الرئيسية الريادة لماذا يخاف الناس من المخاطر الجديدة أكثر من المخاطر المألوفة؟

لماذا يخاف الناس من المخاطر الجديدة أكثر من المخاطر المألوفة؟

لماذا يضخم العقل المخاطر الجديدة ويستهين بالمألوفة؟

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

يعيش الإنسان اليوم في عالم مليء بالمخاطر والتغيرات المتسارعة، بدءاً من التكنولوجيات الناشئة ووصولاً إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة. ومع ذلك، يلاحظ الباحثون في علم النفس السلوكي أن الناس لا يتعاملون مع جميع المخاطر بالطريقة نفسها. فغالباً ما يبالغ الأفراد في تقدير المخاطر الجديدة أو غير المألوفة، بينما يقللون من شأن مخاطر أخرى قد تكون أكثر احتمالاً أو تأثيراً لمجرد أنهم اعتادوا وجودها.

وتفسر هذه الظاهرة جانباً كبيراً من السلوك البشري في الحياة اليومية والأعمال والاستثمار وحتى القرارات الصحية. إذ لا تعتمد نظرتنا إلى المخاطر على الحقائق والأرقام فقط، بل تتأثر أيضاً بالمشاعر والخبرات السابقة وطريقة معالجة الدماغ للمعلومات الجديدة.

كيف يقيّم العقل المخاطر؟

لا يعمل الدماغ البشري كآلة حسابية تزن الاحتمالات بدقة كاملة. فعندما يواجه الإنسان موقفاً جديداً، يلجأ العقل إلى اختصارات ذهنية تساعده على اتخاذ قرارات سريعة دون الحاجة إلى تحليل كل التفاصيل.

وقد كانت هذه الآلية مفيدة عبر التاريخ البشري، لأنها ساعدت الإنسان على الاستجابة السريعة للتهديدات المحتملة. لكن في العالم الحديث قد تؤدي هذه الاختصارات إلى تقديرات غير دقيقة للمخاطر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأحداث جديدة أو غير مألوفة.

ولهذا السبب قد يبدو تهديد جديد أكثر خطورة مما هو عليه فعلياً، حتى عندما تشير البيانات إلى أن مخاطره أقل من مخاطر أخرى موجودة بالفعل.

الغموض يزيد الشعور بالخطر

يُعدّ الغموض أحد أهم الأسباب التي تجعل الناس يبالغون في تقدير المخاطر الجديدة. فعندما لا يمتلك الفرد معلومات كافية عن شيء ما، يميل عقله إلى ملء الفراغات بأسوأ السيناريوهات الممكنة.

ويحدث ذلك لأن عدم اليقين يخلق شعوراً بفقدان السيطرة. وكلما انخفضت قدرة الشخص على توقع النتائج أو فهم آلية الخطر، ارتفع مستوى القلق المرتبط به.

في المقابل، تبدو المخاطر المألوفة أقل تهديداً حتى لو كانت أكثر احتمالاً، لأن الأفراد يشعرون بأنهم يفهمونها ويعرفون كيفية التعامل معها.

لماذا تبدو المخاطر الجديدة أكبر من حجمها الحقيقي؟

يميل العقل البشري إلى إعطاء أهمية أكبر للأحداث غير المعتادة. فعندما يظهر خطر جديد، ينجذب الانتباه إليه بصورة طبيعية لأنه يمثل تغييراً عن النمط المعروف.

ويؤدي هذا التركيز المكثف إلى تضخيم الإحساس بأهمية الخطر واحتمال حدوثه. ومع كثرة الحديث عنه في وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي، يصبح أكثر حضوراً في الذاكرة، ما يدفع الناس إلى الاعتقاد بأنه أكثر انتشاراً مما هو عليه في الواقع. وفي المقابل، تتراجع المخاطر اليومية المألوفة إلى الخلفية رغم استمرار وجودها وتأثيرها.

تأثير التغطية الإعلامية

تلعب وسائل الإعلام دوراً كبيراً في تشكيل إدراك المخاطر. فالأحداث الجديدة والمثيرة تجذب اهتمام الجمهور أكثر من المخاطر التقليديّة، ولذلك تحظى بتغطية أوسع.

وعندما يتعرض الأشخاص مراراً لقصص أو أخبار تتعلق بخطر معين، يبدأ العقل في اعتباره أكثر شيوعاً واحتمالاً. ويُعرف هذا التأثير في علم النفس بانحياز التوافر، حيث يعتمد الأفراد على سهولة استدعاء المعلومات من الذاكرة عند تقييم الاحتمالات.

لذلك قد يشعر الناس بأن بعض المخاطر الجديدة أصبحت تهدد الجميع، بينما تشير الإحصاءات إلى أن احتمال وقوعها ما زال محدوداً نسبياً.

الخوف من المجهول أقوى من الخوف من المعروف

يُفضّل الدماغ البشري البيئات القابلة للتنبؤ. وعندما يواجه شيئاً جديداً لا يعرف حدوده أو نتائجه، ينشط نظام الحذر الداخلي بصورة أكبر.

ولهذا السبب قد يتردد الموظفون في تبنّي أدوات جديدة تعتمد على الذّكاء الاصطناعيّ، أو قد يتخوف المستثمرون من قطاعات ناشئة رغم وجود فرص واعدة فيها.

ولا يعود ذلك دائماً إلى حجم المخاطر الفعلية، بل إلى صعوبة التنبؤ بما قد يحدث مستقبلاً. فالمجهول يترك مساحة واسعة للتوقعات السلبية والسيناريوهات غير المؤكدة.

لماذا نقلل من شأن المخاطر المألوفة؟

على الجانب الآخر، يؤدي التكرار والاعتياد إلى خفض الإحساس بالخطر. فعندما يتعامل الأشخاص مع موقف معين لفترة طويلة دون التعرض لنتائج سلبية مباشرة، يبدأون في اعتباره أقل خطورة مما هو عليه فعلاً.

وتظهر هذه الظاهرة في العديد من المجالات، سواء في القيادة، أو الأمن السيبراني، أو الصحة، أو القرارات المالية. إذ قد يتجاهل الأفراد إجراءات وقائية مهمة لأنهم لم يواجهوا مشكلة مباشرة في السابق. ومع مرور الوقت، يتحول الاعتياد إلى شعور زائف بالأمان، حتى عندما تبقى المخاطر قائمة.

كيف يؤثر ذلك على قرارات الأعمال؟

في عالم الأعمال، يمكن أن يؤدي تضخيم المخاطر الجديدة إلى تفويت فرص مهمة. فقد تتردد الشركات في تبنّي تقنيات أو نماذج عمل جديدة بسبب التركيز على التحدّيات المحتملة أكثر من التركيز على الفوائد.

وفي الوقت نفسه، قد تتجاهل مخاطر قائمة داخل المؤسسة لأنها أصبحت جزءاً من الواقع اليومي المعتاد.

ولهذا تسعى الشركات الناجحة إلى الفصل بين المشاعر والحقائق عند تقييم المخاطر، من خلال الاعتماد على البيانات والتحليل الموضوعي بدلاً من الانطباعات الأولية فقط.

دور الخبرة في تعديل الإدراك

كلما اكتسب الأفراد خبرة أكبر في مجال معين، أصبحت قدرتهم على تقييم المخاطر أكثر توازناً. فالخبرة تساعد على تقليل أثر الغموض وفهم الاحتمالات بصورة أدق.

ولهذا السبب يبدو الخطر نفسه مختلفاً بين شخص مبتدئ وآخر يمتلك سنوات من المعرفة والتجربة. فالمحترف لا يرى فقط ما قد يحدث بشكل سلبي، بل يفهم أيضاً آليات التعامل مع المخاطر وتقليل آثارها. ومن هنا تأتي أهمية التعلّم المستمر واكتساب المعرفة عند التعامل مع التغيرات الجديدة.

كيف نتجنب المبالغة في تقدير المخاطر؟

يمكن تحسين جودة القرارات من خلال طرح مجموعة من الأسئلة البسيطة قبل الحكم على أي خطر جديد:

  • ما حجم الخطر الفعلي وفقاً للبيانات المتاحة؟
  • هل أخشى هذا الأمر لأنه جديد فقط؟
  • كيف تقارن مخاطره بالمخاطر التي أتعامل معها يومياً؟
  • هل أعتمد على حقائق أم على انطباعات ومشاعر؟
  • ما أسوأ سيناريو محتمل؟ وما احتمال حدوثه فعلاً؟

وتساعد هذه الأسئلة على نقل التفكير من ردود الفعل العاطفية إلى التحليل الأكثر موضوعية.

بين الحذر والمبالغة

لا يعني ذلك أن جميع المخاطر الجديدة يجب التقليل من شأنها. فبعض التغيرات تستحق بالفعل الحذر والدراسة الدقيقة. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الحذر إلى مبالغة تمنع الأفراد أو المؤسسات من اتخاذ قرارات عقلانية.

وفي النهاية، لا يخاف الناس من المخاطر الجديدة لأنها دائماً أكثر خطورة، بل لأن العقل البشريّ صُمم ليمنح المجهول اهتماماً أكبر من المألوف. وبينما يساعد هذا الميل أحياناً على الحماية من التهديدات المحتملة، فإنه قد يدفع أيضاً إلى تضخيم المخاوف وتجاهل الحقائق. لذلك تبقى القدرة على تقييم المخاطر بموضوعية إحدى أهم المهارات التي يحتاجها الأفراد والقادة والمؤسَّسات في عالم يتغير باستمرار.

  • الأسئلة الشائعة

  1. لماذا يبالغ الناس في تقدير المخاطر الجديدة أو غير المألوفة؟
    لأن العقل البشري يتأثر بالغموض وعدم اليقين، ويميل إلى ملء نقص المعلومات بأسوأ السيناريوهات الممكنة، مما يجعل الخطر الجديد يبدو أكبر من حجمه الحقيقي.
  2. كيف يمكن تجنب المبالغة في تقدير المخاطر؟
    يمكن ذلك من خلال الرجوع إلى البيانات، ومقارنة الخطر الجديد بالمخاطر اليومية، وطرح أسئلة موضوعية حول حجمه الفعلي واحتمال حدوثه، والتمييز بين الحقائق والانطباعات العاطفية.
تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 6 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: