سباق الذكاء الاصطناعي يدفع عمالقة التكنولوجيا إلى استثمارات بـ4.8 تريليون دولار
ترصد شركات التكنولوجيا الكبرى 4.8 تريليون دولار للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وسط سباق عالمي لبناء مراكز البيانات والبنية التحتية.
تستعد أكبر شركات التكنولوجيا في العالم لضخ استثمارات رأسمالية غير مسبوقة خلال السنوات المقبلة، في رهان واسع على أن يتحول الذكاء الاصطناعي من تقنية ناشئة إلى البنية الأساسية التي ستقوم عليها الخدمات الرقمية والاقتصاد العالمي.
وتتوقع تقديرات جمعتها Visible Alpha أن تنفق Alphabet وAmazon وMeta وMicrosoft وOracle مجتمعة نحو 4.8 تريليون دولار على النفقات الرأسمالية بين عامي 2026 و2030، مع توجيه جزء كبير من هذه الأموال إلى مراكز البيانات والرقائق المتقدمة وشبكات الحوسبة وأنظمة التبريد ومصادر الطاقة اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
ولا يمثل الرقم ميزانية مخصصة للبرمجيات وحدها، بل يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة قطاع التكنولوجيا. فقد بنت الشركات الكبرى قوتها خلال العقود الماضية على منتجات رقمية يمكن توسيعها بتكاليف محدودة نسبياً، لكنها تدخل اليوم مرحلة تحتاج فيها المنافسة إلى أصول مادية ضخمة تشمل الأراضي والمباني والخوادم ومحطات الكهرباء وشبكات الاتصال.
خمسة عمالقة يتنافسون على البنية التحتية نفسها
تقود Alphabet، الشركة الأم لـGoogle، وAmazon وMicrosoft وMeta وOracle موجة الاستثمار الجديدة، إذ تتنافس جميعها على امتلاك القدرة الحاسوبية اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها وتقديمها إلى الأفراد والشركات.
وتختلف نقطة القوة التقليدية لكل شركة عن الأخرى. تهيمن Google على سوق البحث والإعلانات الرقمية، بينما تقود Amazon سوق الحوسبة السحابية عبر AWS، وتتمتع Microsoft بحضور قوي في برمجيات الشركات، وتسيطر Meta على منصات اجتماعية واسعة، في حين توفر Oracle قواعد البيانات والخدمات السحابية للمؤسسات.
لكن الذكاء الاصطناعي دفع هذه الشركات إلى دخول مساحة تنافسية واحدة. فلم يعد يكفي امتلاك تطبيق ناجح أو قاعدة مستخدمين كبيرة، بل أصبحت القدرة على توفير الرقائق والطاقة ومراكز البيانات عاملاً يحدد الشركات القادرة على تطوير النماذج وتشغيلها بتكاليف تنافسية.
وتنفق الشركات على رقائق معالجة الرسومات التي تنتجها Nvidia، إلى جانب تطوير رقائقها الخاصة، وبناء مراكز بيانات جديدة وتوسيع شبكاتها السحابية. كما تتجه إلى تأمين مصادر الكهرباء بشكل مباشر بسبب الكميات الضخمة من الطاقة التي تحتاج إليها منشآت الذكاء الاصطناعي.
سباق يتجاوز مئات المليارات سنوياً
تكشف التقديرات السنوية حجم التسارع في الإنفاق. إذ يُتوقع أن يصل الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي إلى نحو 800 مليار دولار خلال 2026، وفق تقديرات محللين في Goldman Sachs وMorgan Stanley، مقارنة بنفقات رأسمالية بلغت نحو 260 مليار دولار لدى شركات الحوسبة فائقة النطاق في 2024.
كما رفعت Morgan Stanley توقعاتها للإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي خلال 2027 بنسبة 17%، ليصل إلى نحو 1.12 تريليون دولار. وتعكس هذه الزيادة استمرار الشركات في تعديل ميزانياتها كلما ارتفع الطلب على الحوسبة أو ظهرت نماذج تحتاج إلى قدرات أكبر.
وتختلف التقديرات بحسب الشركات والمصروفات التي تدخل في الحسابات. فعند احتساب Amazon وMicrosoft وAlphabet وMeta فقط، قدرت Morgan Stanley إنفاقها على مراكز البيانات ورقائق الذكاء الاصطناعي بنحو 630 مليار دولار خلال 2026. ويرتفع إجمالي النفقات الرأسمالية إلى 811 مليار دولار عند توسيع القائمة لتشمل 11 شركة من مزودي الحوسبة والبنية التحتية.
ويشير ذلك إلى أن رقم 4.8 تريليون دولار لا يمثل صفقة واحدة أو خطة ثابتة، بل توقعاً تراكمياً لحجم الاستثمارات الرأسمالية التي قد تنفذها الشركات الخمس بين 2026 و2030، مدفوعة بصورة أساسية بسباق الذكاء الاصطناعي.
مراكز البيانات تتحول إلى مصانع العصر الرقمي
تستحوذ مراكز البيانات على جزء كبير من الاستثمارات المتوقعة، لأنها تمثل المكان الذي تُدرّب فيه النماذج وتُخزّن البيانات وتُنفّذ عمليات الحوسبة اللازمة لتقديم الخدمات للمستخدمين.
وتشغل Amazon وMicrosoft وAlphabet وMeta نحو 600 منشأة لمراكز البيانات حول العالم، بينما توجد 544 منشأة أخرى في مراحل التخطيط أو البناء، وفق بيانات S&P Global Energy Horizons.
وقد تتجاوز تكلفة بناء مركز بيانات حديث للذكاء الاصطناعي بقدرة 100 ميغاواط 4 مليارات دولار، بما يشمل الرقائق والخوادم. ويذهب نحو 70% من هذه التكلفة إلى الخوادم ووحدات معالجة الرسومات، بينما تتوزع النفقات الأخرى بين الأراضي والمباني وشبكات الكهرباء وأنظمة التبريد والاتصال والأمن.
وتجعل هذه الأرقام مراكز البيانات أقرب إلى المصانع الصناعية الكبرى منها إلى مكاتب شركات البرمجيات التقليدية. فهي تحتاج إلى سنوات من التخطيط، وإمدادات مستمرة من الكهرباء والمياه، وسلاسل توريد تضم الرقائق والمحولات والمولدات ومعدات التبريد.
الطاقة تهدد سرعة التوسع
لا يمثل توفير التمويل التحدي الوحيد أمام الشركات، إذ قد تصطدم خططها بنقص الكهرباء وتأخر الحصول على تصاريح البناء وصعوبة تأمين المعدات والعمالة المتخصصة.
وقد يستغرق الحصول على اتصال بشبكة الكهرباء في بعض مراكز البيانات الكبرى، مثل لندن، ما يصل إلى 10 سنوات. لذلك، تتجه الشركات إلى بناء منشآت في مناطق بعيدة أو تشغيل محطات طاقة داخل المواقع، لكن هذه الحلول تواجه بدورها قيوداً مرتبطة بتوفر العمالة والمعدات والوقود.
كما ارتفعت المدة اللازمة للحصول على بعض المحولات الكهربائية في أوروبا إلى نحو 100 أسبوع، بينما قد يستغرق تسليم المولدات في الولايات المتحدة قرابة 50 أسبوعاً. ويعني ذلك أن الشركات قد تخصص الأموال للمشاريع، لكنها لا تستطيع بالضرورة تحويلها سريعاً إلى قدرات حاسوبية تعمل فعلياً.
وتزيد تقلبات أسعار الطاقة من صعوبة الحسابات، لأن مراكز البيانات تحتاج إلى كميات متواصلة من الكهرباء. وقد يؤدي ارتفاع أسعار الوقود أو تأخر مشاريع الشبكات إلى زيادة تكلفة تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي وتقليص هوامش الأرباح المتوقعة.
العوائد لا تزال الاختبار الأكبر
تراهن الشركات على أن يؤدي انتشار الذكاء الاصطناعي إلى نمو سريع في إيرادات الخدمات السحابية والإعلانات والبرمجيات والمساعدات الرقمية. وتتوقع تقديرات Visible Alpha أن تضاعف Alphabet وMicrosoft وAmazon وMeta إيراداتها تقريباً بين 2025 و2030، بينما قد ترتفع إيرادات Oracle إلى أكثر من 3 أضعاف خلال الفترة نفسها.
لكن تحقيق هذه التوقعات يتطلب أن تدفع الشركات والعملاء مبالغ كافية مقابل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وأن تستمر معدلات الطلب في الارتفاع بما يتناسب مع حجم البنية التحتية الجديدة.
وتضغط موجة الإنفاق بالفعل على السيولة. ويتوقع أن تتجاوز نفقات الشركات الخمس خلال 2026 نصف إيراداتها المجمعة، بينما قد ينخفض تدفقها النقدي الحر المشترك إلى نحو 5.2 مليارات دولار في 2027، أي عُشر مستواه المسجل في 2024.
وتحتاج الشركات أيضاً إلى تسجيل تكاليف إهلاك متزايدة مع تشغيل مراكز البيانات والرقائق الجديدة. وقد ترتفع مصروفات الإهلاك لدى Alphabet إلى ما يعادل 12% من إيراداتها في 2030، فيما قد تصل النسبة لدى Microsoft إلى 21%، وفق توقعات المحللين.
مخاوف من بناء قدرات تفوق الطلب
لا تعني ضخامة الاستثمارات أن جميع الشركات ستحقق العوائد نفسها. فكل شركة تبني خططها على افتراض أنها ستجذب عدداً كافياً من العملاء، لكن السوق قد لا يستطيع دعم جميع المنافسين بالحجم المتوقع.
وإذا تجاوزت القدرة الحاسوبية المعروضة الطلب الفعلي، فقد تضطر الشركات إلى خفض أسعار خدمات الذكاء الاصطناعي أو تأجير قدراتها غير المستخدمة، ما قد يشعل حرب أسعار ويؤخر استرداد تكاليف الاستثمار.
وتشبه هذه المخاوف ما حدث خلال طفرة الإنترنت في أواخر تسعينيات القرن الماضي، عندما توسعت شركات الاتصالات في بناء شبكات الألياف الضوئية بوتيرة أسرع من نمو الطلب. ومع ذلك، تختلف المرحلة الحالية في أن عمالقة التكنولوجيا يتمتعون بميزانيات أقوى وأرباح مرتفعة وقدرة أكبر على الاقتراض.
رهان على إعادة تشكيل الاقتصاد الرقمي
يكشف الإنفاق المتوقع البالغ 4.8 تريليون دولار أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مشروعاً تجريبياً داخل شركات التكنولوجيا، بل أصبح محور قراراتها الاستثمارية واستراتيجياتها طويلة الأجل.
ويراهن عمالقة القطاع على أن امتلاك البنية التحتية اليوم سيمنحهم السيطرة على الأسواق الرقمية مستقبلاً، سواء عبر الخدمات السحابية أو محركات البحث أو أدوات الشركات أو التجارة الإلكترونية أو الإعلانات.
لكن حجم الرهان يرفع أيضاً تكلفة الخطأ. فإذا تحقق الطلب المتوقع، قد تنشأ واحدة من أكبر موجات النمو في تاريخ قطاع التكنولوجيا. أما إذا تأخرت الإيرادات أو ظهرت تقنيات تقلل الحاجة إلى القدرات الحاسوبية الضخمة، فقد تواجه الشركات فائضاً في مراكز البيانات وضغوطاً على الأرباح والتدفقات النقدية.
وبذلك، لا يختبر سباق الذكاء الاصطناعي قدرة الشركات على تطوير نماذج أكثر ذكاءً فقط، بل يختبر قدرتها على تحويل تريليونات الدولارات من الاستثمارات إلى خدمات يحتاج إليها العملاء ومستعدون للدفع مقابلها.
شاهد أيضاً: هل برامج الدردشة تتجسس عليك؟ دعوى قضائية تكشف مشاركة بيانات المستخدمين مع عمالقة التكنولوجيا