الرئيسية تكنولوجيا الروبوتات البشرية ستعيد رسم الاقتصاد: هل الشركات مستعدة؟

الروبوتات البشرية ستعيد رسم الاقتصاد: هل الشركات مستعدة؟

تتجه التكنولوجيا لتطبيق الذكاء الاصطناعي في العالم المادي، مع دمج الروبوتات في المصانع والمستودعات والخدمات لتغيير أسس الإنتاج والعمليات التشغيلية

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

بالنسبة إلى الغالبية الساحقة من الناس، ظلّ الاحتكاك بالذكاء الاصطناعي يتمّ عبر شاشة حاسوب أو هاتف ذكي؛ هناك يجيب عن الأسئلة، ويختصر المستندات، ويصوغ رسائل البريد الإلكتروني، ويعمل في الخلفية على تحسين تفاصيل حياتنا الرقمية بكفاءة صامتة. وسيبقى هذا المسار قائماً بلا شك، غير أنّ ما يتشكّل الآن يتجاوز هذا الإطار المألوف؛ إذ بدأ الذكاء الاصطناعي ينتقل من حيّز الشاشة إلى فضاء الواقع المادي نفسه. ويصف جنسن هوانغ (Jensen Huang)، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا (NVIDIA)، هذه اللحظة بأنها فجر «الذكاء الاصطناعي الفيزيائي»، في إشارة إلى تحوّل نوعي لا يقتصر على التطوير التقني، بل يمسّ طبيعة العلاقة بين الآلة والعالم.

وما يعزّز هذا التصوّر أنّ ملامح هذا العالم الجديد أقرب زمنًا مما قد يُعتقد. فقد أعلنت فوكسكون (Foxconn)، إحدى أكبر شركات تصنيع الإلكترونيات عالميّاً، عزمها الشروع في إنتاج روبوتات بشرية الهيئة داخل الولايات المتحدة ابتداءً من عام 2026. وسيكون مرفقها الجديد في هيوستن بولاية تكساس من أوائل المواقع عالميًا التي تعتمد روبوتات بشرية مدعومة بمنصة (Isaac GR00T N) التابعة لشركة إنفيديا. ومن خلال هذا المصنع، تسعى الشركة إلى إنشاء موقع تجريبي يمكّنها من تعميم الروبوتات البشرية عبر شبكتها التصنيعية العالمية، في خطوة لافتة تتجلى فيها مفارقة المستقبل: روبوتات تُسهم في تصنيع روبوتات أخرى.

لقد اعتدنا أن نقول إن الذكاء الاصطناعي «يسكن» الحاسوب المحمول أو الهاتف؛ غير أن انتقاله إلى منصات بشرية الهيئة يعيد صياغة هذا التصوّر من جذوره. فثلاثة تطورات محورية هي التي جعلت الذكاء الاصطناعي الفيزيائي قابلاً للتطبيق الصناعي واسع النطاق. أولها تطور النماذج التأسيسية في مجال الروبوتات، التي باتت تمنح الآلات فهماً معمّماً للعالم الفيزيائي بدل الاقتصار على أوامر محددة سلفاً. وثانيها التقدم في المحاكاة عالية الدقة، التي تتيح للروبوتات أن «تتدرّب» ملايين الساعات داخل بيئات افتراضية قبل أن تطأ أرض المصنع فعليًا، بما يقلّص المخاطر ويعزّز الكفاءة. أما ثالثها فيتمثل في التعلم متعدد الوسائط، الذي يسمح للروبوت أن يتعلم من النصوص ومقاطع الفيديو والعروض البشرية، من دون الحاجة إلى برمجة مرهقة سطراً بسطر.

ومن ثمّ، نشهد ولادة جيل جديد من الروبوتات البشرية القادرة على الحركة، والحمل، والرفع، والفرز، والتنقّل ضمن بيئات معقدة؛ فهي تعمل في المستودعات ومراكز الخدمات اللوجستية وخطوط التجميع، وتكتسب مهام جديدة عبر تحديثات برمجية، في تماهٍ واضح بين العتاد الصلب والذكاء البرمجي.

وفي هذا السياق، تتضمن خطة فوكسكون تطوير نموذج ثنائي الأرجل وآخر مزوّد بعجلات، وكلاهما مصمّم للعمل في بيئات أُنشئت أصلاً للبشر. وتكمن أهمية هذا الخيار في أنه يُغني الشركات عن إعادة تصميم منشآتها؛ إذ تدخل الروبوتات البشرية إلى البنى القائمة كما هي، ما يختصر زمن التكيّف ويُسرّع وتيرة الاعتماد.

وعلى المستوى الاقتصادي، تُقدّر كلفة الروبوت البشري الواحد بما بين 20 و30 ألف دولار أمريكي. غير أنّ المقارنة لا تقف عند هذا الرقم؛ فهو قادر على العمل على مدار الساعة، ولا يحتاج إلى إجازات مرضية أو مدفوعة، ولا يتطلب تأميناً صحياً، ويمكن إعادة تدريبه خلال ساعات عبر تحديث برمجي. وهنا تتبدّى ملامح إعادة هيكلة عميقة لاقتصاديات العمل؛ إذ يمكن أداء معظم المهام الصناعية من دون التكاليف المرتبطة بالقوى العاملة التقليدية. ومن المرجّح أن يبدأ التحول في قطاع التصنيع، ثم يمتد سريعاً إلى الخدمات اللوجستية والتخزين وتجارة التجزئة، على أن تلحق به تطبيقات الدفاع والأمن في مرحلة لاحقة غير بعيدة.

ولا يقتصر الأثر المحتمل على هذه القطاعات؛ فالروبوتات قد تسهم أيضاً في معالجة النقص المزمن في مجالات رعاية المسنين والضيافة. أما الدول التي تبادر إلى تبنّي الذكاء الاصطناعي المتجسّد فستحصد مكاسب إنتاجية شبيهة بتلك التي أحدثها الحاسوب الشخصي أو الهاتف الذكي في عقود سابقة، في حين ستجد الدول المتباطئة نفسها أمام فجوة تنافسية تتسع باضطراد.

وإذا كان الذكاء الاصطناعي التقليدي يخلق إنتاجية رقمية عبر إعداد التقارير وكتابة الشيفرات وتصميم الرسوميات وأتمتة الأعمال الإدارية، فإن الروبوتات البشرية تنتج قيمة ملموسة في العالم الواقعي؛ فهي تنقل السلع، وتدير المخازن، وتشغّل الآلات، وتقدّم الخدمات الميدانية. وهنا، تحديدًا، تتشكل بنية الاقتصادات، إذ إن التصنيع والنقل والبناء والزراعة وأعمال الرعاية تمثل الدعائم الأساسية للناتج المحلي الإجمالي. صحيح أن الذكاء الاصطناعي الرقمي قادر على تحسين أداء هذه القطاعات، غير أنه لا يديرها ماديًا كما تفعل الروبوتات البشرية.

ومن هذا المنظور، فإن الانتقال من ذكاء اصطناعي يبقى خلف الشاشة إلى ذكاء يتحرّك ويتفاعل في العالم سيكون أكثر إحداثًا للاضطراب من الحاسوب الشخصي والهاتف الذكي والحوسبة السحابية مجتمعة؛ فالتقنيات السابقة أعادت تشكيل علاقتنا بالمعلومات، أما الروبوتات البشرية فستعيد تشكيل علاقتنا بالاقتصاد المادي بأسره.

أمام هذا المشهد، يجد الرؤساء التنفيذيون والمشغّلون والمستثمرون وصنّاع السياسات أنفسهم أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: الروبوتات البشرية قادمة، بل إنها بدأت بالفعل في بعض المواقع. ومن ثمّ، يصبح السؤال الاستراتيجي هو كيفية توظيف هذا التحول على أفضل وجه. ويبدأ ذلك ببناء خارطة طريق واضحة للذكاء الاصطناعي المتجسّد، عبر تحديد المهام القابلة للأتمتة، واستشراف تحولات سير العمل، وإنشاء البنية الرقمية اللازمة من بيانات واتصال ومحاكاة. كما ينبغي التعامل مع الروبوتات بوصفها جزءاً من الفريق التشغيلي لا كمشروع تجريبي هامشي، بحيث تُدمج منذ اليوم الأول في العمليات والتدريب والصيانة وتخطيط القوى العاملة.

كذلك يتعيّن الاستثمار في البنية التحتية قبل مرحلة النشر، نظراً إلى أن الروبوتات البشرية تتطلب حوسبة عالية الأداء، وبيئات محاكاة واسعة النطاق، ومراكز بيانات روبوتية، وأنظمة طاقة قادرة على دعم جيل جديد من الأتمتة الصناعية، وهي استثمارات ينبغي إدراجها ضمن خطط الموازنة لعام 2026 والأعوام الخمسة التالية. وفي موازاة ذلك، لا بد من إعداد القوى العاملة لواقع هجين يجمع بين البشر والآلات، عبر تطوير مهارات الإدارة والإشراف والتكامل التشغيلي، واستحداث أدوار جديدة لصيانة الروبوتات وتدريبها.

أما على الصعيد التنظيمي، فإن الذكاء الاصطناعي المتجسّد يثير أسئلة متعلقة بالسلامة والتوظيف والأخلاقيات والسياسة الصناعية، ما يستدعي شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص. وقد شددت مراراً على أن نجاح أي منظومة ذكاء اصطناعي مرهون بهذا التكامل؛ إذ إن القادة الذين يشاركون في صياغة الأطر التنظيمية سيحظون بميزة تنافسية واضحة.

ولئن كانت الروبوتات البشرية لعقود طويلة مادة للخيال العلمي، فإنها اليوم تُجمّع فعليًا في الولايات المتحدة، وخلال العامين المقبلين ستغدو جزءاً من القوى العاملة. وستحصد الشركات السباقة أفضلية تمتد لعقد كامل في الإنتاجية والربحية، فيما ستدفع المترددة ثمن التأخر. لقد بدأ عصر القوى العاملة الروبوتية، ولم يعد السؤال ما إذا كانت هذه الروبوتات ستعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، بل ما إذا كان من يتولّون القيادة مستعدين لقيادة هذا التحول.

وفي هذا الإطار، يشغل مارك مينيفيتش (Mark Minevich) منصب رئيس شركة غوينغ غلوبال فنتشرز (Going Global Ventures)، وهي شركة استثمار وتكنولوجيا واستشارات استراتيجية مقرّها نيويورك، كما يعمل مستشاراً استراتيجياً لدى شركة مايفيلد (Mayfield)، إحدى أبرز شركات رأس المال المغامر في وادي السيليكون. ويُعرف عالمياً بوصفه استراتيجيّاً في الذكاء الاصطناعي المعرفي الرقمي، وتنفيذيّاً في الابتكار الاجتماعي والتقني، ومستشاراً لدى الأمم المتحدة (United Nations)، فضلاً عن كونه مؤلفاً وكاتب عمود ومستثمراً خاصاً ورأسماليّاً مغامراً.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 6 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: