الشركات الذكية لا تتجنب الفشل... بل توظّفه للنمو
تبنّي ثقافة ترى في الإخفاق تجربة تعلّم منظّمة يمنح فريقك جرأة الابتكار، ويحوّل الأخطاء إلى بيانات استراتيجية تدفع شركتك نحو نمو مستدام
هذا الرأي المتخصص بقلم ستيف سينسينغ (Steve Sensing)، رئيس حلول سلاسل الإمداد في شركة رايدر سيستم (Ryder System, Inc.)، وقد نُشر في الأصل على موقع إنك. (Inc.com).
شاركتني إحدى زميلاتي يوماً فلسفةً مهنيةً تبنّتها مع مرور الوقت: ألّا تخشى الفشل. فقد وجدت، من خلال خبرتها، أن العمل داخل مؤسسة تمنح أفرادها مساحة للفشل أنتج قدراً من الابتكار والمفاجآت والنجاحات يفوق ما شهدته في أي بيئة أخرى. وعندما أستعيد مسيرتي المهنية، أجدني أوافقها الرأي.
ولا أدعو هنا إلى مكافأة الموظفين على الفشل بالمعنى الحرفي، بل أتحدث عن خلق فرص ومساحات وأطر داعمة للتفكير الحر، والتعاون، والتجربة، وحتى الخطأ -ضمن حدود معقولة بطبيعة الحال- وذلك في سبيل تحقيق النجاح.
من التعثر إلى الاستراتيجية
فكيف يبدو تبنّي ثقافة مؤسسية ترى في الفشل عثرةً على طريق النجاح، لا نهاية له؟ وأي نوع من التقدم يمكن أن يثمره ذلك، سواء للموظفين أو للمؤسسة ككل؟
- أولاً، تسريع دورات الابتكار: حين يصبح الفشل أمراً طبيعياً داخل الفرق، تُختبر الأفكار مبكراً وبوتيرة أعلى، ما يتيح تكرار المحاولات بسرعة أكبر واكتشاف حلول عالية القيمة قد يغفل عنها المنافسون.
- ثانياً، تعزيز مبادرة الموظفين: عندما تكون بيئة التجريب آمنة، يشعر الأفراد بالقدرة على طرح أفكار جريئة، وتحمّل المسؤولية، والمبادرة إلى حل المشكلات بدل انتظار التوجيه.
- ثالثاً، تحسين جودة اتخاذ القرار: كل خطأ يولّد بيانات قيّمة حول ما لا ينجح. وكما يفعل العالِم حين يُعدّل تجربته، تسهم هذه الدروس في تنقيح الاستراتيجيات، وتحسين العمليات، وتفادي أخطاء أكبر وأكثر كلفة في المستقبل.
- رابعاً، إتاحة فرص لإعادة التموضع الاستراتيجي: نادراً ما يكون طريق النجاح خطّاً مستقيماً؛ فهو غالباً ما يتعرّج بين قمم وانخفاضات، غير أن تلك الانخفاضات ذاتها تمثل علامات تقدم. النظر إلى العثرة بوصفها لحظة مراجعة للواقع قد يدفع إلى إعادة تقييم الأهداف والاتجاه، بما يفضي إلى مسار أكثر صواباً.
نعمة في ثوب التحدي
قبل عدة أعوام، كلّف أحد العملاء فريقاً في أحد أقسامنا بتحقيق هدف محدد ضمن إطار زمني معين. أجرى الفريق التحليلات اللازمة، وثق في صحة ما توصل إليه، وشرع في تنفيذ الحل. غير أن مرحلة الاختبار كشفت أن الحل لم ينجح فحسب، بل أوجد أيضاً مشكلات إضافية لم تكن في الحسبان.
لم يكن الحل سيئاً في جوهره، لكنه لم يكن ملائماً لتلك الحالة تحديداً. هل كان ذلك وضعاً مثالياً؟ بالطبع لا. ومع ذلك، تمكّن الفريق سريعاً من التحول إلى اتجاه مختلف، ونجح في النهاية في تحقيق هدف العميل. غير أن الأثر الأهم لما حدث لم يظهر إلا لاحقاً.
فبعد نحو ستة أشهر، جاء عميل آخر بمشكلة مختلفة تماماً، وعندها أدرك الفريق أن الحل الذي أخفق سابقاً هو الأنسب هذه المرة؛ ولأنهم كانوا قد اختبروه مسبقاً، أصبحوا على دراية بما قد يعتريه من ثغرات، وتمكنوا من تطبيقه بنجاح. ولو لم يمروا بتجربة الإخفاق الأولى، لما كانت لديهم الحلول المناسبة جاهزة للنشر في اللحظة التي احتاجها العميل، مما يبرز أن التعثرات الأولى ليست نهاية الطريق، بل فرصة لبناء الخبرة والجاهزية المستقبلية.
شاهد أيضاً: الفشل ليس النهاية: كيف تبني طريق النجاح من جديد؟
الممارسة تصنع التقدم
أشارت الزميلة نفسها، التي تحدثت إليّ عن فضائل تقبّل الفشل، إلى أن شعار شركتنا، «الأفضل دائماً» (Ever better)، يجسد هذه الفلسفة تماماً. فمن النادر أن تكون الأمور مثالية منذ المحاولة الأولى، ولهذا تقوم الثقافة المؤسسية الصحية على السعي المستمر للتحسين؛ أن تكون اليوم أفضل مما كنت عليه بالأمس، وأن تكون غداً أفضل مما أنت عليه اليوم.
وفي هذا الإطار، تُنظر الإخفاقات ليس كطرق مسدودة، بل كتحويلات مؤقتة في المسار تمنحنا فرصاً للتعلم والتطور؛ فتشجيع الآخرين على تبني هذه الرؤية يعزز المثابرة والمرونة، ويحوّل الفشل من عائق إلى أداة للنمو. وكما قال ألبرت أينشتاين (Albert Einstein): "الفشل هو نجاح قيد التقدم". فالتعثرات ليست نهاية الطريق، بل خطوات ضرورية تمنحنا تغذية راجعة قيمة، تبني قدرتنا على الصمود، وتوجّه التعديلات التي تقودنا في النهاية إلى أعظم الإنجازات.