الإمارات تراهن على الكفاءات المحلية.. 135 موهبة جديدة في مسار الذكاء الاصطناعي
تعزز الإمارات استثمارها في الكفاءات المحلية عبر اختيار 135 موهبة في الذكاء الاصطناعي، ضمن رؤية استراتيجية لبناء اقتصاد رقمي قائم على المعرفة والابتكار
تمضي الإمارات بخطوات أكثر وضوحاً في بناء قاعدة وطنية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وهذه المرة لا يقتصر الرهان على استقطاب الشركات أو إطلاق الفعاليات الكبرى، بل يتجه مباشرة إلى الاستثمار في الكفاءات المحلية نفسها. فقد أعلن برنامج خبراء الإمارات عن اختيار 135 مرشحاً إلى المرحلة النهائية ضمن مسار الذكاء الاصطناعي، من بين أكثر من 1000 متقدم، في خطوة تعكس حجم الاهتمام المتزايد بهذا المجال بين الكفاءات الإماراتية، كما تؤكد أن الدولة تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه ملفاً استراتيجياً يرتبط بالمستقبل الاقتصادي والإداري والتقني للدولة.
تكتسب هذه الخطوة أهميتها من سياق أوسع ترسمه الإمارات منذ سنوات، إذ تستند البلاد إلى استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031 التي تستهدف ترسيخ موقع الدولة كأحد اللاعبين العالميين في هذا المجال، مع التركيز على تطوير المواهب، وتعزيز البحث، ودمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية والقطاعات الحيوية. ولهذا لا يبدو مسار برنامج خبراء الإمارات مبادرة معزولة، بل امتداداً عملياً لنهج رسمي يربط بين بناء القدرات الوطنية والتحول الاقتصادي والتكنولوجي طويل المدى.
وبحسب وكالة أنباء الإمارات، تمثل قائمة المرشحين النهائيين جميع إمارات الدولة السبع، مع حضور أكبر من أبوظبي بعدد 80 مرشحاً، تليها دبي بـ21 مرشحاً، ثم الشارقة بـ14، ورأس الخيمة بـ9، وعجمان بـ6، وأم القيوين بـ3، والفجيرة بـ2. ولا تكشف هذه الأرقام فقط عن اتساع قاعدة الاهتمام على مستوى الدولة، بل توضح أيضاً أن المشروع لا يقتصر على مركز جغرافي واحد، وإنما يسعى إلى تكوين شبكة خبرات موزعة على الإمارات كافة، وهو ما يرفع فرص الاستفادة العملية من هذه الكفاءات داخل المؤسسات الوطنية المختلفة.
الأهم من ذلك أن نوعية المرشحين أنفسهم تكشف مستوى الجدية في هذا المسار. فبيانات البرنامج تشير إلى أن 44% من المرشحين النهائيين يمتلكون أكثر من 10 سنوات من الخبرة، بينما يملك 35% منهم خبرة تتراوح بين 5 و10 سنوات. كما يحمل 53% منهم درجة الماجستير، و24% درجة الدكتوراه. وهذا يعني أن الإمارات لا تراهن هنا على تدريب أولي أو تمهيدي فحسب، بل تستهدف نخبة مهنية وأكاديمية قادرة على نقل الذكاء الاصطناعي من دائرة الاهتمام النظري إلى دائرة التطبيق المؤسسي الواسع.
ويظهر من تركيبة المرشحين أيضاً أن الحكومة تريد بناء أثر مباشر داخل القطاعات العامة والخاصة معاً، إذ أوضحت وكالة أنباء الإمارات أن 98 من المرشحين ينتمون إلى القطاع الحكومي، مقابل 37 من القطاع الخاص. وتحمل هذه النسبة دلالة واضحة: الإمارات تريد ترسيخ القدرات الوطنية في الذكاء الاصطناعي داخل أجهزة الدولة نفسها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التكامل مع السوق والشركات. وهذا النهج منطقي في بلد يركز بقوة على الحكومة الرقمية، والقرارات المعززة بالبيانات، وتحويل التكنولوجيا المتقدمة إلى أدوات عملية في الإدارة والخدمات والتنظيم.
ولا يقف البرنامج عند حدود الاختيار أو التصنيف، بل يقوم على مسار تطويري متكامل. فبحسب المعلومات المنشورة عند فتح باب التقديم، يخضع المشاركون لعملية تقييم منظمة تستند إلى التفوق الأكاديمي والمهني، والقدرة القيادية، والقدرة على تحويل الخبرة إلى أثر ملموس داخل القطاعات الوطنية. كما يمتد البرنامج الافتتاحي من مايو 2026 حتى ديسمبر 2026، ويتضمن وحدات تبني التميز التقني والقيادي في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب نظام إرشاد على مستويين: مرشدون كبار من الوزراء والرؤساء التنفيذيين وكبار المسؤولين، ومستشارون تقنيون متخصصون يوجهون مشاريع التخرج التطبيقية للمشاركين.
وتزداد أهمية هذا التصميم عندما نعلم أن بعض المرشحين المختارين قدموا بالفعل أفكاراً قطاعية قابلة للتنفيذ، قالت وكالة أنباء الإمارات إنها قد تتحول إلى مشاريع ختامية منذ بداية البرنامج. وهذا يوضح أن الرهان لا ينصب فقط على إعداد أفراد يحملون معرفة تقنية، بل على إنتاج مشاريع عملية يمكن أن ترتبط بالقطاع الحكومي، أو بالتصنيع، أو بالخدمات، أو بغيرها من المجالات التي تريد الإمارات أن يترك فيها الذكاء الاصطناعي أثراً ملموساً وقابلاً للقياس.
ويكتسب هذا المسار مزيداً من الزخم لأن برنامج خبراء الإمارات نفسه ليس تجربة جديدة، بل منصة أطلقت في 2019 لتطوير خبراء إماراتيين في القطاعات ذات الأولوية الوطنية. ويعرض الموقع الرسمي للبرنامج أن المبادرة طورت عبر السنوات عدة دفعات، ووصلت إلى أربع دورات، مع مجتمع يضم عشرات الخريجين والزملاء. كما يوضح الموقع أن مسار الذكاء الاصطناعي يستضيفه مكتب رئاسة مجلس الوزراء بالتعاون مع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، وهو ما يمنحه ثقلاً مؤسسياً وأكاديمياً في آن واحد.
فالإمارات لا تبني فقط صورة دولة نشطة في الذكاء الاصطناعي، بل تحاول تأسيس عمق بشري وطني يضمن استدامة هذا التوجه. فالفعاليات والمؤتمرات والشراكات الدولية قد تمنح الزخم والسمعة، لكن الذي يصنع الفارق على المدى الطويل هو وجود خبراء محليين قادرين على الفهم والتنفيذ والقيادة وصياغة الحلول من داخل المؤسسات نفسها. ولهذا تبدو هذه الخطوة جزءاً من معركة أكبر: تحويل الذكاء الاصطناعي من مشروع مستورد أو معتمد على الخارج إلى قدرة وطنية تتراكم داخل الدولة بمرور الوقت.
شاهد أيضاً: أكاديمية الذكاء الاصطناعي في أبوظبي تطلق الدفعة الثانية من برنامج الرئيس التنفيذي للذكاء الاصطناعي