كيف تعيد TikTok Next صياغة علاقة العلامات التجارية مع الجمهور في عام 2026؟
تقريرٌ استشرافيٌّ يرسم ملامح مرحلةٍ جديدةٍ في تواصل العلامات مع الجمهور، حيث يتقدّم الفضول والواقعيّة والمعنى العاطفيّ لصياغة علاقة أعمق وأكثر تأثيراً
بعد عامٍ مالت فيه العلامات التجارية إلى الانخراط بعمق في اللحظات الثقافية، وبناء الشراكات مع صنّاع المحتوى، والتفاعل مع المجتمعات المتخصّصة، ضمن ما تصفه منصة "تيك توك" (TikTok) بمفهوم «كيمياء العلامة التجارية» (Brand Chem)، تعود المنصة اليوم لتضع الإطار العام لما هو قادم. ويأتي تقرير "تيك توك نكست" (TikTok Next)، وهو الإصدار السادس من توقّعات الاتجاهات السنوية للشركة، ليقدّم للمسوّقين خريطة طريقٍ استشرافية تستند إلى تحوّلات سلوك المستخدمين، ومشاعر المجتمعات الرقمية، وتطوّر توقّعات الجمهور خلال عام 2026.
ويصدر هذا التوقّع في لحظةٍ تتّسم فيها علاقة العلامات التجارية بالجمهور بقدرٍ أكبر من الجدية والانتقائية. فبحسب التقرير، لم يعد المستخدمون راضين عن الإبداع السطحي أو الرسائل العابرة، بل باتوا يبحثون عن محتوى يبدو إنسانياً، وملائماً، ومتجذّراً عاطفيّاً، مع قدرته في الوقت نفسه على تحقيق أثرٍ تجاري واضح. ومن هنا، يتموضع "تيك توك نكست" بوصفه دليلاً لإنتاج محتوى قادر على إحداث صدى، وإلهام الجمهور، وتحفيزه على التفاعل والتحويل، مستنداً إلى رؤى معمّقة حول طريقة تفكير مجتمع المنصة وشعوره الجماعي.
وفي هذا السياق، علّقت صوفيا هيرنانديز، الرئيسة العالمية لتسويق الأعمال في "تيك توك" (TikTok)، قائلة: "بحلول عام 2026، سنشهد تحوّلاً حقيقياً في الطريقة التي يحضر بها الناس على الإنترنت. لن يكتفي المستخدمون بالتمرير السلبي، بل سيدخلون في وضع اكتشاف كامل، يقودهم الفضول، ويتوقّعون عائداً واضحاً مقابل الوقت الذي يستثمرونه. وهذا يعني، بالنسبة إلى العلامات التجارية على تيك توك، أنّ عصر الاستهلاك السلبي قد انتهى. سيتعيّن على المسوّقين مواكبة اللحظات الثقافية والمشاركة فيها لحظة وقوعها، مع إظهار القيمة التي يقدّمونها بوضوح. العلامات التي ستنجح هي تلك القادرة على الجمع بين الفهم الإنساني العميق وأدوات الذكاء الاصطناعي الأذكى والبيانات الأكثر ثراءً، لإنتاج محتوى يبدو ملائماً، ومتفاعلاً، وجديراً فعلاً بالاهتمام".
وفي قلب توقّعات هذا العام، يبرز مفهوم «الغريزة التي لا تُستبدل» (Irreplaceable Instinct)، وهو تحوّل يجعل الفضول، والقناعة، والاهتمام قوى محورية في بناء التواصل. وقد جرى استخلاص إشارات اتجاهات عام 2026 بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، غير أنّ تفسيرها تمّ عبر الغريزة الإنسانية، في انعكاسٍ مباشر لطريقة تفاعل المستخدمين مع العالم من حولهم. وتقول تيك توك إنّ مجتمعها يعيش حالةً من التفاؤل، يختلط فيها الشعور بالأمل أحياناً بالإرهاق، مع دافع قوي تحرّكه الرغبة في الفضول والاكتشاف. وقد شكّلت هذه المشاعر والسلوكيات المشتركة الأساس الذي بُنيت عليه ثلاثة محاور رئيسة لاتجاهات العام المقبل: «ريالي-تي» (Reali-TEA)، و«منعطفات الفضول» (Curiosity Detours)، و«العائد العاطفي على الاستثمار» (Emotional ROI).
ويعكس محور «ريالي-تي» تحوّلاً واضحاً بعيداً عن الخيال والهروب، باتجاه واقعٍ مشترك وأكثر رسوخاً. وتشير تيك توك إلى أنّ الجمهور في عام 2026 يعيد تنظيم نفسه وسط الفوضى لبناء أشكال جديدة من التواصل الجماعي. ولم يعد إضفاء الطابع الإنساني على العلامة التجارية يتحقّق عبر استخدام صورة رمزية للذكاء الاصطناعي أو روبوت محادثة فحسب، بل أصبح يتطلّب الإصغاء الحقيقي، والتعلّم المستمر، ومشاركة قصص صادقة تعكس ما يشعر به الناس فعلاً. وعلى المنصة، انتقل المستخدمون من تمجيد الحياة المثالية إلى تبنّي ما تطلق عليه تيك توك وسم «الإغلاق الكبير» (#TheGreatLockIn)، وهي ذهنية تركز على تطوير الذات، والانخراط في مجتمعات تقوم على المساءلة. ولم يعد الهروب وحده كافياً لتلبية هذا التوجّه.
وانطلاقاً من ذلك، تحصد العلامات التجارية التي تساعد جمهورها على اجتياز حالة عدم اليقين بشكلٍ جماعي مستوياتٍ أعمق من الولاء. وتستشهد تيك توك بعلامة "أوريو" (Oreo) مثالاً على قراءة الإشارات الثقافية في الزمن الحقيقي؛ فمن خلال محاكاة لغة الجمهور وسلوكه، التقطت أوريو مزحةً ناشئة حول «الاندماج مع أفضل صديق»، وذلك خلال تعاونها مع علامة "ريسز" (Reese’s)، حيث قدّمت منشوراً بصرياً دمجت فيه العلامتين حرفيًا في صورة واحدة. وقد أصبح هذا المنشور ثاني أفضل محتوى أداءً لأوريو خلال عام 2025.
وترى تيك توك أنّ مثل هذه اللحظات تلقى صدىً واسعًا لأنها تتيح للجمهور الضحك، والتأمّل، والشعور بأنّه مفهوم، سواء في لحظات الارتفاع أو الانخفاض. ولمواكبة هذا الإيقاع، تنصح المنصة العلامات التجارية بتجنّب تثبيت خطط المحتوى قبل أشهر طويلة، والعمل بدلاً من ذلك على بناء قدرٍ من المرونة يسمح بالتفاعل مع الحوارات الثقافية مع تطوّرها.
أما محور «منعطفات الفضول»، فيضع الفضول في صدارة المشهد بوصفه العملة الحاسمة لعام 2026. وتقول تيك توك إنّ المستخدمين أصبحوا أكثر وعياً بأنّ الاعتماد المفرط على التكنولوجيا للانتقال من نقطة إلى أخرى قد يعني تفويت فرص الاكتشاف التي تتكشّف على الطريق. وعلى المنصة، لم يعد البحث مجرّد أداة وظيفية، بل تحوّل إلى تجربة استكشافية؛ إذ يدخل المستخدمون بنيّة محدّدة، لكنّهم يواجهون رؤى غير متوقّعة، ونصائح موثوقة، وسرديات تقودهم إلى مسارات جديدة.
وتصف تيك توك البحث على منصتها بأنّه أقرب إلى نزهةٍ مفتوحة منه إلى مهمّة محدّدة؛ فاستعلام واحد غالباً ما يتوسّع ليصبح سلسلة من الاكتشافات، تمتد من النصائح والحيل، إلى التجارب الشخصية التي تُشارك في التعليقات. ويتراجع الاستهلاك السلبي لصالح مشاركة نشطة، حيث يتصفّح المستخدمون سلاسل التعليقات، ويعيدون صياغة عمليات البحث، مثل «نوع مكياجي»، لفهم احتياجاتهم الفردية، مع متابعة دقيقة لما يناقشه الآخرون في الزمن الحقيقي. ووفقاً لتيك توك، يقول اثنان من كل ثلاثة مستخدمين يعتمدون المنصة كأداة بحث إنّ أحد الأسباب الرئيسة لذلك هو اكتشافهم معلومات مفيدة تتجاوز ما كانوا يبحثون عنه أصلًا. ويعني هذا النمط من الاستكشاف أنّه لم يعد هناك مدخل واحد للعلامة التجارية، بل حركة سلسة بين الفئات والاهتمامات والحوارات، تتغيّر مع تطوّر فضول المستخدم.
وتجسّد تجربة "دوراسيل" (Duracell) هذا التحوّل بوضوح؛ فمن خلال الإصغاء إلى الطريقة التي يصف بها المستخدمون رحلات بحثهم، اكتشفت العلامة رابطاً غير متوقّع بين بطّارياتها ومجتمع موسيقى "الكي-بوب" (K-pop)، حيث يعتمد المعجبون عليها لتشغيل عصيّ الإضاءة في الحفلات. وما بدأ بوصفه اكتشافاً هامشياً، تطوّر لاحقاً إلى شريحة نمو جديدة ذات قيمة استراتيجية، وأولوية واضحة للعلامة في عام 2026.
وتؤكّد تيك توك أنّ هذا النهج لا يعني توسيع نطاق الجاذبية بشكل عشوائي، بل الحضور الأصيل خارج الفئات الجوهرية المتصوَّرة. وفي هذا الإطار، تشجّع المعلنين على استخدام أدوات مثل «حزمة محتوى تيك توك ون» (TikTok One Content Suite) لتحليل الإشارات العضوية المرتبطة بالعلامة، وفهم كيفية حديث المجتمعات عنها، والتعاون مع صنّاع المحتوى لتحويل تلك الرؤى إلى حملات عضوية ومدفوعة على حدّ سواء.
ويختتم محور «العائد العاطفي على الاستثمار» توقّعات التقرير، مشيراً إلى تحوّل واضح من الشراء الاندفاعي إلى اتخاذ قرارات أكثر وعياً وتعقّلاً. وتتوقّع تيك توك أنّ المتسوّقين في عام 2026 سيكافئون العلامات التي توضّح بجلاء سبب استحقاق منتجاتها مكاناً في حياتهم. ففي الوقت الذي يقلّص فيه كثير من المستخدمين إنفاقهم على الكماليات، يتّسع تعريف ما يُعدّ ضرورياً، مع لعب العاطفة دوراً محورياً في هذا التحوّل. ولم تعد قرارات الشراء محكومة بالسعر وحده، بل بالبحث عن منتجات تؤدّي وظيفتها بصدق، أو تدعم طقوساً شخصية، أو تسهم في تعزيز الرفاه.
وتشير تيك توك إلى أنّ الجمهور يتلقّى توصيات المنتجات على نحوٍ متزايد من الأصدقاء، أو من تجارب داخل المتاجر، أو عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، قبل التوجّه إلى المنصة لمقارنة الخيارات والتحقّق من قراراتهم عبر صنّاع محتوى موثوقين قبل إتمام الشراء. وتفيد المنصة بأنّ 81% من المستخدمين يقولون إنّ تيك توك يزوّدهم بفهمٍ أوضح لكيفية استخدام المنتجات في الحياة الواقعية. ونتيجة لذلك، أصبح «سبب الشراء» لا يقلّ أهمية عن المنتج نفسه، حيث يبحث الجمهور عن السياق والمصداقية بدل الرسائل البيعية المباشرة.
وتقدّم علامة "أوديبل" (Audible) نموذجاً تطبيقياً لكيفية الاستفادة من مفهوم «العائد العاطفي على الاستثمار». فمن خلال دعوة مجتمع تيك توك إلى مشاركة ترشيحات كتب بخمس نجوم، أطلقت العلامة موجة تفاعل واسعة رفعت مستوى الوصول بنسبة 376% مقارنة بمتوسّط أداء قناتها، مع امتلاء قسم التعليقات باقتراحات حماسية من مجتمع «بوك توك» (#BookTok). ومن خلال الانتقال من موقع الخبير إلى موقع الشريك في السرد، أتاحت أوديبل للمستمعين قيادة الحوار بأنفسهم.
ومع إعادة المتسوّقين تعريف مفهوم القيمة عبر المعنى، والبهجة، والشعور بالانتماء، تنصح تيك توك العلامات التجارية بإظهار أثرٍ حقيقي في تفاصيل الحياة اليومية، سواء عبر مردود عاطفي ملموس، أو روابط مجتمعية، أو قيمة طويلة الأمد. وبالاستعانة بأدوات مثل «استوديو سيمفوني الإبداعي» (Symphony Creative Studio)، تستطيع العلامات تكييف فكرة واحدة عبر لغات وصيغ وأساليب متعدّدة، في تأكيدٍ لرؤية تيك توك بأنّه في مشهد تجاري يتّسم بقدرٍ أعلى من القصدية، يكون المحتوى الأكثر صلة وعمقًا، لا الأعلى صوتًا، هو ما يحسم الفوز في النهاية.