التنمية

خمسة دروس مستفادة في قيادة الأعمال والتأثير الاجتماعي خلال الحرب

“يا بني، لا تعد اليوم. فقد صار منزلنا إلى الدمار لقد فقدنا كل شيء!”. وهكذا بدأت رحلة مروعة حيث واجهت أنا وعائلتي الظروف المضطربة في حلب، سوريا، التي مزقتها الحرب وأرهقت قاطنيها.

A بواسطة: Anas Anjrini
images header

في سبتمبر 2012، انقلب عالمي رأساً على عقب. وصلت أصداء الحرب إلى عتبة منزلي، وفي مكالمة هاتفية محبطة، أرسل والدي رسالة صادمة: “يا بني، لا تعد اليوم. فقد صار منزلنا إلى الدمار لقد فقدنا كل شيء!”. وهكذا بدأت رحلة مروعة حيث واجهت أنا وعائلتي الظروف المضطربة في حلب، سوريا، التي مزقتها الحرب وأرهقت قاطنيها.

خلال المعارك التي لا هوادة فيها، تحولت مدينتنا إلى واحدة من أخطر الأماكن في العالم، حيث أصبحت حتى الضروريات الأساسية كماليات بعيدة المنال. ومع ذلك، وفي خضم هذه الفوضى، تحولت من لاجئ لا حول له ولا قوة إلى صانع أمل في العالم العربي، وهو لقب منحتني إياه مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، وذلك بعد النجاح الكبير في إنشاء أربع شركات ذات بعد اجتماعي.

وعلى الرغم من أن هذه الشركات لم تصل إلى مكانة اليونيكورن، إلا أن تأثيرها خلال الأوقات العصيبة كان عميقاً. فقد أعطت دروساً لا تقدر بثمن في المرونة والقدرة على التكّيف، وهي دروس أعتقد حقا أنها تحمل أهمية لا تتزعزع في مشهد الأعمال المتغير باستمرار. ولذلك، فإنني الآن أشارك هذه التجارب، على أمل تزويد زملائي من رواد الأعمال بأهم ما حصلت عليه من معرفة وخصوصاً أولئك الذين يسعون إلى تجاوز حالة عدم اليقين، وإشعال التغيير الإيجابي وتعزيز المرونة داخل مؤسساتهم او مجتمعاتهم.

الدرس الأول: تبني عقلية المنقذ
تجارة الملابس، حلب 2013

في مواجهة الشدائد، يمكن استغلال يأس الناس، وكثيراً ما تباع الضروريات الأساسية بأسعار باهظة. لذا فكرت في حل يمكن أن يساعدني ومجتمعي في البقاء على قيد الحياة. قمت بإعداد طاولة في الشارع، واشتريت ملابس عالية الجودة من مورد خارج حلب وقمت ببيعها بأسعار معقولة، مما يضمن ربحاً عادلاً لي وللعائلات التي تقوم بالشراء. وفي وقت لاحق، أنشأت بالتشارك مع عائلتي مصنعًا صغيرًا غدا ناجحاً، مما أدى إلى إنشاء علامة تجارية محلية هادفة لخدمة آلاف العائلات في جميع أنحاء سوريا.

كان لهذا النشاط تأثير اجتماعي عميق، لأنه لم يوفر ملابس بأسعار معقولة فحسب، بل أنشأ أيضاً فرص عمل ووفر الكرامة والأمل لعدد لا يحصى من العائلات في مجتمعنا ممن كانوا يكافحون من أجل الوصول إلى الملابس خلال تلك الأوقات الصعبة. في البداية، لم تكن لدينا كل الإجابات، لكن تصميمنا في التغلب على التحديات من الداخل كان القوة الموجهة لنا.

نقطة التعلم الرئيسية: عند مواجهة عدم اليقين قدرتنا على التكيف ومرونة ما نقوم به من خطوات ستحسم مصيرنا.

الدرس الثاني: ابحث عن الشراكات المؤثرة وذات الاهتمام
تجارة القرطاسية، حلب 2015

في آذار 2015، وسط فوضى الحرب وندرة الموارد، شرعت أنا وأصدقائي في مبادرة جريئة خارج الصندوق: إنشاء دفاتر ملاحظات ومذكرات فريدة من نوعها. لم يكن هدفنا توفير المنتجات التعليمية الأساسية فحسب، بل كان أيضاً تمكين الطلاب الذين يسعون جاهدين للحصول على التعليم العالي في مدينة معزولة عن العالم من خلال الإيرادات الناتجة عن بيع هذه المنتجات.

وفي مواجهة التحديات الصعبة، قمنا بتسخير قوة التعاون والشراكات. لقد تواصلنا مع المجتمع بأكمله، من المنظمات غير الحكومية إلى القطاع الخاص، ومن المنافسين إلى الكشاف، ومن الكنائس إلى المجموعات التطوعية والطلاب. احتشدت المدينة لقضيتنا واتحدنا معاً. وفي غضون شهرين فقط، نجحنا في إحياء رؤيتنا، وأنتجنا دفاتر ملاحظات عالية الجودة لم تنجح في حلب فحسب، بل جذبت أيضاً الاهتمام الدولي. ارتفع الطلب مما دفعنا إلى إنشاء مراكز في مدن أخرى.

لقد أصبح إيرادنا المالي قوّة للخير، مما مكننّا من تقديم الدعم السخي لمئات الطلاب المحرومين مالياً الذين يتابعون تعليمهم العالي في جامعة حلب في مختلف المجالات. وقد أصبح العديد من هؤلاء الطلاب أطباء ومهندسين واقتصاديين، مما ساهم بشكل كبير في تحسين المدينة بأكملها. لقد امتد التأثير إلى ما هو أبعد من نشاطنا الأولي، حيث لعب هؤلاء الأشخاص دوراً رئيسياً في تحسين رفاهية مجتمعنا والمدينة بشكل عام.

نقطة التعلم الرئيسية: التعاون مع مجموعة متنوعة من المساهمين (أصحاب المصلحة) ذوي الاثر، يجلب وجهات نظر جديدة ويعزز قدراتك في حل المشكلات.

الدرس 3: أطلق العنان لإبداعك
شركة إعادة التدوير، حلب 2016

عندما بدأت المنظمات غير الحكومية في تقديم وجبات الطعام للمحتاجين، أدى الاستخدام المكثف للأغذية المعلبة إلى خلق مشكلة بيئية حيث ينتهي الأمر بالنفايات في الشوارع. لقد كانت لدي أنا وشريكي المؤسس فكرة مجنونة على ما يبدو، “كيف يمكننا تحويل هذه النفايات إلى أموال نقدية وخلق تأثير إيجابي في مجتمعنا؟” أدى هذا السعي الدؤوب إلى ولادة شركة ناشئة لإعادة التدوير.

قام مشروعنا بتحويل أكثر من عشرة أطنان من النفايات إلى هدايا جميلة مصنوعة يدوياً، والتي لم نقم ببيعها في حلب فحسب، بل أيضاً خارج حدودها. و باستثمار أولي قدره 2000 دولار فقط، ارتفع نمو مشروعنا إلى قيمة 300.000 دولار، مما وفّر فرص عمل لأكثر من 40 عائلة متعثرة قامت بتصنيع هذه المنتجات واعتاشت على ايرادات بيعها.

كان لمشروعنا تأثير ثلاثي: بيئي واجتماعي واقتصادي. لقد جعل البيئة أكثر نظافة، وساعد الأسر على أن تكون أكثر أماناً من الناحية المالية، وجعل مجتمعنا أقرب إلى بعضه البعض، كما أعطى دفعة للاقتصاد المحلي المتعثر في ذلك الوقت.

نقطة التعلم الرئيسية: كلما مرّنت عقلك على الإبداع ، أصبحت مجهزاً بشكل أفضل لمواجهة التحديات غير المسبوقة.

الدرس الرابع: القيادة الموجهة بالغرض
شركة تنظيف، حلب 2018

في عام 2017، عدت أنا وعائلتي إلى منزلنا المدمّر في حلب التي مزقتها الحرب، حيث استقبلنا الدمار الذي خلفته سنوات الصراع. وسط الركام، طرح والداي سؤالاً حاسماً يخفي ورائه الكثير من الاحباط وعدم اليقين: “كيف يمكننا إعادة النظافة والحياة إلى هذا المكان!؟”

أثار هذا السؤال فكرة من شأنها أن تصبح شركة التنظيف الرائدة في سوريا، مدفوعة بغرض واضح: تحويل المناطق المدمرة إلى مساحات جميلة تملؤها النظافة والحياة”. لقد أصبحت هذه الرؤية أكثر قوة ورسوخاً، حيث أثرت على كل قرار، بدءاً من بناء الفريق وحتى تحديد العمليات والتسويق. وقد أتى هذا بثماره فعلاً و أثراً.

وفي غضون عامين فقط، قمنا بإعادة إحياء مئات المنازل، مما مكّن العائلات من استعادة مساحات معيشتها. توسعت خدماتنا لتخدم أكثر من 1000 عميل، وحققت هامشاً إجمالياً قوياً بنسبة 35 بالمائة كأرباح ونمواً مذهلاً في المبيعات السنوية بنسبة 10 بالمائة.

ومع ذلك، فإن تأثيرنا تجاوز الأرقام البسيطة، فقد أنشأنا أكثر من 30 فرصة عمل، وأعدنا تنشيط المساحات المشتركة، وساهمنا بشكل إيجابي في مجتمعنا من خلال برنامج المسؤولية الاجتماعية الخاص بنا.

نقطة التعلم الرئيسية: حتى في أحلك الظروف، اجعل من الغرض البوصلة، وشاهد عملك يزدهر بفخر.

الدرس الخامس: البقاء على مقربة من الناس والكوكب

في جميع أعمالنا، نهتم بشدة بالناس والمجتمع والبيئة. لقد كانت استجابة طبيعية للمعاناة التي شهدناها. في ذلك الوقت، لم نكن نعرف أنها جزئيات مهمة في عالم الأعمال ( العوامل البيئية والاجتماعية والحوكمة).

كانت أولويتنا القصوى دائماً هي رفاهية الناس. لقد قدمنا ​​دعماً وتمكيناً لا محدوداً لفرق العمل، سواء من الناحية المالية أو من خلال فرص التعلم المستمر. وبالمثل، قمنا بإشراك عملائنا في تحقيق التطور والرضا، سعياً إلى فهم احتياجاتهم وتطلعاتهم وبالتالي تحقيق اثر اكبر في مسارهم المهني والشخصي.

علاوة على ذلك، قمنا بتوحيد جهودنا مع الأمم المتحدة لدعم النساء والأطفال في المجتمع، والدفاع عن حقوقهم ورفاههم. وأكدت هذه الشراكة التزامنا بإحداث تأثير إيجابي على المجتمع الذي نخدمه.

أما بالنسبة للبيئة، فرغم التلوث الهائل الناجم عن المعارك، بذلنا قصارى جهدنا لممارسة الاستدامة. على سبيل المثال، في شركة التنظيف الناشئة لدينا، قمنا باستيراد مواد تنظيف مستدامة من لبنان، على الرغم من ارتفاع التكاليف وصعوبة النقل.

نقطة التعلم الرئيسية: إن تبني المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة لا يمثل تضحية بالربح؛ إنه محرك أساسي للنمو المستدام والربحية.

——————-

أرجو أن هذه الخلاصات والدروس المستفادة لاقت إعجابكم، وأرحب بإضافاتكم وأفكاركم حول ما قمت بطرحه. مودتي.

*مصدر الصورة: Clarity

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
آخر تحديث:
تاريخ النشر: