الرئيسية الريادة الشيخوخة ليست حتمية: هل يمكن لطريقة تفكيرك أن تعكسها؟

الشيخوخة ليست حتمية: هل يمكن لطريقة تفكيرك أن تعكسها؟

دراساتٌ حديثةٌ تكشف أنّ التقدّم في العمر لا يعني بالضّرورة التّراجع، بل يمكن لبعض القدرات البدنيّة والعقليّة أن تتحسّن مع الوقت بالنّظرة الإيجابيّة ونمط الحياة الصّحيّ

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

تصوّر معظم الاستعارات الشّائعة حول التّقدّم في العمر هٰذه المرحلة وكأنّها مسارٌ ينحدر تدريجيّاً بعد نقطةٍ معيّنةٍ، حيث يفترض أنّ الإنسان يبلغ القمّة ثمّ يبدأ بعدها تراجعٌ لا مفرّ منه. ووفقاً لهٰذا التّصوّر التّقليديّ، قد يسهم الالتزام بنمط حياةٍ صحّيٍّ -مثل تناول الطّعام المتوازن وممارسة المشي بانتظامٍ- في إبطاء هٰذا التّراجع، لكنّه لا يستطيع إيقافه أو عكس مساره. فباستثناء تدخّلاتٍ جراحيّةٍ تجميليّةٍ أو تغييراتٍ جذريّةٍ للغاية في نمط الحياة، يبدو وكأنّ إعادة عقارب السّاعة إلى الوراء أمرٌ غير ممكنٍ.

غير أنّ نتائج علميّةً حديثةً بدأت تشير إلى أنّ هٰذا التّصوّر الشّائع قد لا يكون دقيقاً كما كنّا نعتقد. فقد كشفت دراسةٌ واسعةٌ جديدةٌ أجرتها جامعة ييل أنّ مؤشّراتٍ رئيسيّةً مرتبطةً بالتّقدّم في العمر لا تسير دائماً في اتّجاهٍ واحدٍ نحو التّراجع. بل على العكس، يمكن لبعض هٰذه المؤشّرات أن تتحسّن فعليّاً في مراحل متقدّمةٍ من الحياة.

واللّافت أنّ هٰذه الظّاهرة ليست استثناءً نادراً كما قد يتبادر إلى الذّهن. فقد أظهرت نتائج الدّراسة أنّ ما يقارب 45% من النّاس يمرّون في مرحلةٍ ما بنوعٍ من التّحسّن في مؤشّرات الشّيخوخة، وهي ظاهرةٌ يمكن وصفها بما يشبه "الشّيخوخة العكسيّة". والأكثر إثارةً للاهتمام أنّ الباحثين يشيرون إلى عاملٍ بسيطٍ للغاية قد يزيد من احتمالات حدوث هٰذا التّحسّن.

عندما بدأ باحثو جامعة ييل تحليل بياناتٍ تمتدّ على مدى اثني عشر عاماً وتشمل نحو 11 ألف أمريكيٍّ تجاوزوا سنّ الخامسة والسّتّين، ظهرت النّتائج الأولى كما كان متوقّعاً. فقد أظهرت البيانات أنّ متوسّط الأداء في مقياسين مهمّين من مؤشّرات الشّيخوخة الصّحّيّة — وهما سرعة المشي واختبارات الصّحّة الإدراكيّة — يميل إلى الانخفاض تدريجيّاً مع مرور الوقت. وبمعنى آخر، تشير الإحصائيّات إلى أنّ الشّخص الّذي يبلغ 75 عاماً يكون في المتوسّط أقلّ أداءً في هٰذه الاختبارات مقارنةً بشخصٍ يبلغ 65 عاماً.

غير أنّ فريق الباحثين لم يكتف بمراجعة المتوسّطات العامّة للبيانات، بل قرّر أن ينظر بصورةٍ أعمق إلى المسارات الفرديّة لكلّ مشاركٍ في الدّراسة، متتبّعاً التّغيّر الّذي طرأ على نتائج كلّ شخصٍ على حدةٍ خلال سنين البحثوعند هٰذه النّقطة بدأت الصّورة تتغيّر جذريّاً.

فبدلاً من مسارٍ موحّدٍ نحو التّراجع، كشفت البيانات عن واقعٍ أكثر تنوّعاً وتعقيداً. إذ تبيّن أنّ 45% من المشاركين في الدّراسة تحسّنت نتائجهم بمرور الوقت في أحد الاختبارين على الأقلّ. وبعبارةٍ أخرى، وكما يتحسّن النّبيذ الفاخر مع مرور السّنين، يبدو أنّ ما يقارب نصف النّاس قد يحقّقون تحسّناً في بعض جوانب أدائهم مع التّقدّم في العمر.

وتوضّح بيكا ليفي، الباحثة الرّئيسيّة في الدّراسة من جامعة ييل، هذه الفكرة قائلةً: عندما ننظر إلى المتوسّط العامّ لجميع المشاركين، يظهر لنا تراجعٌ طبيعيٌّ في المؤشّرات. لكن عندما نحلّل المسارات الفرديّة لكلّ شخصٍ، نجد قصّةً مختلفةً تماماً؛ إذ تحسّن أداء نسبةٍ معتبرةٍ من كبار السّنّ الّذين شملتهم الدّراسة.

هٰذا الاكتشاف يثير سؤالاً مهمّاً لكلّ من يأمل أن يكون ضمن هٰذه الفئة الّتي تتحسّن مؤشّرات صحّتها مع مرور السّنين: ما الّذي يفعله هٰؤلاء الأشخاص بطريقةٍ مختلفةٍ؟

من المؤكّد أنّ العوامل البيولوجيّة مثل الجينات الجيّدة تلعب دوراً مهمّاً، كما أنّ نمط الحياة الصّحّيّ يظلّ عاملاً أساسيّاً. فمن يقضي يومه كاملاً في تناول الطّعام غير الصّحّيّ ومشاهدة التّلفاز دون حركةٍ، من الطّبيعيّ أن تكون فرصه في التّمتّع بصحّةٍ جيّدةٍ أقلّ مقارنةً بمن يمارس النّشاط البدنيّ بانتظامٍ ويحرص على تناول وجباتٍ صحّيّةٍ متوازنةٍ. هٰذه حقيقةٌ لا يمكن تجاهلها.

لٰكنّ اهتمام الباحثة بيكا ليفي يتجاوز العوامل الجسديّة التّقليديّة. فهي تركّز في أبحاثها على تأثير المعتقدات والتّصوّرات الذّهنيّة في كيفيّة تأثير التّقدّم في العمر عليناوفي كتابها Breaking the Age Code تستعرض ليفي مجموعةً من الدّراسات الّتي توضّح أنّ النّظرة الإيجابيّة إلى التّقدّم في العمر يمكن أن تؤثّر بعمقٍ في مدّة بقاء الإنسان نشيطاً وصحيحاً ذهنيّاً وجسديّاً.

فعلى سبيل المثال، أظهرت إحدى دراساتها أنّ الأشخاص الّذين ينظرون إلى التّقدّم في العمر بوصفه مرحلةً يمكن الاستمتاع بها يعيشون في المتوسّط مدّةً أطول تصل إلى 8.5 سنواتٍ مقارنةً بمن يرون الشّيخوخة مرحلةً سلبيّةً أو مخيفةً.

ويمثّل هٰذا الرّقم مكسباً هائلاً في متوسّط العمر المتوقّع. بل إنّ الباحثين أشاروا إلى أنّ هٰذا التّأثير يفوق الفوائد النّاتجة عن بعض المؤشّرات الصّحّيّة التّقليديّة؛ إذ يضيف الحفاظ على ضغط دمٍ وكوليسترولٍ صحّيّين نحو أربع سنواتٍ إضافيّةٍ في المتوسّط، بينما يضيف الامتناع عن التّدخين ما بين سنةٍ وثلاث سنواتٍ. ومع ذٰلك، يتجاوز تأثير النّظرة الإيجابيّة هٰذه الأرقام جميعاً.

نظراً لاهتمام ليفي الطّويل بدور العقليّة الذّهنيّة، لم يكن من المستغرب أن تدرس أيضاً مواقف المشاركين تجاه التّقدّم في العمر في هٰذه الدّراسة الجديدة. وقد جاءت النّتيجة متّسقةً مع أبحاثها السّابقةفقد أظهرت البيانات أنّ المشاركين الّذين يحملون تصوّراً أكثر إيجابيّةً عن التّقدّم في العمر كانوا أكثر احتمالاً لأن تتحسّن مؤشّراتهم الصّحّيّة بمرور الوقت. والأهمّ من ذلك أنّ هذا التّأثير ظلّ واضحاً حتّى بعد أن أخذ الباحثون في الاعتبار عوامل أخرى مثل الأمراض المزمنة أو المستوى التّعليميّ.

وتكمن أهمّيّة هٰذا الاكتشاف في أنّ طريقة التّفكير تقع بالكامل تحت سيطرة الإنسان. بل إنّ إدراك هٰذه الحقيقة قد يطلق سلسلةً من التّأثيرات الإيجابيّة المتتابعة. فمجرّد معرفة أنّ التّقدّم في العمر لا يعني بالضّرورة التّراجع قد يخلق شعوراً أكثر تفاؤلاً تجاه السّنين القادمة. وهٰذا التّفاؤل بدوره يزيد من احتمال الحفاظ على صحّةٍ أفضل مع مرور الزّمنبعبارةٍ أخرى، تولّد الانطباعات الإيجابيّة نتائج إيجابيّةً، وهٰذه النّتائج بدورها تعزّز النّظرة الإيجابيّة مجدّداً، في دورةٍ متواصلةٍ من التّحسّن.

صحيحٌ أنّه لا يمكن لأيّ شخصٍ أن يعيد عقارب السّاعة إلى الوراء بشكلٍ كاملٍ. لكن من الممكن بالفعل أن تتحسّن بعض قدراتنا مع التّقدّم في العمر، وأن نستعيد مهاراتٍ أو طاقاتٍ كنّا نظنّ أنّنا فقدناها. وكلّما أدركنا أنّ السّنين الإضافيّة لا تعني بالضّرورة تراجعاً حتميّاً، ازدادت قدرتنا على استخراج المزيد من الصّحّة والسّعادة والأداء الجيّد من حياتنا.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 5 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: