كيف تحوّل الشركات الصغيرة والمتوسطة الاضطراب إلى فرص للنمو والتوسع؟
تلعب الشركات الصغيرة والمتوسطة دوراً محورياً في دعم الاقتصاد والابتكار، مع تسارع التحول الرقمي وتعزيز المرونة في مواجهة التحديات.
هذا المقال متوفر بالنسخة الإنجليزية من هنا
مع بداية هذا العام، شاركتُ عبر لينكدإن أن قراري الشخصي لعام 2026 هو أن أقضي وقتاً أطول مع عائلتي. قد يبدو الأمر بسيطاً، لكنّه، مثل معظم الأشياء ذات المعنى الحقيقي، يحتاج إلى نية واعية والتزام فعلي.
بعض أجمل لحظاتنا العائلية تحدث داخل المشاريع الصغيرة المتداخلة مع تفاصيل حياتنا اليومية؛ كالمخبز القريب الذي يحوّل صباحات الأحد إلى طقسٍ ثابت ننتظره، أو المقهى الذي لا يفوّت فيه ابني فرصة طرح سؤال جديد عن كيفية عمل النافورة. هذه الأماكن ليست مجرد أعمال تجارية، بل جزء من إيقاع حياتنا اليومية وملامحها الإنسانية.
وفي الوقت نفسه، تواجه كثير من هذه المشاريع واحدة من أكثر البيئات التشغيلية صعوبة خلال السنوات الأخيرة. فبعد أسابيع من الاضطراب وعدم اليقين، لم يعد التفاؤل وحده كافياً ما لم يكن قائماً على واقعية حقيقية. إذ إن المرونة ليست أمراً تلقائياً، بل قرار واعٍ بمواصلة التكيّف والاستثمار والتقدّم حتى عندما تصبح الظروف أكثر تعقيداً. ولا يوجد قطاع يجسّد هذه المرونة أكثر من الشركات الصغيرة والمتوسطة.
تؤدي الشركات الصغيرة والمتوسطة دوراً هائلاً في اقتصادات المنطقة. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة وحدها، تسهم بأكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، ما يجعلها عنصراً محورياً في التنويع الاقتصادي، والابتكار، وخلق فرص العمل.
فهذه الشركات هي مورّدونا، وأصحاب العمل لدينا، وغالباً ما تكون أيضاً مصدراً للحلول الجديدة والمبتكرة. وقدرتها على الاستمرار وسط حالة عدم اليقين تترك أثراً يمتد إلى ما هو أبعد بكثير من ميزانياتها الفردية؛ إذ تحافظ على الوظائف، وتعزّز الثقة، وتُبقي عجلة النشاط الاقتصادي مستمرة.
ومن السهل أن يقتصر التركيز على التحديات فقط: ضغوط التدفقات النقدية، وتقلبات التشغيل، والقرارات المعقّدة المتعلقة بالإدارة، والاستثمار، والتوظيف. لكن هذه ليست سوى جزء من الصورة. ففترات الاضطراب تسرّع التحوّل أيضاً.
ولا شك في أن المناخ الحالي يشكّل محفّزاً حقيقياً للتغيير. وتتكيف الشركات الصغيرة والمتوسطة مع ذلك بمرونة لافتة. فبعضها يعيد توظيف منتجاته ومساحاته، فيما تعيد شركات أخرى هيكلة عملياتها عبر تبنّي رقمنة أعمق؛ من خلال تطوير قدرات التجارة الإلكترونية، وتبسيط العمليات التشغيلية، أو استخدام التكنولوجيا للتفاعل مع العملاء بطرق أكثر تأثيراً واستجابة.
كما أصبحت الرؤية المالية الواضحة أكثر أهمية من أي وقت مضى. ففي البيئات غير المستقرة، يحتاج أصحاب الأعمال إلى فهم لحظي للتدفقات النقدية، وسلوك العملاء، والأداء التشغيلي، حتى يتمكنوا من اتخاذ قرارات أسرع وأكثر ثقة.
أما الأمن السيبراني، فلم يعد مجرد قضية تقنية، بل تحوّل إلى عنصر حاسم لاستمرارية الأعمال. فكلما توسّعت الشركات في التحول الرقمي، أصبحت المخاطر أكثر تعقيداً وتطوراً. وفي المقابل، بدأت المؤسسات في مختلف أنحاء المنطقة تتعامل مع هذه التحديات بدرجة أكبر من السرعة والجدية.
وأشارت دراسة صادرة عن Gartner إلى أن الإنفاق على أمن المعلومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بلغ نحو 3.3 مليارات دولار أمريكي خلال عام 2025، مدفوعاً بالتركيز المتزايد على المرونة السيبرانية، والتحول الرقمي الآمن، واستمرارية العمليات التشغيلية. وبالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة تحديداً، أصبحت القدرة على الصمود مرتبطة بشكل متزايد ببناء الثقة داخل كل عملية دفع، وكل تفاعل، وكل نقطة اتصال رقمية.
وفي الوقت ذاته، أرى أن الوصول إلى البيانات والرؤى التحليلية أصبح ميزة تنافسية حقيقية للشركات الصغيرة والمتوسطة. فعندما تتمكن من رؤية الصورة الأوسع والاتجاهات الناشئة، يصبح بإمكانك تحديد ما تحتاج إليه أكثر، وأين يجب أن تستثمر، وما الأدوات التي ينبغي إعطاؤها الأولوية لفتح مجالات جديدة للكفاءة والأسواق وفرص النمو.
وفي ماستركارد، الشركة التي أعمل لديها، ندعم رواد الأعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة عبر حلول رقمية، وخدمات قبول المدفوعات، ومبادرات لتبادل المعرفة. ومن الأمثلة البسيطة على ذلك منصة Entrepreneur’s Odyssey التعليمية المجانية العالمية، المصممة لمساعدة أصحاب المشاريع الصغيرة على التعامل مع تحدياتهم الخاصة. وهناك أيضاً مبادرة Built Small. Moving Strong، وهي منصة متكاملة بالتعاون مع شركائنا من القطاعين العام والخاص لتقديم حلول ودعم ومزايا ملموسة لهذه الشركات.
ومن المشجّع أن منظومات دعم رواد الأعمال في المنطقة تواصل توسّعها. فالحكومات، والمؤسسات المالية، ومزوّدو التكنولوجيا، ومجتمعات الأعمال، يضاعفون استثماراتهم في التمكين الرقمي، والشمول المالي، والتوعية بالأمن السيبراني، وتطوير المهارات الخاصة بالشركات الصغيرة والمتوسطة. وهذا الأمر مهم لأن المشاريع الصغيرة ليست مجرد مساهم اقتصادي، بل ترتبط أيضاً بعلاقة شخصية وعاطفية عميقة مع المجتمعات التي تخدمها.
فلكلٍّ منا أماكن يعود إليها بسبب الأشخاص الذين يقفون خلفها: المطعم الذي تحتفل فيه بأعياد الميلاد، أو المكتبة التي يتذكر فيها أحدهم اسمك، أو المقهى الذي يصبح جزءاً من الروتين العائلي. وعندما تنمو هذه المشاريع، تنمو المجتمعات معها.
ولهذا، فإن مرونة قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة تتجاوز فكرة التعافي الاقتصادي وحدها. إنها تتعلق بالحفاظ على الطموح، وخلق الفرص، وضمان استمرار المشاريع المحلية في صناعة اللحظات والتجارب التي تمنح مجتمعاتنا روحها الحقيقية.
ومن المهم أن نتذكر أنه عندما ندعم طموحات رواد الأعمال لدينا، فإننا نثري حياة الجميع. فعندما تنجح المشاريع الصغيرة، يمتد أثر ذلك إلى ما هو أبعد من التجارة والأرباح؛ إذ ينعكس على الثقة، وسبل العيش، والاتجاه المستقبلي لاقتصاداتنا. لأنه عندما تنتصر المشاريع الصغيرة، ينتصر الجميع.