الرئيسية الريادة فن القيادة تحت الضغط: كيف تنجو المؤسسات من الأزمات؟

فن القيادة تحت الضغط: كيف تنجو المؤسسات من الأزمات؟

حين تضرب الأزمات وتضيق مساحة اليقين، تصبح القيادة الحقيقيّة اختباراً للمرونة والوضوح والتّعاطف؛ إذ تحدّد سرعة التّكيّف وجودة القرار قدرة المؤسّسات على الصّمود والتّعافي

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

في الأوقات المستقرّة، يتمتع القادة برفاهيّة الزّمن؛ زمن يتيح لهم تحليل الأسواق بتمعّن، وصقل الاستراتيجيّات بعنايةٍ، والتّفاوض على العقود بهدوءٍ، وبناء الثّقافة المؤسّسيّة على نحوٍ مدروسٍ ومتدرّجٍ. غير أنّ الأزمات تسلب القادة هذه الرّفاهيّة دفعةً واحدةً. فمع اندلاعها، تصبح القرارات أكثر استعجالاً، وتغدو المعلومات ناقصة أو متغيرّة باستمرار، ويتقلص هامش السيطرة، فيما ترتفع كلفة الخطأ إلى مستويات أعلى بكثير.

وسواء جاء الاضطراب نتيجة صدمات اقتصادية، أو أزمات صحية عامة، أو إخفاقات تكنولوجية، أو تهديدات تمس السمعة، أو تحولات مفاجئة في الأسواق، فإن الأسس الجوهرية للقيادة الفاعلة في زمن الأزمات تظل ثابتة. فالفارق الحقيقي بين المؤسسات التي تصمد وتلك التي تتعثر لا يكمن في قوة صلبة أو موارد ضخمة، بل في قدرة عميقة على التكيّف.

وقد أكدت الأزمات الكبرى خلال العقدين الماضيين -من الأزمة المالية العالمية إلى جائحة كوفيد-19 (COVID-19)- حقيقة بسيطة لكنها حاسمة: البقاء لا يعتمد بالدرجة الأولى على الحجم أو الهيمنة، بل على المرونة والقدرة على التحرك بخفة. فالمؤسسات الأكثر صلابة ليست تلك التي تقاوم التغيير، بل تلك التي تستجيب بسرعة وتبدي استعداداً لتعديل مسارها حين تتطلب الظروف ذلك.

وعندما تتعطل الأنظمة المألوفة، وتتوقف سلاسل الإمداد، وتتبدل أنماط سلوك العملاء، أو تتعرض العمليات التشغيلية للانقطاع، يصبح لزاماً على القادة أن يغيّروا اتجاههم بحسم. غير أن التكيّف لا يعني الارتجال العشوائي، بل هو قدرة منضبطة على إعادة التقييم، وترتيب الأولويات، واتخاذ قرارات واضحة تحت ضغط شديد.

الوضوح والهدوء تحت الضغط

في لحظات الغموض، يتطلع الموظفون إلى قادتهم بحثاً عن الطمأنينة والكفاءة. وهم لا ينتظرون الكمال، لكنهم يتوقعون وضوحاً صادقاً. فالأزمات بطبيعتها تضخم مشاعر القلق. وعندما تتضارب المعلومات وتتسارع التطورات، قد يصاب صانعو القرار بالشلل. أما القادة الذين يبالغون في التردد أو يتواصلون برسائل متناقضة، فإنهم يضاعفون هذا القلق. في المقابل، يعتمد قادة الأزمات الفاعلون على أفضل المعلومات المتاحة لاتخاذ قراراتهم، ثم يشرحونها بوضوح: ما الذي نعرفه، وما الذي لا نعرفه بعد، وما الخطوة التالية.

فالشفافية تبني الثقة، بينما الصمت يقوضها. ولا يقل أهمية عن ذلك القدرة على الحفاظ على رباطة الجأش؛ فكما أن الهدوء معدٍ، فإن الذعر كذلك.

التفكير أبعد من اللحظة الراهنة

من أكثر الأخطاء شيوعاً أثناء الأزمات أن يضيق نطاق التفكير أكثر من اللازم. إذ قد ينشغل القادة بالدفاع عن المصالح الآنية لشركاتهم، فيركزون حصرياً على الحماية قصيرة الأجل. غير أن طبيعة الأزمات كثيراً ما تستدعي رؤية أوسع.

فالمؤسسات لا تعمل في فراغ، بل ضمن منظومات مترابطة تشمل العملاء والموردين والمجتمعات والجهات التنظيمية والشركاء. والقرارات التي تُتخذ بمعزل عن هذا السياق قد تضر بالعلاقات طويلة الأمد وبالسمعة المؤسسية. أما القادة الذين يضعون في اعتبارهم الأثر الأوسع لقراراتهم، فهم الأقدر على الحفاظ على الثقة وتأمين تعافٍ مستدام.

ومن هنا تصبح الشراكة والتعاون عاملين حاسمين. فلا مؤسسة تواجه اضطراباً كبيراً بمفردها. وغالباً ما يكون “الفائزون” في الأزمات هم أولئك الذين ينسقون بفعالية مع شركائهم، ويتشاركون المعلومات بقدر مناسب، ويوجهون جهودهم المشتركة نحو النقاط التي تحقق أكبر أثر استراتيجي.

قوة التعاطف المعرفي

كثيراً ما يُتداول مفهوم التعاطف في أدبيات القيادة، غير أن الأزمات تتطلب تطبيقه بقدر من الدقة والوعي.

فهناك فرق بين التعاطف العاطفي -أي أن يشعر القائد بما يشعر به الآخرون- والتعاطف المعرفي، أي فهم ما يمر به الآخرون. وفي البيئات شديدة الضغط، ينبغي للقادة إعطاء الأولوية للتعاطف المعرفي. فإذا انجرف القادة وراء الخوف أو الضيق ذاته الذي يعيشه فريقهم، فقد يتأثر حكمهم سلبًا. أما النهج الأكثر حكمة فيكمن في محاولة فهم تحديات الموظفين وضغوطهم ومخاوفهم دون أن يبتلعهم ذلك الشعور.

هذا النوع من التعاطف يتيح للقادة طرح أسئلة أفضل وأكثر عمقاً، مثل:

  • ما الذي يقلق موظفيّ الآن؟
  • ما العقبات التي تمنعهم من أداء عملهم بفعالية؟
  • كيف قد يفسّر العملاء قراراتنا؟
  • ما العواقب غير المقصودة التي قد تنجم عنها؟

إن تبني هذا المنظور يعزز جودة القرارات ويجعل التواصل أكثر وعياً وفاعلية.

ويقدم التاريخ أمثلة عديدة لقادة أخفقوا في هذا الجانب أثناء أزمات شركاتهم. فالتصريحات العلنية التي تقلل من حجم المشكلة، أو تركز على الإزعاج الشخصي بدل تأثير الأزمة على أصحاب المصلحة، قد تدمّر المصداقية بسرعة. فالأزمات تضخم الأخطاء في الحكم، ولذلك ينبغي للقادة أن يكونوا شديدي الانتباه في الطريقة التي يصوغون بها مواقفهم ويعبرون عنها.

والخبر الإيجابي أن التعاطف المعرفي مهارة قابلة للتطوير. إذ يتحسن عبر الممارسة المقصودة، والبحث عن وجهات نظر متنوعة، وتشجيع الآراء المخالفة، واختبار الافتراضات قبل اتخاذ القرار.

الثقافة المؤسسية تحت اختبار الضغط

عندما تضرب الأزمات، تصبح الثقافة التنظيمية على المحك؛ فالفرق عالية الأداء تشترك في سمتين أساسيتين: إنجاز المهام بكفاءة، والحفاظ في الوقت ذاته على علاقات عمل قوية. غير أن كثيراً من الفرق، تحت ضغط الأزمات، تميل إلى التركيز المفرط على إنجاز المهام، متجاهلة أهمية العلاقات. لكن التعاون يتآكل بسرعة عندما تتآكل الثقة. لذلك يتعين على القادة حماية هذين البعدين معاً.

ويعني ذلك وضع أولويات واضحة وأطر تنفيذ محددة، مع الحرص في الوقت ذاته على متابعة تماسك الفريق. ويعني أيضاً أن يكون القائد موثوقاً ومنظماً وحاسماً، لكنه في الوقت نفسه متاحاً ومتواصلاً مع فريقه. وتبرز أهمية التواصل الفوري هنا بشكل خاص. فحتى التحديثات القصيرة والمنتظمة قادرة على تقليل حالة الغموض ومنع الشائعات من ملء الفراغ.

هيكلية دون شلل

تلعب هياكل الحوكمة دوراً مهماً في أوقات الأزمات؛ فالنظم البيروقراطية المفرطة قد تبطئ اتخاذ القرار في اللحظات التي تتطلب سرعة حاسمة. وبينما تظل الضوابط والامتثال ضروريين، فإن الأزمات غالباً ما تستدعي تبسيط الإجراءات وتمكين الفرق من التحرك.

ولهذا ينبغي لمجالس الإدارة وكبار القادة التركيز على تمكين المرونة، بدل تعزيز رقابة جامدة قائمة على القواعد الصارمة؛ فعندما يدرك الجميع الهدف العام والاتجاه الاستراتيجي، يصبح التنفيذ اللامركزي ممكناً. وهنا يحلّ الانسجام محل الإدارة التفصيلية المفرطة.

هدف واضح وذو معنى

وربما يكون العنصر الأهم في قيادة الأزمات هو وجود هدف موحد يجمع الجميع؛ فالناس قادرون على بذل جهود استثنائية عندما يدركون بوضوح ما الذي يعملون من أجله ولماذا.

إن وضوح الغاية يوجّه الطاقة الجماعية، ويحدّ من التشتت، ويحفّز الالتزام طويل الأمد حتى في أصعب الظروف. وعندما تتوحد الفرق حول هدف واضح وذي معنى -وحين يجسد القادة الهدوء والحسم والمرونة والتعاطف المعرفي في سلوكهم- تزداد فرص المؤسسات في الخروج من الأزمات أكثر قوة وصلابة.

فالأزمات لا تصنع شخصية القائد؛ بل تكشفها. والقادة الذين يستعدون مسبقاً عبر تنمية قدرتهم على التكيّف، وتوسيع منظورهم، وبناء ثقافات فريق قوية، هم الأكثر استعداداً لقيادة مؤسساتهم حين يحين الوقت الحاسم.

عن الكاتب
راندال بيترسون (Randall S. Peterson) أستاذ السلوك التنظيمي في جامعة لندن للأعمال London Business School.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 6 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: