الرئيسية الريادة القيادة تحت الضغط: ماذا يتعلّم القادة من دروس رمضان؟

القيادة تحت الضغط: ماذا يتعلّم القادة من دروس رمضان؟

حين تكشف الأزمات أسلوب القيادة الحقيقيّ، يصبح رمضان فرصة للتّأمل وإعادة ضبط الأوّلويّات وبناء قيادةٍ أكثر إنسانيّةً ووعياً قادرة على دعم الفرق واتّخاذ قراراتٍ متزنةٍ

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

عندما تضرب اضطراباتٌ غير متوقّعةٍ منطقةً ما، فإنّها لا تؤثّر فقط في سلاسل الإمداد والأسواق واستمراريّة الأعمال، بل تكشف القيادة أيضاًوهكذا، فقد دفعت حالة عدم اليقين الجيوسياسيّ السّائدة عبر دول مجلس التّعاون الخليجيّ اليوم قادة الأعمال إلى نوعٍ من اختبار الضّغط غير المخطّط له، وهو اختبارٌ يكشف في الوقت الحقيقيّ كيف تتّخذ القرارات تحت الضّغط، وكيف يتمّ دعم الفرق عندما تختفي حالة اليقين، وما إذا كانت الثّقافة الّتي بنيت خلال الأوقات الجيّدة تصمد عندما تشتدّ الأمور.

ويستحقّ توقيت التّطوّرات في المنطقة، مهما بدا غير مريحٍ، أن يؤخذ بعين الاعتبار. ففي نهاية المطاف، بدأت الأزمة المستمرّة في منتصف شهر رمضان، وهو شهرٌ يدعو بطبيعته إلى النّوع ذاته من التّأمّل الّذي تتطلّبه مثل هذه الظّروف.

ومع اقتراب نهاية رمضان هذا العام، أجرت "عربية .Inc" حديثاً مع ريم العريان، وهي مدرّبةٌ في القيادة وتحويل العقليّات ومؤسّسة "أثر للتدريب والتطوير" (Athar Coaching and Training)، وهي شركة تدريبٍ وتطويرٍ مهنيٍّ مقرّها الإمارات العربيّة المتّحدة، ومع فاتن العيّاشي، وهي مدرّبةٌ تنفيذيّةٌ وتشغل منصب الشّريك الإداريّ في "برايتفيلدز" (Brightfields)، وهي مؤسّسةٌ تقدّم خدمات التّدريب التّنفيذيّ عبر الإمارات وقطر والمملكة المتّحدة، وذلك لاستكشاف كيف يمكن للشّهر الفضيل أن يقدّم دروساً قيّمةً للقادة الّذين يواجهون مثل هذه الأوقات الصّعبة.

في البداية، أشارت كلٌّ من العريان والعيّاشي إلى أنّ رمضان يمكن أن يعمل كمختبرٍ عمليٍّ للقيادة، يوفّر للمؤسّسين لحظةً منظّمةً لإعادة ضبط الأولويّات، وإعادة معايرة نهجهم، واكتساب رؤى حول أنماطٍ غالباً ما تخفى بسبب وتيرة العمل اليوميّة السّريعة. وقالت العريان: "تخيّل رمضان كمرآة واضحة تكشف ما لا نراه خلال العام. ففي زحمة العمل اليومية، تخفي السرعة المشكلات الحقيقية، ويغطي الانشغال فجوات القيادة، وتخفي ضغوط المواعيد النهائية الكثير من السلوكيات. لكن مع دخول رمضان، تهدأ الوتيرة وتتغير الطاقة، فيصبح ما يظهر بوضوح هو أسلوب القادة في التعامل مع الناس من حيث الصبر والتعاطف والثقة والاهتمام. عندها تبدأ بملاحظة الفارق بين من يقود بالتعاطف ومن يقود بالضغط، وبين من يمنح الثقة ومن يمارس الإدارة المفرطة، وبين من يقدّر الجهد الحقيقي ومن يهتم بالمظاهر فقط. وربما أهم ما في هذه المرآة أنك لا تكتفي برؤية الحقيقة، بل تملك القدرة على أن تقرر كيف ستتصرف بناءً على ما اكتشفته."

Clarity Under Constraint: Lessons From Ramadan About Leading Through Uncertainty

ريم العريان، مدربة في القيادة وتحويل العقليات لمؤسسة Athar Coaching and Training.

وبما يعكس هذا المنظور، أشارت العيّاشي إلى أنّ التّغيّر في وتيرة العمل الّذي يقدّمه رمضان يخفّف أيضاً من القوى الدّافعة وراء سلوكيّات القيادة القائمة. وقالت: "يكشف هذا الواقع إلى أي مدى تعتمد قيادتنا على الإلحاح والسرعة والتركيز على النتائج، بدلاً من النية الواضحة والإنسانية في التعامل. وعندما تقل ساعات العمل وتتغير مستويات الطاقة، يتلاشى وهم الإنتاجية المستمرة، ويبدأ القادة برؤية ما كان مخفياً طوال الوقت. تظهر بوضوح مشكلات مثل ضعف ترتيب الأولويات، وكثرة الاجتماعات غير الضرورية، والانشغال الشكلي، إضافة إلى اتخاذ قرارات سريعة وردّ فعلية بدلاً من قرارات مدروسة." ووفقاً للعيّاشي، فإنّ الوضوح الّذي يقدّمه رمضان ليس تشخيصيّاً فقط؛ بل هو دعوةٌ لإعادة التّوجيه بالكامل. وأضافت: "بدلاً من السّؤال: كم عدد السّاعات الّتي عملت؟ يصبح السّؤال: ما الّذي يهمّ حقّاً اليوم؟" وأشارت إلى أنّ "هذا التّحوّل وحده يمكن أن يغيّر الثّقافة."

وأضافت العيّاشي أنّ مثل هذه التّحوّلات في المنظور تصبح أكثر أهمّيّةً في ظلّ تنقّل القادة في مختلف أنحاء المنطقة حاليّاً ضمن حالةٍ من عدم اليقين نتيجةً للأحداث الجيوسياسيّة. وقالت: "يحمل رمضان دروساً قياديّةً تمتدّ إلى ما هو أبعد بكثيرٍ من الشّهر الفضيل. تصبح قيمٌ مثل الصّبر والتّعاطف والتّواضع والمسؤوليّة تجاه الآخرين أكثر معنى خلال أوقات الاضطراب. يدرك العديد من القادة الّذين نعمل معهم في "برايتفيلدز" أنّ القيادة اليوم تتطلّب أكثر من التّفكير الاستراتيجيّ. إنّها تتطلّب الحضور، والوعي العاطفيّ، والقدرة على دعم الأشخاص خلال اللّحظات الصّعبة. يعزّز رمضان أهمّيّة القيادة بنيّةٍ وتعاطفٍ ومنظورٍ، وهو ما يقوّي في النّهاية الثّقة والمرونة داخل المؤسّسات."

وأضافت العريان أنّ رمضان يتيح أيضاً للقادة ملاحظة المساهمات الّتي غالباً ما تمرّ دون أن ترى أو يلتفت إليها. وشرحت: "عندما تتباطأ الوتيرة، يصبح النّاس أكثر وضوحاً. يبدأ القادة في التّعرّف على الجهد العاطفيّ، والمساهمين الهادئين، وأولئك الّذين يدعمون الفريق بشكلٍ طبيعيٍّ. هذه أصولٌ ثقافيّةٌ غالباً ما لا تلاحظ في البيئات السّريعة." لكنّ هذه الرّؤية لا تصبح ذات معنى إلّا إذا تحوّلت إلى أفعالٍ،" كما تؤكّد العريان، ومعيار ذلك أقلّ ممّا يفترضه معظم القادة. وقالت: "لا تبنى الثّقافة عبر عباراتٍ على الجدران أو خطبٍ في الفعاليّات. بل تشكّل من خلال سلوكيّاتٍ صغيرةٍ تتكرّر يوميّاً. إتاحة المرونة، تقليل المتطلّبات غير الضّروريّة، الاطمئنان على الرّفاه قبل التّسليمات. ترسل الإيماءات الصّغيرة رسائل قويّةً حول ما يهمّ حقّاً."

كما أشارت العريان إلى أنّ الصّفات ذاتها الّتي يكشفها رمضان لدى القادة تصبح أيضاً حاسمةً خلال فترات التّقلّب. وقالت: "في أوقات عدم اليقين، لا يبحث الناس عن إجابات مثالية بقدر ما يبحثون عن قيادة ثابتة وواضحة. وهنا يبرز تأثير رمضان، إذ يساعد على تهدئة ردود الفعل، وتعميق الوعي، وإعادة النية إلى صميم عملية اتخاذ القرار. فقد يظهر قادة في أصعب الظروف دون امتلاك كل الإجابات، لكن حضورهم وطريقتهم في التعامل تمنح الفريق شعوراً بالاستقرار. يقولون ببساطة: هذا ما نعرفه، وهذا ما لا نعرفه، وهذا هو الطريق الذي سنتقدم فيه معاً. هذا النوع من الصدق يعزز الثقة بشكل كبير، وهو ما يرسخه رمضان بطبيعته."

كما لفتت العيّاشي إلى أنّ التّكيّف مع وتيرة رمضان يؤثّر في ديناميكيّات المؤسّسات، ممّا يسمح للقادة بأن يصبحوا أكثر انسجاماً مع فرقهم. وقالت: "يبطّئ رمضان إيقاع المؤسسة ويهدّئ من اندفاعها اليومي. وعندما يكون القادة أنفسهم صائمين ويعيشون تجربة الجوع والتعب والتأمل، يصبحون أكثر وعياً وفهماً لطبيعة الإنسان وحدوده. هذا الوعي ينعكس مباشرة على أسلوب القيادة فيجعلها أكثر مرونة وهدوءاً. كما يفتح هذا التباطؤ مساحة لحوارات أعمق وأكثر صدقاً، بدلاً من الاكتفاء بتحديثات سطحية، ويشجع على مناقشة الغاية والقيم، وإعادة النظر في ما يستحق الاستعجال فعلاً، مع تعزيز الثقة وإظهار قدر أكبر من المرونة في التعامل."

Clarity Under Constraint: Lessons From Ramadan About Leading Through Uncertainty

فاتن العيّاشي، مدربة تنفيذية والشريك الإداري في Brightfields.

لكنّ العيّاشي سلّطت الضّوء على أنّ اليقظة الّتي يشجّعها رمضان لا يجب أن تكون مؤقّتةً—إذ يمكن أن تضع الأسس لعاداتٍ قياديّةٍ مستدامةٍ. وقالت: "يمنح رمضان المؤسسين، مهما اختلفت خلفياتهم، فرصة حقيقية لتطبيق التعاطف بشكل عملي داخل بيئة العمل. ويتجلى ذلك في مراعاة مستويات الطاقة لدى الفرق، وتبني إيقاعات عمل أكثر مرونة، مع الحفاظ على جودة الأداء دون الضغط المفرط. وعندما يشعر الموظفون بأنهم يُعاملون كأشخاص متكاملين وليس فقط كأدوات إنتاج، يرتفع مستوى الولاء والتفاعل بشكل طبيعي، سواء خلال رمضان أو في أي وقت آخر.

 وأضافت: "ولا يقتصر أثر رمضان على تحسين ديناميكيات الفريق فقط، بل يتجاوز ذلك ليمنح القادة فرصة لمراجعة أسلوبهم القيادي بشكل أعمق. فالأمر لا يتعلق بكيفية إدارة الآخرين فحسب، بل بكيفية حضور القائد نفسه وتأثيره على من حوله. وهنا يأتي دور التأمل، حيث يفتح رمضان مساحة لإعادة التفكير والتقييم، مما يساهم في بناء نمو قيادي حقيقي. فهو يساعد القادة على الانتقال من ردود الفعل السريعة إلى القرارات المبنية على نية واضحة، ومن أسلوب الأوامر إلى بناء الثقة، ومن الضجيج والتشتت إلى وضوح الرؤية."

وأكّدت العيّاشي أيضاً أنّ الشّهر الفضيل يقدّم فرصةً للقادة للنّظر إلى الدّاخل. وقالت: "رمضان هو دعوة لتدقيق ذاتك كقائد. يمكن للمؤسسين أن يسألوا: أين أقود بدافع الأنا مقابل روح الخدمة؟ أين أتصرف برد فعل بدلاً من الاستجابة الواعية؟ ما العادات التي تحركها مخاوف فقدان السيطرة؟ وكيف ستبدو القيادة إذا كانت قائمة على الثقة؟ هذه الأسئلة لا تحفز التأمل فقط، بل تسهم بشكل مباشر في بناء القدرات التي تتطلبها قيادة أكثر نضجاً ووضوحاً. وقالت: يدعم هذا الشهر الانضباط الذاتي، وتنظيم المشاعر، والنية الواعية، وهي جميعها عناصر قيادية أساسية. يعزز الصيام الوعي بالذات، ويمنح التأمل وضوحاً أعمق، ويساعد تقليل الضجيج على تطوير التفكير الاستراتيجي. وإذا تم استثمار رمضان بوعي، يمكن أن يساعد المؤسسين على الانتقال من إدارة الأزمات اليومية إلى تبني قيادة أكثر رؤية وتأثيراً."

ويعتقد كلٌّ من العريان والعيّاشي أنّ العادات الّتي تزرع خلال رمضان يمكن أن تترسّخ في الممارسات القياديّة لفترةٍ طويلةٍ بعد انتهاء الشّهر. وقالت العريان: "يعزز رمضان ثلاث مهارات قيادية أساسية. أولاً، القصدية: أن تتصرف بوعي بدلاً من العمل بشكل تلقائي. ثانياً، الصبر: أن تدرك أن ليس كل موقف يحتاج إلى فرض القوة. وأخيراً، الإنسانية: أن تتذكر أن الموظفين هم بشر قبل أي شيء آخر. وإذا تمكن القادة من الحفاظ على جزء بسيط من هذه العقلية بعد انتهاء الشهر، فإن الثقة تتعمق، والمشاركة ترتفع، والثقافة داخل المؤسسات تنضج. وفي النهاية، ما يبني المصداقية الحقيقية هو الاستمرارية، وليس الاندفاع أو الشدة."

ومع اقتراب نهاية رمضان، أشارت العريان إلى أنّ القيمة الحقيقيّة للشّهر الفضيل تكمن في ما إذا كان القادة سيختارون حمل السّلوكيّات الّتي يشجّعها إلى ما بعده. وقالت: "رمضان ليس مجرّد لحظةٍ؛ إنّه نموذجٌ. والقادة الّذين يستفيدون أكثر هم أولئك الّذين لا يتعاملون معه كسلوكٍ مؤقّتٍ. رمضان ليس فقط عن التّباطؤ. إنّه عن الرّؤية بوضوحٍ واختيار القيادة بشكلٍ أفضل بسبب ذلك." 

ووافقت العياشي، مشيرة إلى أربعة مبادئ يمكن للقادة الاستمرار بها بعد رمضان طوال العام. وقالت: "أولاً، الانضباط دون قسوة: يعلم رمضان التنظيم وضبط النفس دون أن يعني ذلك الجمود. ويمكن للقادة تطبيق ذلك من خلال الحفاظ على معايير عالية مع الاستمرار في إظهار التعاطف. ثانياً، الحضور أهم من السرعة: البطء لا يعني الضعف، بل إن القيادة الواعية غالباً ما تحقق نتائج أفضل من القرارات المتسرعة. أبطئ لتتمكن من التقدم بشكل أفضل. ثالثاً، المجتمع قبل الفرد: يركز رمضان على التجربة الجماعية، وفي بيئة العمل نادراً ما يكون النجاح فردياً، بل هو نتيجة نظام متكامل. وأخيراً، التأمل كجزء من القيادة: لا يجب أن يقتصر التوقف للتفكير على مواسم معينة، فالقادة الذين يجعلون التأمل جزءاً من روتينهم الأسبوعي يتخذون قرارات أكثر حكمة على مدار العام».

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 9 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: