كيف تُسيء منشورات وسائل التواصل غير المدروسة إلى سمعة شركتك؟
حين يتحوّل الحضور الرّقميّ من أداة تواصلٍ إلى عبءٍ تسويقيٍّ، قد تؤدّي منشورات القادة غير المدروسة إلى الإضرار بالثّقة والسّمعة والعلاقة مع الجمهور
كما يُدرك معظم أصحاب الشركات الصغيرة، فإنّ صياغة رسائل العلامة التجاريّة، وتطويرها، ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، باتت جزءاً لا يتجزّأ من استراتيجيّات التسويق الحديثة، رغم ما تنطوي عليه من تعقيد وحساسيّة. غير أنّ هذه المهمّة تزداد صعوبة حين يضع القادة التنفيذيّون أنفسهم في صدارة هذا التواصل، ثمّ يتبيّن -أمام جمهور واسع- أنّهم لا يُحسنون أداء هذا الدور، بل يسيئون إليه أحياناً.
وفي هذا السياق، قد توفّر تقارير ودراسات واستطلاعات حديثة إرشادات عمليّة لروّاد الأعمال والمديرين التنفيذيّين في الشركات الكبرى، تساعدهم على تفادي الرسائل العكسيّة التي تضرّ بالسمعة، وعلى الحفاظ على صورة إيجابيّة لعلاماتهم التجاريّة في بيئة رقميّة لا ترحم الأخطاء، وتتميّز بسرعة التفاعل وحدّته.
ومع اتّساع رقعة المؤثّرين وصنّاع المحتوى والشخصيّات العامّة التي راكمت شهرتها وثروتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، انجذب عدد متزايد من قادة الأعمال إلى خوض هذه الساحة بأنفسهم. وقد نجح بعضهم في ذلك نجاحاً لافتاً، من بينهم مارك كوبان (Mark Cuban)، وريتشارد برانسون (Richard Branson)، وتيم كوك (Tim Cook)، إذ استطاعوا تعزيز علاماتهم الشخصيّة، وفي الوقت نفسه، دعم صورة شركاتهم ومكانتها. غير أنّ هذا النموذج لا ينطبق على الجميع؛ فليس كلّ التنفيذيّين يمتلكون المهارة ذاتها في هذا الشكل الأكثر شخصيّة وحميميّة من التواصل، إذ يظهر كثيرون -بحسب تقرير حديث لشبكة "سي إن بي سي" (CNBC)- بصورة تفتقر إلى القرب الإنساني، وتميل بدلاً من ذلك إلى الإحراج والنفور.
وأشار التقرير إلى أنّ هؤلاء القادة "يكتشفون بالطريقة الأصعب أنّ آثارهم الرقميّة قد تترتّب عليها تبعات مادّيّة ملموسة تمسّ أعمالهم بشكل مباشر". ولتوضيح ذلك، استشهد التقرير بحالة براد والاك (Brad Wallake)، الرئيس التنفيذي لشركة "هايبر سوشال" (HyperSocial)، المتخصّصة في التسويق والمبيعات وبناء الشبكات في قطاع الأعمال بين الشركات. فعلى الرغم من نشاطه السابق ونجاحه النسبي في منشوراته على منصّة "لينكدإن" (LinkedIn)، أثار والاك في عام 2022 موجة تفاعل تجاوزت 57,500 ردّ فعل -غالبيّتها ساخرة أو ناقدة- حين أرفق إعلاناً عن تسريح موظّفين بصورة التقطها لنفسه وهو يبكي متأثّراً بالقرار.
وفي تلك اللحظة، وُلدت ظاهرة «المدير التنفيذي الباكي»، التي تحوّلت إلى مادّة متداولة على نطاق واسع، لكنها لم تكن بأيّ حال تطوّراً إيجابيّاً، لا لصورة الشركة ولا لسمعة رئيسها التنفيذي.
ولم تكن هذه الواقعة استثناءً؛ إذ شهدت وسائل التواصل الاجتماعي حالات أخرى لقادة بالغوا في إظهار شخصيّاتهم -وأحياناً غرورهم- في منشوراتهم العامّة. ومن أبرز تلك الحالات ما حدث في أكتوبر الماضي، حين نشر أحد مؤسّسي شركة العملات الرقميّة "بلوك وركس" (Blockworks) منشوراً على منصّة إكس (X) تفاخر فيه بتحقيق «إيرادات قياسيّة» بالتزامن مع الإعلان عن تسريحات وظيفيّة، ما أثار موجة انتقادات واسعة.
وتكاد هذه المنصّة اليوم ترتبط باسم مالكها، إيلون ماسك (Elon Musk)، الذي نجح في استقطاب ملايين المؤيّدين -وربما عدداً أكبر من المعارضين- من خلال أسلوبه شديد الشخصنة والتسييس في رسائله، حتّى تلك المتعلّقة بأعماله التجاريّة. وقد وصل الأمر إلى حدّ إخضاعه لتحقيقات من جهات رقابيّة فدراليّة، عقب منشورات تحدّث فيها عن نيّته خصخصة شركة "تسلا" (Tesla)، ما أدّى إلى ارتفاع حادّ في سعر سهمها.
وليس ماسك وحده من سار على حافة المخاطر التنظيميّة عبر وسائل التواصل. ففي وقت سابق من هذا العام، نشر مايك غانون (Mike Gannon)، رئيس الإيرادات في شركة "سنو فليك" (Snowflake) المتخصّصة في البيانات السحابيّة، مقطع فيديو على منصّة "إنستغرام" (Instagram) أعلن فيه أنّ الشركة تستهدف تحقيق إيرادات بقيمة 10 مليارات دولار خلال عامين. غير أنّ هذا التصريح كشف عن معلومات ماليّة سريّة، ما اضطرّ الشركة إلى إصدار بيان عاجل تؤكّد فيه أنّ هذه البيانات لم يكن ينبغي نشرها، وتدعو المستثمرين إلى تجاهلها.
وأمام هذه الوقائع، يبرز سؤال جوهري: هل يتعيّن على قادة الأعمال أو المدراء التنفيذيّين الابتعاد تماماً عن وسائل التواصل الاجتماعي لتجنّب مثل هذه الانزلاقات؟ الإجابة، وفق شركة "ريدلاين إكزيكيوتيف" (Redline Executive) البريطانيّة المتخصّصة في توظيف القيادات التنفيذيّة العليا، هي: على العكس تماماً.
فقد كتب آندي ريموند (Andy Raymond)، مدير الشركة، في تدوينة له أنّ "احتضان قوّة وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد خياراً تكميليّاً، بل أصبح ضرورة استراتيجيّة للرؤساء التنفيذيّين". وأضاف أنّ "الرئيس التنفيذي يؤدّي دوراً محورياً في تشكيل أداء الشركة، وقد أظهرت دراسات صادرة عن مصادر مرموقة، مثل هارفارد بزنس ريفيو (Harvard Business Review) وغيرها، أنّ ما يقارب نصف سمعة الشركة وقيمتها السوقيّة يُعزى في كثير من الأحيان إلى العلامة الشخصيّة لرئيسها التنفيذي".
غير أنّ التحدّي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن: كيف يمكن للقادة الظهور على المنصّات الرقميّة دون التقيّد الرسمي المفرط الذي يبعدهم عن الجمهور، أو الانزلاق في المقابل إلى شخصنة مفرطة تستجلب ردود فعل عدائيّة؟
تشير ريدلاين إكزيكيوتيف إلى أنّ الحلّ يبدأ بالالتزام الصارم بأهداف الأعمال الأساسيّة في الرسائل المنشورة. وتشمل هذه الأهداف تعزيز الوعي بالعلامة التجاريّة لدى الجمهور الخارجي، وإضفاء طابع إنساني على صورة الشركة من خلال صوت الرئيس التنفيذي، وإبراز الخبرة والقيادة الفكريّة، إضافة إلى بناء قنوات تواصل مباشرة مع الموظّفين والعملاء والعملاء المحتملين والجمهور العام. ولا مكان، في هذا الإطار، للاستعراض أو التسييس أو التفاخر بنتائج ماليّة قياسيّة بالتزامن مع تقليص القوى العاملة.
كما أنّ امتلاك نبرة ودّية، ولمسة خفيفة من الذكاء، وحضوراً إنسانيّاً صادقاً -على غرار ما يتميّز به كوبان أو برانسون- قد يُحدث فارقاً إيجابيّاً. وتعزّز هذه الرؤية نتائج دراسة حديثة بعنوان «قوّة النشر: دراسة في نجوميّة الرؤساء التنفيذيّين على وسائل التواصل الاجتماعي» (The Power of Posting: An Examination of CEO Social Media Celebrity)، أعدّها باحثون من معهد ستيفنز للتكنولوجيا (Stevens Institute of Technology) في نيوجيرسي. وقد حلّلت الدراسة أكثر من 250 ألف منشور نشرها 320 رئيساً تنفيذياً لشركات مدرجة في مؤشر "إس آند بي" 1500 (S&P 1500) بين عامَي 2009 و2021 على منصّة "تويتر" (Twitter) سابقاً، إلى جانب 1.6 مليون تفاعل وردّ من المستخدمين.
ورغم أنّ الدراسة لم تقدّم تصنيفاً شاملاً لأكثر القادة نجاحاً من حيث السمعة، فقد أشارت إلى أسماء بارزة، من بينها مارك بينيوف (Marc Benioff)، الشريك المؤسّس لشركة "سيلزفورس" (Salesforce)، وجيمس وايتهاست (James Whitehurst)، الرئيس التنفيذي لشركة "ريد هات" (Red Hat)، وأرفيند كريشنا (Arvind Krishna)، الرئيس التنفيذي لشركة "آي بي إم" (IBM). والأهمّ من ذلك، أنّها كشفت عن أنماط نشر واضحة تميل إلى توليد تفاعل إيجابي، ما ينعكس مباشرة على سمعة القادة وشركاتهم معاً.
وخلصت الدراسة إلى أنّ "حجم المنشورات، ونبرتها الإيجابيّة، وتنوّع موضوعاتها، ترتبط ارتباطاً إيجابيّاً بتحقيق نجوميّة الرؤساء التنفيذيّين على وسائل التواصل الاجتماعي، في حين لا يظهر لتفرّد المنشورات الأثر ذاته". كما أوضحت أنّ الجمهور "يكافئ الرؤساء التنفيذيّين الذين يحضرون باستمرار، وبإيجابيّة، وبأساليب متنوّعة"، وأنّ هذه المكافآت تتجاوز حدود الفضاء الرقمي لتنعكس على سمعة القادة وشركاتهم، بل وعلى مستويات تعويضهم المالي أيضاً.
وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أنّه، بدلاً من السعي وراء ردود الفعل الصاخبة والمتناقضة التي يثيرها بعض القادة البارزين، قد يكون الأجدى لمعظم التنفيذيّين اعتماد دور أكثر توازناً: أن يكونوا الوجه الإنساني والصوت العاقل لشركاتهم. ويتحقّق ذلك عبر الالتزام بأهداف تواصليّة واضحة، والنشر المنتظم حول موضوعات متنوّعة تحافظ على الحضور والاهتمام دون إثارة غير محسوبة.
وأخيراً، ثمّة قاعدة ذهبيّة لا تحتمل التأويل: مهما كانت النوايا حسنة، لا ينبغي لأيّ رئيس تنفيذي أن ينشر صورة لنفسه وهو يبكي.
نُشر هذا المقال، الذي كتبه بروس كرَملي (Bruce Crumley)، في الأصل على موقع إنك.كوم (Inc.com).