الاستثمارات تتدفق نحو شركات الذكاء الاصطناعي.. لماذا تتركز الأنظار على البنية التحتية؟
تتجه الاستثمارات نحو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مثل الرقائق ومراكز البيانات، باعتبارها الأساس الذي يدعم التوسع ويحدد مستقبل المنافسة التقنية.
تتجه موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة أكثر عمقاً من مجرد تمويل التطبيقات والمنصات، إذ تتركز الأنظار اليوم على البنية التحتية التي تجعل هذه التقنيات ممكنة: مراكز البيانات، والرقائق المتقدمة، والطاقة، وشبكات الاتصال، وأنظمة إدارة البيانات. ومع تصاعد الطلب على النماذج الكبيرة والتطبيقات التوليدية، بدأ المستثمرون يدركون أن القيمة الحقيقية لا توجد فقط في الواجهة التي يراها المستخدم، بل في الطبقة العميقة التي تشغّل الذكاء الاصطناعي وتمنحه القدرة على التوسع.
يعكس مشروع Stargate هذا التحول بوضوح. فقد أعلنت OpenAI في يناير 2025 أن المشروع يستهدف استثمار 500 مليار دولار خلال أربع سنوات لبناء بنية تحتية جديدة للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، مع بدء نشر 100 مليار دولار فوراً. ويكشف هذا الرقم حجم السباق العالمي على امتلاك القدرة الحاسوبية، لأن الشركات التي تطور نماذج الذكاء الاصطناعي لم تعد تحتاج إلى فرق برمجية فقط، بل تحتاج إلى مراكز بيانات عملاقة قادرة على تدريب النماذج وتشغيلها لملايين المستخدمين.
وتؤكد وكالة رويترز أن تدفق الأموال نحو البنية التحتية لم يعد محصوراً في شركة واحدة. فقد أشارت إلى أن شركات مثل OpenAI وNvidia وAMD وOracle وSoftBank تضخ أو تخطط لضخ مليارات الدولارات في الرقائق ومراكز البيانات، في وقت أصبحت فيه القدرة على توفير الحوسبة المتقدمة عاملاً حاسماً في المنافسة. كما لفتت رويترز إلى أن Nvidia قد تستثمر ما يصل إلى 100 مليار دولار في OpenAI مع تزويدها بشرائح مراكز البيانات، بينما أبرمت AMD اتفاقاً متعدد السنوات لتوريد رقائق ذكاء اصطناعي إلى OpenAI.
وتتضح أهمية البنية التحتية أكثر عند النظر إلى الطلب المتزايد على الكهرباء. فوفقاً لوكالة الطاقة الدولية، ارتفع استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات بنسبة 17% خلال عام 2025، بينما نما استهلاك مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من نمو الطلب العالمي على الكهرباء. ويعني ذلك أن سباق الذكاء الاصطناعي لم يعد تقنياً فقط، بل أصبح مرتبطاً بالطاقة والشبكات والاستدامة وقدرة الدول على توفير موارد تشغيل مستقرة.
كما أصبحت مراكز البيانات نفسها وجهة رئيسية للاستثمارات العالمية. فقد ذكرت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” أن مراكز البيانات استحوذت على أكثر من خُمس الاستثمارات العالمية الجديدة في المشاريع الخضراء خلال عام 2025. ويعكس هذا التحول أن المستثمرين لا ينظرون إلى مراكز البيانات كأصول عقارية أو تقنية عادية، بل كبنية اقتصادية أساسية تشبه الموانئ والطرق وشبكات الكهرباء في أهميتها لعصر الذكاء الاصطناعي.
ولا تقتصر جاذبية البنية التحتية على مراكز البيانات والرقائق فقط، بل تمتد إلى شركات إدارة البيانات والتخزين عالي الأداء. فقد نقلت رويترز أن شركة VAST Data المدعومة من Nvidia وصلت قيمتها إلى 30 مليار دولار بعد جولة تمويلية حديثة، مقارنة بـ9.1 مليار دولار في عام 2023، وذلك نتيجة الطلب المتزايد على حلول إدارة البيانات واسعة النطاق المستخدمة في تدريب وتشغيل الذكاء الاصطناعي. وتوضح هذه القفزة أن المستثمرين يبحثون عن الشركات التي تحل مشكلات “ما وراء النموذج”، مثل تخزين البيانات، وتسريع الوصول إليها، وتشغيلها بكفاءة.
وتبرز منطقة الخليج بدورها داخل هذا المشهد. فقد ذكرت رويترز أن المرحلة الأولى من مشروع Stargate UAE في الإمارات من المتوقع أن تبدأ التشغيل في عام 2026، مع احتمال استخدام 100 ألف شريحة من Nvidia. ويشير ذلك إلى أن بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لم يعد حكراً على الولايات المتحدة أو الصين، بل يتحول إلى ساحة تنافس دولية تسعى فيها الدول إلى جذب الحوسبة المتقدمة وتوطينها.
ويعود تركيز المستثمرين على البنية التحتية إلى ثلاثة أسباب رئيسية. أولاً، تحتاج نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة إلى قدرة حوسبة هائلة لا يمكن توفيرها من خلال البنية التقليدية. ثانياً، تزداد تكلفة التدريب والتشغيل مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، مما يجعل امتلاك الرقائق ومراكز البيانات ميزة استراتيجية. ثالثاً، تتحول البنية التحتية إلى مصدر إيرادات طويل المدى، لأنها تخدم عشرات الشركات والتطبيقات بدل الاعتماد على منتج واحد.
في المحصلة، لا يعني تدفق الاستثمارات نحو شركات الذكاء الاصطناعي أن المال يذهب إلى التطبيقات الأكثر شهرة فقط، بل يعني أن المستثمرين بدأوا يراهنون على الطبقة التي ستحدد من يستطيع بناء الذكاء الاصطناعي ومن سيضطر إلى استئجاره. وبينما تجذب النماذج التوليدية الاهتمام الإعلامي، تبدو البنية التحتية اليوم هي المعركة الحقيقية: من يملك الرقائق، والطاقة، ومراكز البيانات، والبيانات، يملك موقعاً أقوى في اقتصاد الذكاء الاصطناعي القادم.