الإمارات تتصدر عالمياً في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بين السكان العاملين
تتصدر الإمارات عالمياً في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بين السكان العاملين، ما يعكس تسارع التحول الرقمي وتعزيز الإنتاجية والابتكار.
لم تعد قوة الدول في عصر الذكاء الاصطناعي تُقاس فقط بعدد مراكز البيانات التي تبنيها، أو بحجم الاستثمارات التي تضخها في البنية التحتية الرقمية. المعيار الأهم أصبح أكثر واقعية وقرباً من الاقتصاد اليومي: كم شخصاً يستخدم هذه الأدوات فعلاً في العمل والتعلم والإنتاج والخدمات؟
من هذه الزاوية، تقدم الإمارات نموذجاً لافتاً. فقد تصدرت الدولة عالمياً في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بين السكان في سن العمل، بنسبة وصلت إلى 70.1% خلال الربع الأول من 2026، بحسب تقرير صادر عن Microsoft AI Economy Institute. هذا الرقم لا يعبّر فقط عن انتشار أداة تقنية جديدة، بل يكشف عن انتقال مبكر من مرحلة الاهتمام بالذكاء الاصطناعي إلى مرحلة دمجه في السلوك اليومي للأفراد والمؤسسات.
الفارق بين الاستخدام والضجيج
شهدت السنوات الأخيرة سباقاً عالمياً محموماً حول الذكاء الاصطناعي. بعض الدول ركزت على بناء النماذج، وبعضها ركز على تنظيم المخاطر، بينما فضّلت دول أخرى الانتظار حتى تتضح الصورة. لكن الإمارات اختارت مساراً مختلفاً نسبياً: تحويل الذكاء الاصطناعي من ملف مستقبلي إلى ممارسة عملية داخل الاقتصاد والحكومة والمجتمع.
اللافت في الرقم الإماراتي أنه يتجاوز المتوسط العالمي بفارق كبير. فالتقرير نفسه أشار إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي عالمياً بلغ 17.8% من السكان في سن العمل خلال الربع الأول من 2026. هذا يعني أن معدل التبني في الإمارات لا يتقدم قليلاً على العالم، بل يتحرك في مستوى مختلف تماماً، أقرب إلى اقتصاد بدأ يتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة يومية لا كابتكار تجريبي.
وهنا تظهر أهمية الفارق بين «امتلاك التكنولوجيا» و«استخدام التكنولوجيا». فالدول الكبرى قد تقود سباق تطوير النماذج والبنية التحتية، لكنها ليست بالضرورة الأسرع في نشر الاستخدام بين الأفراد والشركات. أما الإمارات، فتبدو وكأنها تراهن على أن القيمة الاقتصادية الحقيقية لن تأتي فقط من بناء الأدوات، بل من سرعة إدخالها إلى تفاصيل العمل والإدارة والخدمات.
لماذا تقدمت الإمارات؟
هذا التقدم لم يظهر فجأة. الإمارات بدأت مبكراً في التعامل مع الذكاء الاصطناعي كجزء من مشروع وطني طويل الأمد، لا كموجة تقنية عابرة. فقد اعتمدت الدولة الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، بهدف ترسيخ موقعها كمركز عالمي في هذا المجال، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في قطاعات حيوية مثل الخدمات الحكومية، والتعليم، والصحة، والطاقة، والنقل، والأمن السيبراني.
الاستراتيجية لم تكتفِ بالشعارات العامة، بل ركزت على بناء منظومة كاملة تشمل البنية التحتية، والبيانات، والمهارات، والبحث العلمي، والحوكمة. وهذا مهم لأن الذكاء الاصطناعي لا ينتشر بمجرد توفر التطبيقات. يحتاج إلى إنترنت مستقر، ومهارات رقمية، وثقة مؤسسية، وتشريعات مرنة، وبيئة تسمح بالتجربة دون تعطيل الابتكار.
كما أن الإمارات من أوائل الدول التي تعاملت مع الذكاء الاصطناعي كملف حكومي مستقل. هذا منح الموضوع ثقلاً سياسياً وتنفيذياً، وساعد على تحويله من نقاش تقني ضيق إلى أولوية وطنية مرتبطة بالإنتاجية والخدمات العامة والتنافسية الاقتصادية.
الذكاء الاصطناعي يدخل الحياة اليومية
عندما يصل استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى هذه النسبة بين السكان في سن العمل، فهذا يعني أن التكنولوجيا لم تعد محصورة في المطورين أو الشركات التقنية. إنها تدخل إلى مكاتب الإدارة، والتسويق، وخدمة العملاء، والتعليم، والاستشارات، والقطاع الحكومي، وريادة الأعمال، والإعلام، والتصميم، وتحليل البيانات.
هذا الانتشار يغير شكل الإنتاجية. الموظف الذي كان يحتاج وقتاً طويلاً لصياغة تقرير أو تلخيص مستند أو تحليل بيانات أولية، أصبح قادراً على إنجاز جزء كبير من العمل بسرعة أكبر. ورائد الأعمال الصغير بات يستطيع استخدام أدوات كانت سابقاً تحتاج إلى فرق كاملة. والمؤسسات الحكومية تستطيع تحسين تجربة المتعاملين من خلال خدمات أسرع وأكثر قدرة على فهم الطلبات والرد عليها.
لكن الأثر الأعمق لا يتعلق بالسرعة وحدها. الذكاء الاصطناعي التوليدي يعيد تشكيل طريقة التفكير في العمل. فهو يساعد الأفراد على طرح أسئلة أفضل، وتجريب أفكار أكثر، وتقصير المسافة بين الفكرة والتنفيذ. وفي اقتصاد يعتمد بشكل متزايد على المعرفة، تصبح هذه القدرة ميزة تنافسية لا تقل أهمية عن رأس المال أو البنية التحتية.
ميزة اقتصادية جديدة
تصدر الإمارات في تبني الذكاء الاصطناعي يمنحها ميزة تتجاوز الصورة الإعلامية. فالدول التي تنشر التكنولوجيا بسرعة تستطيع أن تتعلم أسرع من غيرها. وكلما زاد عدد المستخدمين، زادت الخبرة العملية، وظهرت حالات استخدام جديدة، ونمت المهارات داخل السوق.
هذا النوع من التبني المبكر يمكن أن يساعد الشركات الإماراتية على تحسين كفاءتها، وخفض تكاليف التشغيل، وابتكار خدمات جديدة، وجذب المواهب والاستثمارات. كما يمنح الحكومة قدرة أكبر على تصميم سياسات مبنية على الاستخدام الفعلي، لا على التوقعات النظرية.
في المقابل، يكشف التقرير عن فجوة عالمية متزايدة في تبني الذكاء الاصطناعي. فالدول التي تملك بنية رقمية قوية ومهارات عالية تتحرك بسرعة، بينما تواجه دول أخرى عوائق تتعلق بالإنترنت والكهرباء والتعليم الرقمي. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى مضاعف للفجوة الاقتصادية إذا لم تتمكن الدول المتأخرة من بناء الأساسيات اللازمة لاستخدامه.
من التبني إلى الابتكار المحلي
رغم أهمية الصدارة الإماراتية، يبقى التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة هو الانتقال من الاستخدام الواسع إلى الابتكار المحلي العميق. فانتشار الأدوات بين السكان والمؤسسات خطوة قوية، لكنه ليس نهاية الطريق. القيمة الأكبر ستأتي عندما يتحول هذا الاستخدام إلى منتجات محلية، ونماذج أعمال جديدة، وحلول قطاعية، وشركات ناشئة قادرة على المنافسة عالمياً.
الإمارات تملك عناصر مهمة لتحقيق ذلك: بنية تحتية رقمية قوية، استثمارات كبيرة، بيئة أعمال منفتحة، ومؤسسات بحثية وتقنية متنامية. لكن السباق العالمي في الذكاء الاصطناعي لن يكافئ من يستخدم التكنولوجيا فقط، بل من يحول الاستخدام إلى معرفة، والمعرفة إلى ملكية فكرية، والملكية الفكرية إلى اقتصاد جديد.
لذلك، فإن تصدر الإمارات عالمياً في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي ليس مجرد إنجاز رقمي. إنه مؤشر على أن الدولة نجحت في خلق ثقافة تبنٍ سريعة، وهي خطوة نادرة في عالم تتردد فيه كثير من المؤسسات قبل تغيير طريقة عملها.
شاهد أيضاً: أكاديمية الذكاء الاصطناعي في أبوظبي تطلق الدفعة الثانية من برنامج الرئيس التنفيذي للذكاء الاصطناعي