بعض الموظفين يقضون وقتاً في إدارة أدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من الاستفادة منها
قد لا تحقق أدوات الذكاء الاصطناعي زيادة في الإنتاجية إذا استهلك الموظفون وقتهم في إدارتها بدلاً من توظيفها لتبسيط العمل وإنجاز المهام.
دخلت أدوات الذكاء الاصطناعي إلى بيئات العمل بوعد واضح: تقليل الوقت، وتسريع الإنجاز، وتحسين جودة النتائج. لكن هذا الوعد لا يتحقق دائماً بالطريقة التي تتوقعها الشركات، خصوصاً عندما تتوسع في تبني الأدوات من دون إعادة تصميم طريقة العمل نفسها.
فبدلاً من أن يركز الموظف على مهمته الأساسية، قد يجد نفسه يتنقل بين منصات متعددة، ويكتب التعليمات، ويعيد صياغتها، ويراجع المخرجات، ويصحح الأخطاء، ثم ينقل النتائج يدوياً إلى الأنظمة التي تستخدمها مؤسسته. وفي نهاية العملية، قد يكون الوقت الذي استغرقته إدارة الأداة قريباً من الوقت الذي كانت ستحتاج إليه المهمة من دونها.
لا تعني هذه المشكلة أن الذكاء الاصطناعي غير مفيد، بل تكشف أن استخدامه لا يؤدي تلقائياً إلى رفع الإنتاجية. فالأداة لا توفر الوقت لمجرد وجودها، وإنما عندما تكون مناسبة للمهمة، ومتكاملة مع سير العمل، ويعرف الموظف متى يستخدمها ومتى يعتمد على خبرته مباشرة.
كثرة الأدوات تخلق طبقة جديدة من العمل
تسعى بعض المؤسسات إلى تجربة كل أداة جديدة تظهر في السوق، على أمل العثور على تطبيق يزيد الإنتاجية أو يمنحها ميزة تنافسية. ومع مرور الوقت، قد يستخدم الموظف أداة لكتابة النصوص، وأخرى لتلخيص الاجتماعات، وثالثة لتحليل البيانات، ورابعة لإنشاء العروض، وخامسة لإدارة المشروعات.
لكن هذا التنوع لا يعني بالضرورة وجود نظام أكثر كفاءة. فقد يحتاج الموظف إلى إنشاء حسابات متعددة، وتعلم واجهات مختلفة، ومتابعة سياسات الاستخدام، وحفظ الملفات في أكثر من مكان. كما يضطر أحياناً إلى نقل المحتوى يدوياً بين الأدوات بسبب غياب التكامل بينها.
وهكذا تتحول التكنولوجيا التي يفترض أن تقلل عدد الخطوات إلى سبب في زيادتها. وتظهر مشكلة أخرى عندما تتداخل وظائف المنصات، فلا يعرف الموظفون الأداة المعتمدة لكل مهمة، أو يستخدم كل فريق نظاماً مختلفاً، ما يصعّب التعاون ومشاركة النتائج.
كتابة التعليمات قد تصبح مهمة مستقلة
تعتمد جودة مخرجات أدوات الذكاء الاصطناعي على وضوح التعليمات والسياق المقدم إليها. لذلك قد يقضي الموظف وقتاً طويلاً في شرح المهمة، وتحديد النبرة، وإضافة الأمثلة، وتصحيح سوء الفهم، ثم إعادة المحاولة للحصول على نتيجة قابلة للاستخدام.
وفي بعض المهام، تكون هذه العملية مبررة لأنها تنتج نموذجاً يمكن تكراره لاحقاً. لكن عندما يحتاج الموظف إلى إعادة بناء التعليمات من الصفر في كل مرة، تصبح إدارة المحادثة مع الأداة عملاً إضافياً بدلاً من أن تكون اختصاراً للعمل.
كما قد يؤدي السعي إلى الحصول على نتيجة مثالية إلى سلسلة طويلة من التعديلات الصغيرة. ويستمر المستخدم في طلب نسخة أقصر، ثم أكثر وضوحاً، ثم أقل رسمية، ثم أكثر دقة، حتى يصبح الوقت المستهلك في تحسين المخرج أكبر من الوقت اللازم لكتابة المحتوى مباشرة.
المشكلة هنا ليست في الأداة وحدها، بل في استخدام الذكاء الاصطناعي لمهمات لا تستفيد فعلياً من التكرار أو الأتمتة، أو في غياب معايير واضحة تحدد متى تصبح النتيجة جيدة بما يكفي للانتقال إلى الخطوة التالية.
مراجعة المخرجات تستهلك وقتاً لا يظهر في التقارير
قد تنتج أدوات الذكاء الاصطناعي مسودة خلال ثوانٍ، لكن سرعة إنتاج المسودة لا تساوي سرعة إكمال المهمة. إذ لا يزال على الموظف التأكد من صحة المعلومات، ومراجعة اللغة، والتحقق من الأرقام، وتقييم مدى توافق المحتوى مع سياسات المؤسسة.
وتزداد هذه المسؤولية في المجالات التي تعتمد على الدقة، مثل القانون والمال والصحة والموارد البشرية والاتصالات المؤسسية. فخطأ صغير قد يؤدي إلى قرار غير صحيح، أو محتوى مضلل، أو ضرر بسمعة الشركة.
وقد تمنح الإدارة اهتماماً كبيراً للوقت الذي وفرته الأداة في مرحلة الإنشاء، بينما تتجاهل الوقت الذي استغرقته مرحلة التحقق. وإذا كان الموظف لا يستطيع الوثوق بالمخرج إلا بعد مراجعته كلمة بكلمة، فإن الأداة تكون قد نقلت الجهد من الكتابة إلى التدقيق، ولم تلغه.
لذلك يجب قياس الوقت الكامل للمهمة من بدايتها حتى اعتماد النتيجة، بدلاً من الاكتفاء بقياس سرعة إنتاج المسودة الأولى.
تبديل السياق يضعف التركيز
لا تتعلق المشكلة بعدد الدقائق فقط، بل بالطاقة الذهنية التي يستهلكها التنقل المستمر بين المهمة والأداة. فعندما يتوقف الموظف عن العمل ليكتب تعليمات، ثم ينتظر النتيجة، ثم يقارنها بما يحتاج إليه، ثم يعود إلى المهمة الأصلية، يتعرض تركيزه للانقطاع.
وقد تتكرر هذه الدورة مرات عديدة خلال اليوم، خاصة عندما يحاول المستخدم إدخال الذكاء الاصطناعي في كل تفصيل صغير. ورغم أن كل تفاعل يبدو قصيراً، فإن مجموع هذه الانقطاعات قد يضعف جودة التفكير ويجعل العمل أكثر تشتتاً.
كما قد يفقد الموظف مسار الفكرة التي كان يعمل عليها عندما يبدأ في تقييم عدد كبير من الاقتراحات التي قدمتها الأداة. وبدلاً من أن تساعده التكنولوجيا على اتخاذ القرار، تضيف أمامه مزيداً من الخيارات التي تحتاج إلى المقارنة والاستبعاد.
الاستفادة الحقيقية تظهر عندما تقلل الأداة عدد نقاط التوقف، لا عندما تضيف سلسلة جديدة من التفاعلات إلى كل مهمة.
الموظفون يتحملون عبء اختيار الأداة المناسبة
في المؤسسات التي لا تمتلك استراتيجية واضحة للذكاء الاصطناعي، يُترك الموظفون وحدهم أمام عدد كبير من الخيارات. ويصبح على كل شخص أن يبحث عن الأدوات، ويختبرها، ويقارن أسعارها، ويتأكد من سياسات الخصوصية، ثم يقرر ما إذا كانت تستحق الاستخدام.
وقد يُنظر إلى هذا السلوك على أنه مبادرة شخصية، لكنه ينقل جزءاً من مسؤولية التحول الرقمي من المؤسسة إلى الموظف. فبدلاً من توفير نظام معتمد وتدريب واضح، تطلب الشركة بصورة غير مباشرة من الأفراد بناء حلولهم الخاصة.
وينتج عن ذلك تفاوت كبير في طرق العمل. فقد يعتمد موظف على منصة مجانية، بينما يستخدم آخر أداة مدفوعة، ويحتفظ ثالث بالمعلومات داخل ملفات منفصلة. ومع مرور الوقت، تصبح المعرفة موزعة بين أنظمة لا تديرها المؤسسة بصورة مركزية.
كما ترتفع مخاطر مشاركة بيانات حساسة مع أدوات غير معتمدة، أو فقدان المعلومات عند مغادرة الموظف، أو الاعتماد على اشتراكات شخصية يصعب نقلها إلى أعضاء الفريق الآخرين.
الاستخدام الظاهر لا يعني إنتاجية أعلى
قد تقيس الشركات نجاح مبادرات الذكاء الاصطناعي بعدد المستخدمين النشطين أو مرات فتح الأداة، لكن هذه المؤشرات لا تكشف ما إذا كان العمل أصبح أفضل فعلاً.
فقد يرتفع الاستخدام لأن الموظفين مطالبون بتجربة المنصة، أو لأنهم يواجهون صعوبة في الحصول على نتيجة جيدة ويكررون المحاولة مرات عديدة. وقد يقضي الفريق ساعات داخل أداة معينة من دون أن يؤدي ذلك إلى تقليل التكلفة أو تحسين الجودة أو تسريع تسليم المشروعات.
لذلك ينبغي ربط استخدام الذكاء الاصطناعي بنتائج واضحة، مثل تقليل مدة إنجاز المهمة، وخفض الأخطاء، وتحسين رضا العملاء، وزيادة قدرة الفريق على التعامل مع حجم عمل أكبر.
وإذا لم تستطع المؤسسة تحديد النتيجة التي تحسنت، فقد يكون انتشار الأداة مجرد نشاط تقني جديد لا يضيف قيمة اقتصادية حقيقية.
التدريب لا يجب أن يقتصر على كيفية استخدام الأداة
تركز برامج التدريب غالباً على كتابة التعليمات وتشغيل الخصائص المختلفة، لكنها لا تمنح الموظفين دائماً إطاراً يساعدهم على تحديد المهام المناسبة للذكاء الاصطناعي.
فالمهارة الأهم ليست معرفة كيفية طلب الإجابة فقط، بل معرفة ما إذا كانت المهمة تحتاج إلى الأداة أصلاً. هناك أعمال تستفيد من التلخيص والتصنيف وإعداد المسودات المتكررة، بينما تحتاج أعمال أخرى إلى خبرة بشرية مباشرة أو فهم عميق للسياق لا توفره النماذج بسهولة.
ويحتاج الموظفون أيضاً إلى معرفة حدود الأداة، وأنواع الأخطاء المتوقعة، وطريقة التحقق من المخرجات، والبيانات التي لا يجوز إدخالها. وكلما كان الاستخدام أكثر وعياً، انخفض الوقت الضائع في التجربة العشوائية والتعديلات غير الضرورية.
التكامل أهم من عدد الأدوات
تحقق المؤسسات قيمة أكبر عندما تدمج الذكاء الاصطناعي داخل أنظمتها الحالية، بدلاً من إضافة منصة منفصلة يتعين على الموظفين إدارتها. فعندما تعمل الأداة داخل نظام البريد أو إدارة العملاء أو منصة المشروعات، تقل الحاجة إلى نسخ المعلومات ونقلها بين التطبيقات.
كما ينبغي اختيار عدد محدود من الأدوات المعتمدة التي تغطي الاحتياجات الأساسية، مع وضع قواعد واضحة لاستخدامها. فهذا يقلل التشتيت، ويسهل التدريب، ويحسن الحماية، ويسمح للفرق ببناء طرق عمل مشتركة.
ولا تحتاج كل مؤسسة إلى أحدث الأدوات أو أكبر عدد منها. قد يكون حل واحد متكامل وقابل للتكرار أكثر فائدة من عشر منصات تقدم خصائص متشابهة ولا تتواصل مع بعضها.
الذكاء الاصطناعي يجب أن يختصر العمل لا أن يعيد تنظيمه فقط
لا تتحقق الإنتاجية عندما ينتقل الوقت من تنفيذ المهمة إلى إدارة الأداة. بل تتحقق عندما تختفي خطوات كاملة، أو تصبح القرارات أوضح، أو يستطيع الموظف التركيز على الأعمال التي تحتاج إلى خبرته.
ولهذا يجب على الشركات مراجعة سير العمل قبل شراء المزيد من الحلول. ما المهمة التي تستهلك وقتاً كبيراً؟ وأي جزء منها متكرر؟ وأين تحدث الأخطاء؟ وهل تستطيع الأداة معالجة المشكلة، أم ستضيف واجهة جديدة فوق عملية غير فعالة أصلاً؟
في النهاية، لا تُقاس قيمة الذكاء الاصطناعي بعدد الأدوات التي يستخدمها الموظفون، بل بحجم العمل غير الضروري الذي أزالته. فإذا أصبح الموظف منشغلاً بإدارة المنصات، وصياغة التعليمات، ونقل النتائج، ومراجعة الأخطاء أكثر من انشغاله بعمله الأساسي، فإن المؤسسة لم تحقق التحول الذي تبحث عنه، بل استبدلت نوعاً من التعقيد بنوع آخر.
شاهد أيضاً: هل تؤثر أدوات الذكاء الاصطناعي على ثقافة العمل؟