربة العملاء الحاليّة صُمّمت أصلاً لخدمة العملاء قبل عصر الذّكاء الاصطناعيّ، واليوم أصبح من المستحيل تجاهل هذه الفجوة.

الذّكاء الاصطناعيّ يُعيد رسم ملامح تجربة العملاء

اليوم، نرى الذّكاء الاصطناعيّ يغيّر طريقة عمل مراكز الاتّصال، لكنّه يعد بمستقبلٍ أوسع بكثيرٍ، حيث حجم التّحوّل المتوقّع يفوق ما يمكن تصوّرَه. خلال السّنوات القليلة المقبلة، ستُستبدل ما بين 50 و70% من أنظمة تجربة العملاء التّقليديّة أو سيُعاد تصوّرها بالكامل عبر مقارباتٍ قائمةٍ على الذّكاء الاصطناعيّ، لتصبح الأدوات أكثر ذكاءً واستجابةً وسلاسةً.

مع ذلك، لا تزال العديد من الشّركات تتعامل مع الذّكاء الاصطناعيّ على أنّه طبقةٌ إضافيّةٌ تُلصق بسير العمل القائم على أمل تحقيق تحسيناتٍ في الكفاءة، متجاهلةً جوهر التّحوّل. ولكن، الطّريق الأمثل يكمن في إعادة بناء الأدوات من أساسها، بدءاً من التّكنولوجيا الذّكيّة نفسها، لتصبح كلّ عمليّةٍ مصمّمةً بفهمٍ معمّقٍ لقدرة الآلات على التّعلّم والتّكيّف.

يضعنا هذا الواقع أمام أسئلةٍ صعبةٍ وضروريّةٍ: ما الّذي يجب أن تتقنه الآلات أفضل من البشر؟ وما الذي يجب أن يظلّ دوماً بيد الإنسان؟ وأين تعزّز الأتمتة التّجربة بشكلٍ حقيقيٍّ، وأين تضعف الثّقة بصمتٍ؟ كلّ إجابةٍ تكشف عن فرصةٍ، وكل فرصةٍ تحدّد شكل المستقبل الّذي يصنعه الذّكاء الاصطناعيّ لتجربة العملاء.

أصعب تحدٍ في الذّكاء الاصطناعيّ ليس اللّغة، بل المعنى

تكمن أعقد التّحدّيات في تجربة العملاء المدعومة بالذّكاء الاصطناعيّ في إدارة توقّعات العملاء غير المعلنة، وفهم المعنى ضمن السّياق الثّقافيّ، في وقتٍ لا تزال التكنولوجيا الحالية تكافح لحلّ أبسط المشكلات مثل التّعرّف على الكلام والتّرجمة.

لتقديم تجربة عملاء استثنائيّةٍ، يجب على الذّكاء الاصطناعيّ أن يفهم ليس فقط ما يقوله العملاء، بل كيف يقولونه، ولماذا يقولونه، وما الّذي يتوقّعونه في المقابل. لهذا السّبب، تواجه العديد من المنصّات العالميّة صعوبةً في اعتماد أدواتٍ جديدةٍ في كلّ منطقةٍ، لأنّ تجربة العملاء ليست كياناً واحداً عالميّاً يمكن التّعامل معه بتكنولوجيا واحدة تناسب الجميع.

لماذا تعود تقنيات تجربة العملاء إلى الطّابع الإقليميّ مرّةً أخرى؟

لطالما كانت تجربة العملاء محليّةً بطبيعتها، ولا يتجلّى هذا في مكانٍ أكثر من الأسواق النّاطقة بالعربيّة؛ فاللّغة العربيّة ليست لغةً واحدةً، بل مجموعة من اللّهجات، والنّغمات، والإشارات الثّقافيّة المتداخلة. لا يمكن للذّكاء الاصطناعيّ أن يفهمها بسهولةٍ، بل يجب تدريبه على اللّغة العربيّة نفسها، دون الاعتماد على ترجماتٍ ركيكةٍ وغير دقيقةٍ.

ولهذا السّبب، تتقدّم الشّركات الإقليميّة المصمَّمة على أساس الذّكاء الاصطناعيّ (AI-first) على غيرها. فهي لا تقوم بتكييف الذّكاء الاصطناعيّ للمنطقة، بل تبنيه منذ اليوم الأوّل خصيصاً للمنطقة. فهي تفهم اللّغة الأم، وسلوك العملاء المحلّيّ، وتدرّب الذّكاء الاصطناعيّ على محادثاتٍ فعليّةٍ حقيقيّةٍ، ما يمنحها ميّزةً جوهريّةً في تقديم تجربة عملاء دقيقةٍ وملموسةٍ.

القادة القادمون في تجربة العملاء لن يكونوا الأكبر حجماً، ولن يشبهوا ما عرفناه من قبل

سيأتي الجيل القادم من شركات تجربة العملاء مختلفاً؛ إذ سيكون أكثر مرونةً وحركةً، قادراً على التّكيّف بسرعةٍ مع العالم المتغيّر وسلوك العملاء الفعليّ. عندما تُبنى الأسس الهندسيّة على الذّكاء الاصطناعيّ  منذ اليوم الأوّل، تتسارع عمليّات الابتكار، وتُطلق القدرات الجديدة بسرعةٍ، وتصبح الاستجابة لسلوك العميل أمراً فوريّاً، على نحوٍ لا تستطيع أي منصّّةٍ عالميّةٍ ضخمةٍ تحقيقه بسهولةٍ، فهذه الأخيرة مثقلةٌ بعقودٍ من التّكنولوجيا القديمة والعمليّات التّقليديّة، ويكاد التّغيير فيها يقتضي قلب كلّ شيءٍ رأساً على عقبٍ.

بالنّسبة للشّركات المولودة في بيئة الذّكاء الاصطناعيّ (AI-native)، لا يُعدّ الذّكاء الاصطناعيّ اضطراباً طارئاً، بل هو الأساس الّذي تقوم عليه بنيتها بالكامل، ويُمكّنها من صياغة تجربة العملاء من الأساس، وفقاً لطبيعة العصر الحديث وسلوكيّات العميل المتطوّرة. ويصنع هذا الاختلاف -في جوهره- الفرق الحقيقيّ، ويكشف عن قوّةٍ لا يلمسها إلّا من يعيش التّحوّل عن قربٍ، أكثر ممّا يدركه معظم النّاس.

لماذا اخترت خوض هذه الخطوة؟

لم أغادر عالم الشّركات الكبرى لأنّ هذا العالم توقّف عن العمل، بل لأنّني استطعت رؤية مصدر الزّخم الحقيقيّ. جيلٌ جديدٌ من الشّركات ينهض اليوم، شركاتٌ أقرب إلى العملاء، وأكثر تماساً مع المشكلات الفعليّة الّتي تحتاج إلى حلول.

في أسواقٍ مثل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)، بدأ هذا التّحوّل يحدث بالفعل؛ فالشّركات المحليّة تبني ذكاءً اصطناعيّاً عربيّاً لا تستطيع المنصّات العالمية تكراره، ببساطةٍ لأنّها ولدت مع السّوق، وفهمت تفاصيله الدّقيقة منذ البداية.

لماذا الآن، ولماذا مقسم؟

التّوقيت ليس مجرّد عاملٍ مساعدٍ، بل هو اللّحظة الّتي تتقاطع فيها الاستعدادات مع التّحوّل. واليوم، يقف قطّاع تجربة العملاء عند واحدةٍ من تلك اللّحظات الفاصلة؛ إذ يتسارع اعتماد الذّكاء الاصطناعيّ بوتيرةٍ لم يسبق لها مثيل، في وقتٍ لا تزال فيه كثيرٌ من المنصّات المؤسّسيّة تحاول تكييف أسسها القديمة الّتي لم تُصمَّم أصلاً لمثل هذا التّحوّل العميق.

في هذا السّياق يتبلور تميّز مقسم (Maqsam) بصورةٍ منطقيّةٍ وطبيعيّةٍ؛ فهو لم يرث بنيةً تقنيةً مثقلةً بالماضي، ولم يُجبر على تكييف أنظمةٍ قديمةٍ مع واقعٍ جديدٍ، بل وُلد بلا قيودٍ، ومُصمَّماً منذ البداية ليكون سريعاً، متكيّفاً، وعميق الفهم. ومن هذا الأساس تحديداً، بُني الذًكاء الاصطناعيً في صميم المنصة، لا كطبقةٍ مضافةٍ، بل كجوهرٍ تشغيليٍّ، فيما اعتُبرت اللّغة العربيّة عنصراً تأسيسياً لا تفصيلاً لاحقاً.

هذا البناء المتكامل هو ما يمنح المنصّة قدرتها على التّفاعل الطّبيعيّ مع العملاء، وفهم سياقاتهم الدّقيقة، متجاوزةً حدود معالجة الكلمات إلى استيعاب النّبرة، واللهجة، والإشارات الثّقافيّة الكامنة في الحديث. ومن هنا تحديداً تنبع أهميّة وكيل الذّكاء الاصطناعيّ في مقسم؛ فهو ليس أداةً تقنيةً معرّبةً، بل منتج عربي أصيل، صُمم ليفهم اللّهجات والفروق الدّقيقة والسّياق بعمقٍ لا تستطيع المنصّات العالميّة استنساخه، لأنّه لم يُبنَ كنسخةٍ معدّلةٍ من نموذجٍ عالميٍّ يحاول تقريب اللّغة عبر التّرجمة، بل كذكاءٍ اصطناعيٍ نشأ منذ البداية لخدمة حوارات العملاء باللّغة العربيّة، وينمو ويتطوّر وفق خصوصيّة الأسواق المحليّة.

ضمن هذا التّحوّل المتسارع، تبدو هذه اللّحظة بالنّسبة لي شخصيّةً بقدر ما هي مهنيّة. بعد سنواتٍ من العمل على نطاقٍ واسعٍ داخل منظوماتٍ كبرى، أصبح واضحاً أين يمكن للخبرة أن تُحدث أثراً حقيقيّاً. يُعاد تصميم تجربة العملاء أمام أعيننا في الزّمن الحاليّ، والذّكاء الاصطناعيّ لم يعد مفهوماً نظريّاً يُناقش في المؤتمرات، بل أداة عمليّة تُعيد رسم قواعد اللّعبة. وفي خضمّ هذا التّحوّل، لم يعد اللّاعبون الإقليميّون يسعون إلى اللّحاق بالرّكب، بل أصبحوا هم من يقودون السّوق بثقةٍ، واضعين معايير جديدةٍ للفهم والتّفاعل، ومعيدين تعريف معنى أن تكون تجربة العميل دقيقةً، شخصيّةً، ومنسجمةً مع الواقع المحلّيّ كما لم يحدث من قبل.

ماذا ينتظرنا بعد ذلك؟

سيعود المستقبل للشّركات الّتي تعرف كيف تمزج بين التّكنولوجيا والذّكاء الثّقافيّ، الشّركات الّتي توازن ببراعةٍ بين الأتمتة والبصمة الإنسانيّة، فتترك المجال للآلات حين تخدم التّجربة، وتتراجع لتفسح المجال للبشر حين تتطلّب التّفاصيل والحسّ الإنسانيّ. في كل تفاعلٍ، يُحترم العميل ويُقدَّر البُعد الإنسانيّ، فلا يصبح مجرّد رقمٍ أو عمليّةٍ، بل شريك في التّجربة.

سيكون مستقبل تجربة العملاء من نصيب الشّركات المرنة، المصمّمة على أساس الذكاء الاصطناعي، والمتجذّرة إقليميّاً. وهذا المستقبل لم يعد حلماً بعيد المنال، ولا مجرّد رؤيةٍ نظريّةٍ، بل يُصنع بالفعل، أقرب إلى مجتمعنا، في أسواقنا وبيئاتنا المحليّة، حيث تتجسّد الخبرة والذّكاء والمرونة في كلّ تواصلٍ، وكلّ لحظة تفاعلٍ، لتعيد تعريف تجربة العملاء كما نعرفها اليوم.

عن الكاتب

أحمد زغموري يشغل منصب نائب الرّئيس لشؤون الإيرادات في مقسم، الحلّ الرّائد لمراكز الاتّصال المبنيّة على الذّكاء الاصطناعيّ في منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا، والمصمّم لإحداث ثورةٍ في تجربة العملاء. يعتمد مقسم على أحدث التّطوّرات في تكنولوجيا الذّكاء الاصطناعيّ، وقد قدّم قدراتٍ متقدّمةً في نسخ المكالمات العربيّة بدقّةٍ، والتّحليلات المتطوّرة، واستخلاص الرّؤى العمليّة، إلى جانب نمذجةٍ فريدةٍ للذّكاء الاصطناعيّ تعتمد على نموذجٍ لغويٍ كبيرٍ (LLM) صُمم داخليّاً. ولمزيدٍ من المعلومات يمكن زيارة الموقع الرّسميّ: maqsam.com.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 8 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: