60% من الرؤساء التنفيذيين يخشون الذكاء الاصطناعي أكثر من الحروب والاضطرابات الاقتصادية
بين وعود التّحوّل التّقنيّ ومخاوف الاختلال غير المتوقّع، يكشف استطلاعٌ جديدٌ أنّ الذكاء الاصطناعي بات في نظر قادة الشّركات خطراً يفوق الحروب والأزمات الاقتصاديّة والهجمات السّيبرانيّة
حين تظهر ابتكارات تكنولوجية قادرة على تغيير قواعد اللعبة، فإنها غالباً ما تستدعي ردود فعل متباينة بل متطرفة بين المستخدمين والرأي العام؛ إذ ينظر إليها البعض بوصفها أعظم ما جادت به التقنية الحديثة، بينما يراها آخرون خطأً جسيماً قد يهدد توازن العالم. وفي قلب هذا الجدل يقف الذكاء الاصطناعي، الذي يُعد ربما أكثر التقنيات ثوريةً في جيل كامل، لا سيما أنه يتطور ويتحسن بوتيرة يومية متسارعة، الأمر الذي يجعل مآلات تأثيره النهائية ما تزال مفتوحة على احتمالات متعددة. غير أن دراسات حديثة بدأت تمنحنا إشارات أولية مقلقة حول ما قد يتركه هذا التحول العميق من أثر داخل بيئات العمل.
وفي هذا السياق، يبدو أن الرؤساء التنفيذيين باتوا، وللمرة الأولى، ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره قوة قد تبلغ من التأثير حداً يُحدث اضطرابات وتموجات قد تشكل خطراً على شركاتهم يفوق ما تسببه الاضطرابات الجيوسياسية التقليدية مثل الحروب، والانهيارات الاقتصادية والمالية، أو حتى حوادث الأمن السيبراني. وقد ورد هذا التقييم في تقرير صادر عن مؤسسة ذا كونفرنس بورد (The Conference Board)، وهي منظمة غير ربحية تُعنى بأبحاث الأعمال وتضم في عضويتها نحو ألفي شركة ومؤسسة، من بينها عدد كبير من الشركات المدرجة ضمن قائمة فورتشن 500 (Fortune 500).
وفي إطار استطلاعها الفصلي، سألت المؤسسة الرؤساء التنفيذيين عن خططهم وتصوراتهم حيال المرحلة الراهنة، لتكشف النتائج أن 60 بالمئة منهم صنفوا الذكاء الاصطناعي باعتباره الخطر الأول الذي يهدد صناعاتهم، وفق ما أورده موقع إتش آر دايف (HRDive). ويعكس هذا الرقم ارتفاعاً بمقدار سبع نقاط مئوية مقارنة بنتائج الربع الرابع من عام 2025، أي قبل ثلاثة أشهر فقط، وهو ارتفاع حاد يعكس بوضوح حجم القلق المتنامي لدى قادة الشركات، بل إن نتائج الاستطلاع الجديد أظهرت أن الذكاء الاصطناعي تقدم بنقطة مئوية واحدة على خطر عدم الاستقرار الجيوسياسي، وبأربع نقاط مئوية على خطر الهجمات السيبرانية.
وتعود مخاوف قادة الشركات من الذكاء الاصطناعي أساسًا إلى معضلتين رئيسيتين، كما أشار تقرير إتش آر دايف. فمن ناحية، إذا قصّرت الشركات في الاستثمار في هذه التقنية التحويلية، فإنها تخاطر بالتخلف عن منافسيها الذين قد يندفعون إلى تبنيها بوتيرة أكثر جرأة، خاصة إذا ثبتت صحة الوعود المرتبطة بقدرتها على تعزيز الإنتاجية. وهذا الاحتمال يضع ضغوطاً مالية واستراتيجية واضحة على قرارات الاستثمار التي يتخذها التنفيذيون. غير أن الوجه الآخر للمشكلة لا يقل تعقيداً؛ إذ إن هذه الضغوط ذاتها قد تدفع بعض الشركات إلى الإفراط في الحماس والاستثمار المبالغ فيه في الذكاء الاصطناعي، وهو ما قد ينتهي بنتائج دون التوقعات. وفي مثل هذه الحالة قد يُهدر رأس المال المستثمر، الأمر الذي قد يثير استياء المستثمرين، فضلًا عن تحويل الموارد المالية بعيدًا عن فرص استثمارية ربما تكون أكثر إنتاجية وجدوى.
ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الهواجس المتزايدة، فإن استطلاع ذا كونفرنس بورد يكشف مفارقة لافتة؛ إذ تبين أن عدداً أكبر من الرؤساء التنفيذيين يخططون لزيادة الإنفاق الرأسمالي خلال هذا الربع مقارنة بالربع السابق. فقد أفاد 35% منهم بأنهم يعتزمون رفع استثماراتهم الآن، مقابل 22% فقط في الربع الماضي. ويبدو أن جاذبية الوعود التي يحملها الذكاء الاصطناعي، مقترنة بالقلق من التخلف عن المنافسين، قد خلقت مزيجاً قوياً يدفع قرارات الاستثمار داخل غرف القيادة التنفيذية في الشركات.
وفي سياق متصل، تحدثت ليزا كوك (Lisa Cook)، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، هذا الأسبوع عن الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن هذه التقنية تحمل «وعوداً هائلة»، لكنها شددت في الوقت نفسه على أنها تنظر إلى «اعتمادها الواسع بحذر»، لأنها قد تقود إلى «أكبر إعادة تنظيم لطبيعة العمل عبر أجيال»، بحسب ما نقل موقع إتش آر دايف. كما لفتت إلى أن هذه التقنية قد تدفع في البداية إلى فقدان وظائف قبل أن تسهم في خلق وظائف جديدة، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة مؤقتًا، ريثما تتكشف ملامح المرحلة التي سيشهد فيها الاقتصاد تحوله التدريجي إلى واقع جديد.
وقد يبدو للبعض مفاجئاً أن يحتل الذكاء الاصطناعي صدارة مخاوف الرؤساء التنفيذيين في دراسة ذا كونفرنس بورد، ولا سيما في ظل اضطرابات جيوسياسية كبيرة مثل الغزو الروسي لأوكرانيا، والتوترات في إيران، إلى جانب حالة عدم اليقين المالي المتسارعة التي غذّتها السياسات الاقتصادية لإدارة دونالد ترامب (Donald Trump). وفي هذا السياق، سأل الباحثون الرؤساء التنفيذيين عن أثر الرسوم الجمركية، لتكشف النتائج أن 71% منهم أكدوا أنها رفعت تكاليف شركاتهم. ومع ذلك، يبقى لافتاً أن يشير معظمهم إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره الخطر الأكبر الذي يواجه أعمالهم.
وربما يكون في هذا التقييم قدر من الصواب، بل إن ثمة احتمالاً بأن يكون بعض القادة التنفيذيين قد قلّلوا من تقدير حجم التهديدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. فكما أشار تقرير حديث نشرته شبكة سي إن بي سي (CNBC)، فإن المخاطر لا تقتصر على معضلتي نقص الاستثمار أو الإفراط فيه. فقد أوضح خبراء في الذكاء الاصطناعي للشبكة أن أحد أبرز التحديات يتمثل في أنه كلما سلّمت الشركات مزيدًا من الأنظمة والبيانات الحساسة -بما في ذلك المعلومات المالية- إلى أدوات ذكاء اصطناعي أكثر تطوراً، فإن تعقيد هذه الأنظمة قد يبلغ مستوى يتجاوز «قدرة البشر على الفهم». وعند تلك النقطة، إذا وقع خلل في النظام أو ارتكب خطأً، فقد يحدث ذلك بصمت وبطريقة يصعب التنبؤ بها.
وفي 11 مارس، حذّر إيلون ماسك (Elon Musk) المستخدمين -وفق ما نقلته مجلة فورتشن (Fortune)- من ضرورة «المضي بحذر»، وذلك عقب انقطاعات واسعة شهدتها خدمات شركة أمازون (Amazon)، بعدما تعرض عملاق التجارة والتقنية لخطأ في أنظمة الذكاء الاصطناعي وُصف بأنه ذو «نطاق تأثير واسع». ويكشف هذا المثال بوضوح عن وجهين من المخاطر الكامنة في الذكاء الاصطناعي. فمن جهة أولى، إذا اعتمدت الشركات على مزودين خارجيين مثل أمازون لتشغيل عملياتها الأساسية، فإن الأخطاء المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تشل عملياتها بالكامل. ومن جهة ثانية، فإن حتى خبراء التقنية أنفسهم قد يتعثرون عند نشر أدوات ذكاء اصطناعي تنحرف عن مسارها، وهو احتمال قد يطال أيضًا الشركات التي تطبق هذه الأدوات داخل عملياتها الخاصة.
نُشر هذا المقال في الأصل على موقع (Inc.com).