كيف تضع استراتيجيّة أعمال رابحة لعام 2026؟
دليلٌ عمليّ يعيد تعريف الاستراتيجيّة في عصر الذّكاء الاصطناعيّ وعدم اليقين، ويبيّن كيف يفكّر القادة بوضوحٍ، ويتّخذون قراراتٍ واعيةً، ويحوّلون الرّؤية إلى أداءٍ مستدامٍ
مع اقتراب الأفق الزمني من عام 2026، تتّضح حقيقة لا تقبل الالتباس: لم يعد صالحاً التصوّر القديم للاستراتيجيّة للغرض الذي وُضع من أجله. فعلى مدى عقود طويلة، نُظِر إلى الاستراتيجيّة بوصفها خطّة ثابتة؛ وثيقة تُنتَج مرّة واحدة كلّ عام، تُبنى على توقّعات، وجداول بيانات، وافتراضٍ جوهريّ مفاده أنّ المستقبل قابل للتنبّؤ إذا ما توفّر قدرٌ كافٍ من التحليل. كان هذا التصوّر، في سياقه التاريخي، مقبولاً ومفهوماً.
غير أنّ هذا النموذج بدأ يتداعى في عالم اليوم، عالم التسارع المتغذّي على الذّكاء الاصطناعي، والتقلّبات الجيوسياسيّة، وتحولات توقّعات المستهلكين، والمنافسة المتواصلة التي لا تهدأ. في هذا السياق المتشابك، لم تعد الخطّة الجامدة قادرة على مواكبة الواقع، فضلًا عن توجيهه.
القادة الذين سيحسمون موقعهم في عام 2026 لن يكونوا أولئك الذين يملكون أكثر العروض الاستراتيجيّة كثافةً أو أثقلها وزناً، بل سيكونون القادرين على التفكير الاستراتيجي، واتّخاذ القرار، والتصرّف بوعيٍ استراتيجي، وبصورة متّسقة، وتحت الضغط، وفي لحظات الغموض. بعد أكثر من 25 عاماً من العمل الاستشاري مع قادة عبر قطاعات متنوّعة ومناطق جغرافيّة مختلفة، ومن خلال الخبرة التي وثّقتها في كتابي كن أكثر استراتيجيّة (Be More Strategic)، تكرّر أمامي نمط واحد بوضوح: الاستراتيجيّة هي الحلقة التي تصل الوعي بالاختيار، والاختيار بالفعل، والفعل بالأثر.
ومن هذا المنطلق، إذا كنت مؤسّساً أو رئيساً تنفيذيّاً تطرح السؤال: «كيف أبني استراتيجيّة أعمال رابحة لعام 2026؟»، فهنا نقطة البداية.
1. توقّف عن اعتبار الاستراتيجيّة حدثاً، واجعلها ممارسة يوميّة
من أكثر الأخطاء شيوعاً بين القادة، وغالباً من دون إدراك، الاعتقاد بأنّ «الاستراتيجيّة تحدث في الاجتماع السنوي خارج المكتب». في الواقع، تتشكّل الاستراتيجيّة في مئات اللحظات اليوميّة الصغيرة:
- أيّ الفرص تختار القبول بها وأيّها ترفض؟
- أين توجّه الانتباه والموارد والاستثمار؟
- كيف تتصرّف حين تصطدم الخطط بالواقع ولا تصمد أمامه؟
لا تولد الاستراتيجيّات الرابحة من جلسة واحدة، بل تنبثق حين يطوّر القادة قدرة مستمرّة على التفكير الاستراتيجي في الزمن الحقيقي، لا مرّة أو مرّتين في العام.
بالنسبة إلى عام 2026، يعني هذا التحوّل من «التخطيط بجهد أكبر» إلى «التفكير بجودة أعلى». فالاستراتيجيّة ليست محاولة للتنبّؤ بالمستقبل، بل قدرة على الحفاظ على صفاء الذهن، والمرونة، والحسم، عندما يرفض المستقبل أن يكون قابلًا للتوقّع.
2. ابدأ بالوعي الذاتي الاستراتيجي (قبل الإغراق في التحليل)
تنطلق معظم عمليّات الاستراتيجيّة من الخارج: السوق، المنافسون، الاتّجاهات الكبرى. غير أنّ أقواها تبدأ من نقطة أقلّ وضوحاً، وأكثر حساسيّة: القائد نفسه. فمعتقداتك، وافتراضاتك، ومخاوفك، وعاداتك الذهنيّة، ونقاطك العمياء، تصوغ كلّ خيار استراتيجي تتّخذه. وعندما يشتدّ الضغط، لا يرتقي القادة إلى مستوى وثائقهم الاستراتيجيّة أو خطاباتهم العامّة، بل يعودون -غالباً- إلى أنماط تفكيرهم الافتراضيّة، وكثير منها يعمل تحت مستوى الوعي.
اطرح على نفسك الأسئلة الآتية:
- ما الافتراضات التي أبنيها حول النموّ أو المخاطرة أو النجاح، وربّما لم تعد صالحة؟
- أين أجد نفسي أستجيب بردّة فعل بدل أن أختار بوعي؟
- وما القرارات التي أؤجّلها لأنّها تثير عدم الارتياح؟
في عام 2026، يكتسب القادة الذين يستثمرون في الوعي الذاتي ميزة حاسمة: القدرة على التمييز بين الإشارات والضجيج، والاستجابة بقصدٍ واستباق، لا بانفعال وتلقائيّة.
3. صمّم الاستراتيجيّة لعدم اليقين، لا لليقين
تفترض الاستراتيجيّة التقليديّة بيئة مستقرة، أمّا الاستراتيجيّة المعاصرة فتنطلق من افتراض الاضطراب. ولكن، الاستراتيجيّة الرابحة لعام 2026 ليست إجابة واحدة نهائيّة، بل منظومة من الخيارات الذكيّة.
وبدل السؤال: «ما خطّتنا؟»، يصبح الأجدى أن تسأل:
- ما الذي يجب أن يكون صحيحًا كي تنجح هذه الاستراتيجيّة؟
- ما الإشارات المبكرة التي ينبغي مراقبتها؟
- أين نحتاج إلى المرونة أكثر من الدقّة؟
- وأين يتفوّق التقدّم العملي على الكمال النظري؟
يستند هذا النهج إلى أفضل ما قدّمته أبحاث التفكير الاستراتيجي والممارسة الواقعيّة. وهو يمكّن القادة من التحرّك بسرعة أكبر، وتصحيح المسار في وقت أبكر، وتفادي الالتزام المفرط بافتراضات قد تفقد صلاحيتها سريعاً. فالمؤسّسات الأكثر قدرة على الصمود لا تراهن بكلّ أوراقها على مستقبل واحد، بل تبني تعدّديّة واعية في خياراتها الاستراتيجيّة.
4. اجعل الإبداع مهارة استراتيجيّة جوهريّة
لا يزال الإبداع، في نظر كثير من القادة، يُعامَل كعنصر ثانويّ، إن لم يكن ترفاً. غير أنّ الواقع يشير إلى أنّ الإبداع أصبح ضرورة استراتيجيّة لا غنى عنها. فمع تولّي الذّكاء الاصطناعي أتمتة التنفيذ والتحسين، تنتقل الميزة الإنسانيّة إلى مجالات مثل:
- فهم المشكلات وإعادة صياغتها.
- الربط بين الأفكار عبر مجالات متباعدة.
- تخيّل مقترحات قيمة جديدة.
- اكتشاف الفرص التي لا يراها الآخرون.
- وبناء الاتصال الإنساني والعاطفي.
لا يتعلّق الإبداع بالأفكار الجامحة، بل بتوسيع أفق الخيارات الاستراتيجيّة الممكنة. ومع التوجّه إلى عام 2026، يصبح من الضروري طرح أسئلة مثل:
- أين نبرع في حلّ المشكلة الخطأ؟
- ما إحباطات العملاء التي اعتدنا عليها بدل إعادة تخيّلها؟
- وأيّ القيود نعتبرها حتميّة، وهي في الحقيقة مفروضة ذاتيّاً؟
القادة الذين ينمّون الفضول والخيال وتعدّد المناظير لا يكتفون بمجاراة التغيير، بل يسهمون في تشكيله.
5. حوّل الاستراتيجيّة إلى قرارات إنسانيّة واضحة يمكن تحمّل مسؤوليّتها
الاستراتيجيّة التي لا يمكن شرحها بوضوح لا يمكن تنفيذها عمليّاً. ومن أكثر الجوانب إهمالاً في العمل الاستراتيجي «صناعة المعنى»: مساعدة الناس على فهم ما الذي يهمّ الآن، وما الذي لم يعد كذلك، ولماذا. بالنسبة إلى المؤسّسين والرؤساء التنفيذيّين، يتجلّى هذا في:
- توضيح المفاضلات بلا مواربة.
- القدرة على قول «لا» علنًا وباتّساق.
- ربط الخيارات الاستراتيجيّة بالأولويّات اليوميّة على أرض الواقع.
فالناس لا ينفّذون الاستراتيجيّة لأنّها مكتوبة، بل لأنّها مفهومة ومقنعة بالنسبة إليهم. في عام 2026، سيكون القادة الرابحون هم القادرون على صياغة سرديّة استراتيجيّة متماسكة، تربط الغاية بالأولويّات وبالفعل، على نحو يدفع الناس إلى الالتزام الحقيقي.
شاهد أيضاً: 4 اتجاهات تسويق يجب معرفتها في عام 2024
6. انتقل من التحكّم إلى الثقة الاستراتيجيّة
مع نموّ المؤسّسات، يلجأ القادة غالباً إلى تشديد التحكّم، غير أنّ هذا المسار كثيراً ما يأتي بنتائج عكسيّة. تعتمد المؤسّسات عالية الأداء في بيئات عدم اليقين على الإدارة التفصيليّة بدرجة أقلّ، وعلى الوضوح والثقة بدرجة أكبر. فعندما يفهم الأفراد النيّة الاستراتيجيّة، يصبحون أقدر على اتّخاذ قرارات أفضل وأسرع في مواقعهم.
اسأل نفسك:
- هل يعرف الناس لماذا نفعل ما نفعل؟
- أين نبطّئ القرارات بلا ضرورة؟
- وأيّ القرارات يمكن دفعها أقرب إلى العميل أو الصفوف الأماميّة؟
القادة الذين سينجحون في عام 2026 لن يحاولوا التحكّم في التعقيد، بل سيخلقون الظروف التي تسمح بحدوث قرارات استراتيجيّة سليمة في كلّ مستويات المؤسّسة.
7. قِس ما يهمّ حقّاً
تفشل الاستراتيجيّة عندما يتخلّف القياس عن الواقع. فالكثير من المؤسّسات تراقب ما يسهل قياسه، لا ما يقود النجاح طويل الأمد فعلاً. وتوازن الاستراتيجيّة الرابحة لعام 2026 بين:
- الأداء قصير الأجل.
- وبناء القدرات طويلة الأجل.
- والتعلّم والتكيّف المستمرّين.
ويعني ذلك الانتباه ليس فقط إلى النتائج، بل إلى الكيفيّة التي تُنتج بها هذه النتائج:
- هل تتسارع القرارات أم تتباطأ؟
- هل يتقدّم التعلّم أم يركد؟
- وهل يبني القادة قدرتهم الاستراتيجيّة أم ينهكون؟
فالاستراتيجيّة لا تتعلّق بالمخرجات وحدها، بل ببناء القدرة على الاستمرار في الفوز.
الخلاصة
لن تولد الاستراتيجيّة التجاريّة الرابحة لعام 2026 من إطارٍ نظريّ واحد أو من توقّعٍ محكم للمستقبل، بل ستنبثق من قادة يمتلكون القدرة على التفكير بوضوح وسط عدم اليقين، واتّخاذ خيارات واعية وجريئة في لحظات الضغط، وحشد الناس حول المعنى لا عبر التحكّم، ثم تحويل البصيرة إلى فعلٍ متواصل يراكم أثره مع الزمن. ففي عالمٍ يتّسم بتغيّر دائم لا يهدأ، لا تكمن الميزة التنافسيّة القصوى في امتلاك خطّة مثاليّة، بل في القدرة على أن تكون أكثر استراتيجيّة… يوماً بعد يوم.
عن المؤلّف
تشارلي كورسون (Charlie Curson) مستشار استراتيجي، ومدرّب قيادة معتمد، ومؤلّف كتاب كن أكثر استراتيجيّة: 12 ممارسة أساسيّة للحياة والمسار المهني الذي تريده (Be More Strategic: 12 Essential Practices for the Life and Career You Want). يقدّم المشورة للمؤسّسين والقادة والفرق في مجالات الاستراتيجيّة والقيادة والنموّ، وهو مستثمر ملاك في شركات ناشئة في مراحلها الأولى.